• الراية؛ معناها وأهميتُها ورمزِيّتُها:
قال: (لأعطين الراية) في الحرب من قدم الزمان منذ أن بدأت تتميز الجماعات البشـرية الكبيرة والأمم، ودخلت في حروب وصراعات كان للناس في حروبهم رايات؛ وهي الأعلام التي يرفعونها ليتميزوا بها، ويراها القاصـي منهم والشارد، فيأوي إليها، ويجتمعون حولها، وترتفع معنوياتهم وتشحذ هممهم وعزائمهم بارتفاعها وعلوها ورفرفتها في السماء.!
وربما كان لها وقع في نفوس الأعداء بالإخافة وإنزال الرعب والرهبة، وغير ذلك من الفوائد التي لا تخفى، ولذلك كانت الأمم كلها عربها وعجمها تتغنى في أشعارها وآدابها بارتفاع راياتها وعلوها وانتصابها، وخفقها ورفرفتها مع الرياح، وانتشارها في الهواء، وفوق سواد الجيوش، ويتغنون بألوانها وما فيها من الرمز والمعنى ولمعانها ودلالتها.. إلخ.
وجرى عمل نبينا ﷺ على اتخاذ الراية كذلك؛ لما في ذلك من المنفعة الظاهرة التي أشـرنا إلى جملة منها، وهكذا كان ﷺ، وهكذا شـريعته.
كل شـيء فيه مصلحة ومنفعة دنيوية أو أخروية خالصة أو راجحة، مما كان الناس يفعله قبل الإسلام، ومما تفعله الأمم، أقره أو أمر به وحث عليه، وما زاده إلا قوة، وربما أدخل عليه ما يصلحه ونفى عنه ما داخله من فساد، بحسبه، كما هو مبسوط في موضعه، فالراية هي ما يسميه الناس اليوم العَلَم، وكانت تسمى أيضًا البند، وجمعه بنود، وتسمى أيضا اللواء، وجمعه ألوية.
لكن في تصرف النبي ﷺ في غزواته وسـراياه وبعوثه، اختلف علماؤنا؛ هل الراية واللواء كانا مترادفين، أي هما شـيء واحدٌ، مرة يسمّونه الراية، ومرةً يسمّونه اللواء؟ أو هما متغايران؟ وإذا كانا متغايرين؛ فما الفرق بينهما؟
والأظهر -والله أعلم- أنهما يجتمعان ويفترقان؛ فإن كانت واحدة فتسمى راية أو لواءً، سواء، وقد جاء في الحديث عند «أحمد» وغيره من رواية بُرَيدة الأسلمي h: (إني دافع اللواء غدًا)٤٧٥مسند أحمد (22993) وقال الأرنؤوط: صحيح.، وإن كان أحدها للقيادة ولإمارة الجيش، والأخريات للفروع ولكل قوم أو مجموعة أو قطعة من الجيش، فالذي للقيادة يسمى اللواء، والذي للفروع يسمى الرايات، والله أعلم.
وتتبع أمثلة ذلك وأدلته يطول، وإنما نشـير هنا إشارة، وهو مبحث جزء منه تاريخي أدبي، وفيه أحكام أيضًا من جهة الاقتداء بفعله ﷺ في راياته وألويته، وأشكالها وألوانها وما يكتب فيها ومعرفة ما كان يراعيه من الحكمة فيها، وغير ذلك..
وللراية معنىً آخر: وهو الجانب المعنوي لها وهو المعنى الذي جاء في بعض الأحاديث؛ كحديث (من قاتل تحت راية عمية..) الخ، سمي راية والله أعلم من باب تسمية الشـيء باسم ما له ملابسة ظاهرةٌ به؛ فهو تجوّز إذن، إن شئتَ، ولا مشاحة.!
وذلك أن الراية كما وصفناها هي تعبير عن القوم والأمة الذين يتخذونها ويرفعونها، وتعبير عن هذه القوة البشـرية والجهة القومية أو الدينية أو غيرها التي تتخذ هذه الراية، وهذه الجهة إنما تتخذ هذه الراية المخصوصة وتصنعها وتجعلها معبرة عنها مميِّزة لها، منادية بدعوتها وعصبيتها، ناطقة بفكرتها وفلسفتها، ولذلك تجتهد كل جهة أن تجعل رايتها تعبر أصدق تعبير عنها، وهي كذلك دائمًا بلا شك، فوجه الارتباط (العلاقة) بين الراية التي هي العلم، وهي قطعة القماش، وبين الراية بالمعنى الذي نتحدث عنه هنا واضح جلي.
فالمسلم يقاتل تحت راية الإسلام دين الله الذي بعث به محمدًا ﷺ، والكافر يقاتل تحت راية قومه الكفار، تحت راية الكفر والشـرك، يهودية أو نصرانيةٍ، أو وثنيةٍ أو مجوسـيةٍ أو غيرها، سواء كان يرفع علمه الخاص (قطعة قماش) في ساحة المعركة أو لم يكن يرفع..!
الجندي الأمريكي: يقاتل اليوم تحت راية «الولايات المتحدة الأمريكية» بكل ما تعبر عنه هذه التسمية من عِرقٍ وقوميةٍ ودين ومعتقدات وفلسفات وما يسمونه بالقيم الأمريكية والحضارة والمدنية والثقافة الأمريكية والكبرياء والقوة والعصبية الأمريكية..!!
وبالجملة: الانتماء الأمريكي، أي الانتماء والولاء لهذه الدولة، فهو يقاتل تحت راية أمريكا.
والمسلم المجاهد: يقاتل تحت راية الإسلام، يقاتلهم تحت راية هذا الدين لا غير، ومن أجله لا غير، وبأحكامه لا غير..! فهو يقاتل تحت راية الإسلام؛ فإن كانت للإسلام دولةٌ فهي ترفع راية الإسلام، فهو تحت راية هذه الدولة الإسلامية، وإن لم تكن فالإسلام هو الراية على كل حال، وسواء رُفِعتْ (قطعة القماش) أو لم ترفع، فالراية هي ذلك المعنى الذي وصفناه.