🎬المواد الصوتية والمرئية المصاحبة

شرح رسالة التكفير والردة

التكفير والردة

[محاضرتان صوتيتان مترابطتان موضوعيًّا ألقيتا في «دورة الأنصار الشـرعية» بخُراسان، وضعناهما سويةً لإتمام المعنى مع حذف مكررهما، مدتهما مجتمعتان: خمسة وثلاثون دقيقة، نشرهما: بعض المجاهدين -بصورة غير رسمية-، وفرغهما١٬٢٦٨بما أن هذه المحاضرة غير رسمية وهي موجهة للطلبة في دورة شرعية؛ فقد اقتضى ذلك تغييرَ كثير من الكلمات العامية واستبدالها بأخرى فصيحة مناسبة للسياق؛ مع مراعاة أصل الفكرة التي يريدها الشيخ رحمه الله. «مؤسسة التحايا»، ونُشـرتا مطلع 1435]

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحابته ومن والاه، وبعد:

تكلمنا في الحلقة السابقة عن أول مقاصد الجهاد وغاياته، وهو أهم مقصد من مقاصد الجهاد وغايات الجهاد، وهو: تحقيق التوحيد وإزالة الفتنة التي هي الكفر والشرك، وقلنا أن الأصل في هذا هو الدليل الكبير الذي هو قوله عز وجل في سورة الأنفال: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ﴾ [الأنفال: ٣٩] وقد شرحنا التوحيد، وهو: عبادة الله وحده لا شريك له، وهو معنى أن يكون الدين كله لله، وضد التوحيد هو الشرك والكفر -والعياذ بالله-، وهذا الشرك والكفر هو الفتنة.

إذن؛ نحن نجاهد في سبيل الله من أجل إقامة التوحيد ونفي الفتنة الذي هو الشرك والكفر.

ومن أنواع الكفر والشرك: الشرك أو الكفر في الحكم، وهذا تكلمنا عليه وتكلمنا على التشريع من دون الله الذي هو عمل البرلمانات، تكلمنا عليه وأظن -إن شاء الله- أن الإخوة استوعبوا الدرس الماضي.

فقلنا أن النوع الأول للشرك هو: الشرك في الحكم، وضربنا له أمثلة.

والنوع الثاني من أنواع الشرك: الشرك في العبادة، والمقصود بالعبادة هنا: التعبُّد والتألُّه.

ص 1801

العبادة المباشرة: كالسجود، وتقديم القربات وغيرها لغير الله ﷻ.

وضابط الشرك في العبادة: أن كل عبادة صُرفت لغير الله، فهو شرك في العبادة، شرك في التألُّه، شرك في الإلهية، وهذا يقع من الذين يعبدون الأوثان، والذين يعبدون القبور، والذين يعبدون الأضرحة ونحوها، والذين يعبدون الطواغيت والفراعنة على اختلاف ألوانهم، والذين يعبدون الأحجار والأشجار والأقمار وغيرها.. هؤلاء كلهم أشركوا مع الله آلهةً أخرى توجهوا إليها بالعبادة وصرفوا لها أنواعًا من العبادة.

الدعاء مثلًا: يدعو غير الله، يقول: يا فلان، أو يا شمس، يا قمر، يدعو غير الله. أو يسجد لغير الله أو ينذر لغير الله، أو يذبح؛ الذبح للجن، وللطواغيت؛ خوفًا منهم واتقاء شرهم وتعوذًا منهم: ﴿وَأَنَّهُۥ كَانَ رِجَالٞ مِّنَ ٱلۡإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٖ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَزَادُوهُمۡ رَهَقٗا ٦﴾ [الجن] ذبح للقبر وغيره، أي عبادة، أي شيء ثَبَت كَوْنُه عبادة لله إذا صُرف لغير الله فهو كفرٌ بالله وشركٌ بالله وهو شركٌ في العبادة وفي الإلهية.

من أنواع الشرك -طبعًا هو أوَّلُها وأكبرها وهو حقه أن يُذكَر هو الأول لكن لقلة وجوده في المسلمين أخَّرناه- وهو: الشرك في الربوبية، وهو اعتقاد نفعٍ أو ضرٍ أو غيرها من الخلق أو الإحياء أو الإماتة والرزق أو غيرها لغير الله، اعتقاد وجودها يعني في غير الله.

فمن اعتقد -هذا النوع راجع إلى الاعتقاد- إنسان يعتقد أن غير الله -مهما كان، أي شيء غير الله- ينفع أو يضر أو يخلق أو يُحيي أو يُميت أو هو الذي يقدِّر المقادير أو نحو ذلك.. هذا شرك في الربوبية، وهذا لا يوجد في المسلمين إلا نادرًا، يقع فيه جَهله قد يعتقدون ذلك في بعض النواحي البعيدة، قد يعتقد بعضهم مثلًا-كما يُحكى- في بعض الأشجار أو بعض الأحجار أو شيء نحوها، لكن هذا قليل من جهة الاعتقاد، لكن يوجد الشرك في العبادة في أمة الإسلام، وقد وقع هذا كثيرًا؛ فيوجد في بعض المتصوفة وأصحاب الفساد، أو في بعض الفرق الضالة، لكن الاعتقاد يعني أنه يعتقد أنه ينفع أو يضر -نعوذ بالله- فهذا نادر.

تقريبًا هذه أهم أقسام الشرك والكفر -نعوذ بالله منها- التي نستطيع أن نقسِّم الشرك والكفر إليها، -يعني من باب الإنسان يعرف هذه-.

نحن إذن مأمورون بالجهاد؛ لإقامة التوحيد ونفي الشرك والكفر وإزالته، وذكرنا معنى التوحيد.

والعلماء -من باب معرفة الاصطلاحات- يقسمون التوحيد إلى ثلاثة أقسام:

توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية -يسمونه أيضًا توحيد العبادة-، وتوحيد الأسماء والصفات.. هذا تقسيمٌ اصطلاحي درسي للتوحيد.

ص 1802

توحيد الربوبية: أن نوحد الله ﷻ ربًا يعني خالقًا بارئًا مصورًا رازقًا معطيًا مانعًا مُحييًا مُميتًا، نافعًا ضارًا، منه النفع والضر والإيجاد والإعدام وكل ذلك، هذا من توحيد الربوبية.

توحيد الإلهية أو توحيد العبادة: توحيد التوجُّه، أن نعبده وحده لا شريك له، وهذا هو الأهم.

توحيد الأسماء والصفات: أن نفرده بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا.

سنرجع إلى الكلام على التوحيد لاحقا عندما نكمل الكلام على مقاصد الجهاد وغاياته، وسنرجع بعدها إلى الكلام على التوحيد والشرك والكفر، وهكذا نتكلم عن الردة والمرتدين، ونتكلم على مسألة التكفير متى يُحكم على الإنسان بالكفر وهكذا.

قلنا في مقاصد الجهاد وغاياته: أول مقصد هو إقامة التوحيد والدين وإزالة الشرك والكفر؛ الذي هو «الفتنة»؛ أي أن إزالة الفتنة هي أول وأكبر وأعظم مقصد من مقاصد الجهاد، لماذا نجاهد نحن؟ لهذا الأمر.. هذا أهم شيء نجاهد من أجله، والجهاد له مقاصد أخرى لكنها تأتي تبعًا لهذا المقصد.

وهناك مقاصد أخرى مطلوبة ومحمودة والله عز وجل شرع لنا أن نقصدها في الجهاد، وهي تأتي بعد هذا المقصد، منها: الحرية، ودفع الظلم ورفعه.

الحرية مقصودة، وهي حقٌّ للإنسان، والله عز وجل شرع لنا أن نطلب الحرية والتحرر من الاستعباد والاستعمار والاستكبار، وأن ندفعه قبل أن يقع ونرفعه إذا وقع، يعني دفع الظلم قبل وقوعه إذا جاء، ورفعه إذا وقع.. الظلم ندفعهُ ونرفعهُ، هذا من مقاصد الجهاد.

نستطيع أن نقول أيضًا من مقاصد الجهاد: حفظ نفوس المؤمنين والأعراض والأموال والأوطان للمسلمين، كلها من مقاصد الجهاد؛ فنحن نجاهد أيضًا لحفظ نفوس المسلمين وأعراضهم وأموالهم وأوطانهم، نجاهد من أجل ذلك، وهذا شيء محبوبٌ للنفس فكل النفوس تحبه وتريده، والله عز وجل شرعه لنا، فهو من الحظ الذي وافق الحق كما قال الله عز وجل: ﴿وَأُخۡرَىٰ تُحِبُّونَهَاۖ﴾ [الصف] فحفظ نفوس المسلمين وأعراضهم وأموالهم والدفاع عنها وأوطانهم، هذا من مقاصد الجهاد.

والله عز وجل قال في القرآن: ﴿وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ٧٥﴾ [النساء].

ص 1803

فأمرنا الله عز وجل إذًا بأن نقاتل في سبيله، أي: وفي سبيل المستضعفين -في سبيله والمستضعفين-، وذلك لإنقاذهم وإخراجهم من الاستضعاف، ووصَف هؤلاء المستضعفين بأنهم من الرجال ومن النساء ومن الولدان -يعني الأطفال والصغار-، الضعفاء المساكين تحت الاضطهاد وتحت حكم الكفار ﴿ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ﴾ هذه الدولة أو هذا البلد أو هذا السلطان، ﴿مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ﴾ الذين يظلموننا واجعل لنا يا ربِّ من لدنك وليًا من أهل الإسلام يتولانا ﴿وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ٧٥﴾ ينصرنا من لدنك وباسمك وبدينك وبحقك.

لا بد حتى يكون كل هذا مرضيًّا عند الله عز وجل أن يكون تابعًا للقصد الأول، مثلًا: لو جاء إنسان يُقاتل فقط من أجل الحرية، يريد أن يكون حرًا؛ هذا مباح لكنه ليس جهادًا في سبيل الله، يجاهد من أجل الحرية فقط! ولا نظر له إلى إقامة الدين.

مثلا: الآن دخل الأمريكان إلى أفغانستان فقام رجل مسلم يقاتلهم قيل له: لماذا تقاتل الأمريكان؟ قال: أنا أريد الحرية وأكره الاستعباد! هذا يقاتل من أجل الحرية، فيُقال له: أنت إذن تريد أن تقيم حكم الله وشريعة الله وتزيل الكفر والشرك وتقصد هذا وتريده وتحبه وتعمل له، يقول: لا! ممكن هو لو غلب على الأمريكان يقيم الكفر هو بنفسه؛ فهذا لا يجاهد في سبيل الله.

العلمانيون في فلسطين يقاتلون اليهود، العلمانيون -في منظمة التحرير الفلسطينية، منظمة فتح وغيرها- والشيوعيين -الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وغيرها- هؤلاء يقاتلون اليهود، في فترة من الفترات كانوا يقاتلون، الآن ما يقاتلونهم لكن في السنين القديمة كانوا يقاتلون من أجل الحرية، لكن هل هذا في سبيل الله؟ ليس في سبيل الله.

لكن الذي يقاتل من أجل إعلاء كلمة الله، وإقامة الدين والتوحيد والشريعة وأحكام الله وينفي الكفر والشرك ويزيل الفتنة، ويقصد معها الحرية ودفع الظلم ورفعه، وحفظ نفوس المسلمين والأعراض والأموال والأوطان وغيرها.. فالأوطان مثلًا من الأغراض؛ نحن ندافع عن أوطان المسلمين ولكن لا بد أن يكون تحت هذا المقصد حتى يكون مشروعًا محمودًا لله ﷻ وإلا فهو والبهائم لا فرق!

أنت عندما تأتي للبهيمة الخنزير -حاشاك- ما يتركك تأتي إلى عشه أو محله بل يدافع عن محله، هذا شيء جِبِليٌّ فطريٌ أجازَتْه الفطرة والشرائع كلها والقوانين الأرضية والسماوية، وهم يقولون هذا أيضًا: الدفاع عن الأوطان، هذا ليس محمودًا بذاته، إنما نحن نذكره ويكون محمودًا عندما يكون مندرجًا تحت هذا المقصد الكبير.

الشهيد لا بد أن ينوي إقامة دين الله -حتى يكون شهيدًا- لكن يمكن أن يكون عمله مباحًا كونه يقاتل من أجل حريته ويكره الاستعباد والظلم، ويدفع الظلم عن نفسه؛ فهذا مباح، هل الله عز وجل يُثيبه عليه حسنًا أو لا؟ المباح في حد ذاته لا ثواب عليه ولا عقاب، إنما هو بحسب النية إذا نُوي به الخير فيكون مُثابًا عليه وإذا نُوي به الشر يكون معاقبًا عليه، لكن المباح في حد ذاته لا ثواب ولا عقاب فيه.

ص 1804

فهذا كونه إنسانًا يقاتل من أجل الحرية فقط، فعله مباح ولكن إذا قُتل في هذا القتال لا نسميه شهيدًا ما لم يقصد إقامة دين الله عز وجل، ولا يكون شهيدًا في حكم الله وعند الله، والله أعلم بحاله، لكن نحن بحسب ما يظهر لنا نحكم، لكن هو في حكم الله إذا كان لا يقصد إقامة الدين لا يكون شهيدًا، لكن قد ينجو لأنه فَعل فعلًا مباحًا، فلا نقول أنه في النار؛ بل قد يكون ناجيًا لأنه فعل فعلًا مباحًا، كأنه مات موتةً طبيعية، كأنه مات حتف أنفه، لكنه لا ينال فضل الشهداء والشهادة؛ لأنه لم يقصد إقامة الدين.. هذا الذي تعطيه الأدلة والقواعد.

الذي يدافع عن نفوس المسلمين وأعراضهم وأموالهم وأوطان المسلمين لكونها أوطان المسلمين هذا شهيد في سبيل الله إذا قُتل؛ بحسبه يعني، إذا كان مظلومًا والثاني ظالم وهو دَفَع الظلم وقُتل، فهذا (من قُتل دون نفسه فهو شهيد ومن قُتل دون ماله فهو شهيد ومن قُتل دون عرضه فهو شهيد)١٬٢٦٩مسند أحمد (1625) بلفظ قريب منه، وإسناده قوي. حتى هذه المسألة التي سأل عليها الأخ يمكن أن يدخل فيها هذا؛ لأن المسائل تتقارب وتتداخل قليلًا.

أنا أجبت عن الذي يقاتل لمجرد الحرية فقط! فهذا فعل فعلًا مباحًا، لكن إذا كان مسلمًا ويحب الإسلام ويريد الإسلام فهذا -إن شاء الله- من الشهداء، لكن أنا أقصد أنه إذا ما عنده هذا المقصد الكبير الأول، على أساس هذا أجبتُ عليه.

المسلمان إذا تقاتلا فلا يخلو من حالات، هي عندها عدة صور: إما أن يكون كلاهما يريدان الغلبة ونزاعهما على الدنيا، خلاف على الدنيا وتقاتلا على الدنيا؛ فالنبي ﷺ قال: (القاتل والمقتول في النار) هذا وعيد شديد -نسأل الله العفو العافية-، (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) قيل: يا رسول الله هذا القاتل نعرفه -قاتل واضح يعني- فما بال المقتول؟ قال: (إنه كان حريصًا على قتل صاحبه) والحديث في الصحيحين١٬٢٧٠صحيح البخاري (31، 6875)، صحيح مسلم (2888)..

وهذا الحديث أصل في هذه المسألة، ولهذا أخذ منه العلماء أنه إذا تقاتل المسلمان فأكثر تقاتلوا على الدنيا وعلى الغلبة فيها والملك والرياسة.. فهذا الوعيد متوجهٌ إليهم جميعًا -إلى الفريقين- فيكون القاتل والمقتول في النار -والعياذ بالله- يعني مُعذّب بالنار، يدخل النار، هذا وعيد بدخوله النار ولكنه ليس الخلود في النار، فهذه كبيرة من الكبائر؛ فدخولهم دخول أهل الكبائر.

ص 1805

لكن إذا كان أحدهما مظلومًا ظلمًا واضحًا والثاني ظالم؛ جاء الظالم القوي الغالب يريد أن يأخذ مال هذا المسكين المظلوم أو يعتدي على عرضه أو نفسه فدفعه فقتله فهذا مشكورٌ ممدوح، وذلك إن كان قد قُتل فهو في النار، وهذا إذا قُتل فهو شهيد في سبيل الله.

يمكن أن يكون مثلًا مظلومًا لأن الظالم قتله، في أفغانستان -مثلًا- جاء الأمريكان فقام رجل من أهل أفغانستان وقاتل الأمريكان ودفعهم فقتلوه، ممكن -إن شاء الله- أن ينال أجر أنه قُتل مظلومًا، فيدخل في هذا الوعد وفي هذا الأجر أنه قُتل مظلومًا وقتله ظالم وهو يدفع الظلم لكن لا يُسمى شهيدًا الذي هو شهيد المعركة؛ لأنه ما لم ينوِ ويكون في إرادته وفي محبته ونيته وقصده أن يقيم الدين وأن تكون كلمة الله العليا فلا يكون شهيدًا؛ فالشهيد هو الذي ينوي ويكون قصده الأساسي وإرادته وطلبه ومحبته أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا وإقامة التوحيد وإزالة الفتنة -الكفر والشرك- وهذه المعاني.. هذا الذي يكون شهيدًا.

أما ما لم ينوِ ذلك، بحيث كان فارغًا من هذا، وخاليًا منه، هذا إما أنه كالميت لا أجر له؛ لأنه يفعل فعلًا مباحا ومات قتلا، أو أحسن حالاته أنه يكون مظلومًا وله أجر المقتول ظلمًا، يعني لو كان إنسانًا عاديًّا ليس مجاهدًا قُتل مظلومًا نرجو أن له أجر المقتول ظلمًا، ليس مجاهدًا، وليس شهيدًا.

وإذا كان الجهاد فرضا عليه وما قام به؛ فهو مقصرٌ ومرتكبٌ كبيرة ما لم يكن له عذر في هذه الحالة -مثل حالة أفغانستان- لكن هذه مسألة وكونه مقتول ظلمًا مسألة أخرى، مختلفتان، فنقول: هو مقصر في الجهاد ومستحق للوعيد: ﴿إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ﴾ [التوبة] ولكنه قُتل مظلومًا؛ فهذه مسألة وهذه مسألة، هو من هذه الجهة هو خاسرٌ خسران أهل الكبائر، ومن هذه الجهة هو مظلوم له أجر المقتول ظلمًا، فالله أعلم ما حاله في الآخرة، أمور الآخرة وأمور الثواب والعقاب؛ الكلام فيها دقيق، ما نتكلم فيها إلا بالقدر الواضح الذي قامت عليه الأدلة.

لكن الآن لو دخلَت الهند إلى باكستان، وقام «كياني» و«جيلاني» و«زرداني» يقاتلون الهند فهؤلاء يقاتلون من أجل وطنهم، ومن أجل دولتهم، لكن لا يقاتلون من أجل الدين بدليل أنهم هم حاكمون الآن وهم لا يقيمون الدين، بل هم يحاربون الدين أصلًا، ويقيمون الكفر والشرك والفتنة والمعصية والفسوق والفجور -والعياذ بالله- يقيمون هذه الأمور ولا يقيمون الدين؛ فهم لا يجاهدون في سبيل الله ولا يعتبر جهادهم مشكورًا ولا يعتبر جهادًا في سبيل الله أبدًا.

ص 1806

لكن هل يعتبر مباحًا؟ الله أعلم؛ أنه إذا كان في سبيل الحرية وفي سبيل أنهم يدفعون ظلم الهند والظلم عن قومهم فهذا مباح، بل من الممكن أن يكون ممدوحا محمودًا والذي يُقتل فيه ليس شهيدًا ولا يسمى جهادًا، هو شيء مباح، كافر يمارس فعلًا مباحًا يعني هم أصلًا كفار مرتدون، هم ليسوا مجاهدين أصلًا، لكن فعلهم هذا كسائر الأفعال المباحة يكون حينئذٍ هذا أحسن حالاتهم! لكن هم ليسوا مجاهدين في سبيل الله أصلًا ومن قُتل منهم فهو في النار -والعياذ بالله-؛ لأنهم كفار لا يكون أحدٌ منهم شهيدًا إذا قُتل في هذا القتال، أقصى الحالات وأحسنها أنهم يفعلون فعل مباحًا ولكن الغالب أيضًا أنه ليس مباح، لماذا؟ لأنهم لا يقاتلون من أجل «آزادي» الوطن وحرية أوطانهم وحرية الناس والدفاع عن أقوامهم والناس، لا، إنما يقاتلون من أجل ملكهم ورياستهم هذا الغالب.

هذه مسائل مهمة في المقاصد يجب أن تُعرف.

هو من جهة مرتكب كبيرة ويستحق العقاب، ومن جهة أخرى؛ له أجر المقتول ظلمًا والله أعلم بحاله في النهاية.

بالنسبة لقضية الوطن: أجمع العلماء رحمهم الله من جميع المذاهب الأربعة وغيرها حتى الظاهرية.. جميع العلماء أجمعوا على أنه إذا دخل العدو ولو شبرًا واحدًا من بلاد المسلمين فإنه يجب على المسلمين دفعه أو القيام بذلك الأقرب فالأقرب، هذا محل إجماع بين العلماء: الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية وغيرهم كلهم مجمعون على هذا المعنى، ألفاظ العلماء تختلف في ذلك، ولكن المعنى واحد.

العلماء أجمعوا على أنه إذا دخل العدو ولو شبرًا من أرض المسلمين أو من بلاد المسلمين فإنه يجب على المسلمين أن يدفعوه، وقد نصوا على ذلك؛ فيهبُّ المسلمون لجهاده ودفعه وإخراجه الأقرب فالأقرب واجب عليهم؛ فإن عجزوا أو قصروا فعلى من يليهم، ثم على من يليهم، إلى أن تحصل الكفاية لدفع العدو وتحرير بلاد المسلمين.. هذا مهم جدًا.

لكن لكي يكون الإنسان مجاهدًا في سبيل الله لا بد أن ينوي أنه يدافع عن بلد المسلمين لأنه بلد المسلمين الذي يقام فيه دين الله وشريعة الله ولأن الكافر إذا غلب على بلاد المسلمين فإنه يقيم الكفر، فالمسلم الذي يجاهد يدفع في الحقيقة الكفر ويدفع الكفار الذين يقيمون الكفر.. هذه النية لا بد أن تُستصحب حتى يكون جهادًا في سبيل الله.

أما الجهاد في سبيل الوطن مجردًا -الوطن فقط-!؛ فنجد الآن أن كل الأنظمة العلمانية المعاصرة والثقافة -هذه الفِرْهَنْك الحديث الجديد الغربي وغيره-، كلهم يعظمون الوطن، ويتكلمون عن الوطن مجردًا عن الدين والتوحيد، والوطن ليس بهذا الشكل، الوطن يمكن أن نتركه إذا كفر الوطن بالله، والدولة إذا كفرت بالله نتركها.

ص 1807

إنما نحن إذا قاتلنا من أجل أوطان المسلمين وبلاد المسلمين نقاتل عنها؛ لأنها بلاد المسلمين يقام فيها شريعة الله ودين الله وحكم الله وترفرف عليها كلمة لا إله إلا الله فنحن عندما ندفع الكفار إنما ندفع الكفر في الحقيقة، ندفعه ونرفعه ونرده ومريدين بذلك ومستصحبين بذلك أن تكون كلمة الله هي العليا وأن يقام دين الله عز وجل على أرض الله.

بلاد المسلمين يعني دار المسلمين، ودار الإسلام معناها واضح محدد عند الفقهاء، لكن بالنسبة للأندلس الآن -مثلًا- ليست من ديار المسلمين، في حالنا هذا، لكن نحن مأمورون بإعادتها إلى بلاد المسلمين؛ لأنها كانت جزءًا من دار الإسلام، وأخذها الكفار واستولوا عليها؛ فيجب علينا أن نجاهد من أجل إعادتها، كما يجب علينا أن نجاهد من أجل إعادة كثير من البلدان الأخرى التي كانت بلاد إسلام وندفع العدو منها.

كما يجب علينا أن نقاتل في سبيل الله حتى في البلاد التي لم يدخلها الإسلام أصلًا، يجب علينا أن نأخذها ونخضعها لحكم الإسلام، لكن هذا الوجوب يختلف عن هذا الوجوب، هذا الوجوب في «الأندلس» هو من باب وجوب جهاد الطلب، وهذا من باب وجوب جهاد الدفع، والله أعلم.

فرض عين علينا الآن إعادة بلاد المسلمين، الأندلس وصقلية وغيرها كأطراف من أوروبا الشرقية ووسط آسيا، وتركستان الغربية في الصين، وكثير من بلاد شرق آسيا وغيرها كانت بلاد إسلام وتحكم بالإسلام والهند نفسها أجزاء منها أو معظمها، فهذه بلاد المسلمين كانت في زمن -قرون ربما- يحكم فيها الإسلام وشريعة الإسلام ثم أخذها الكفار؛ فهذه يجب علينا أن نعيدها وهذا فرض على الأمة، ما لم يقم به من يكفي -ما لم تحصل الكفاية- فالجميع آثمون إلا من استبرأ، أي من برئت ذمته بالقيام بوسعه، استفرغ وسعه وقام بما أمكن وعجز؛ فهذه يجب علينا أن نعيدها إلى بلاد الإسلام، لكن المقصود ببلاد المسلمين: البلاد التي هي دار إسلام بالفعل إذا نزلها العدو، هذا هو المقصود هنا.

لكن حتى يكون جهاد المجاهد وقتال المقاتل جهادًا في سبيل الله حقًا ويترتب عليه أجر القتال في سبيل الله والجهاد في سبيل الله؛ فلا بد أن يكون دائمًا مستصحبًا لنية إعلاء كلمة الله، لا بد أن يكون مستصحبًا لهذا، يعني هذا موجود في الخلفية عنده في الباك قراوند، لا بد يعني.

ندخل إلى مسألة الردة والمرتدين -نعوذ بالله منها نسأل الله العفو والعافية والسلامة، اللهم عافنا-:

الردة: هي الكفر بعد الإسلام، يعني شخص كان مسلمًا ثم خرج من الإسلام وكفر فهذا يسمى المرتد.

ص 1808

والمرتد: اسم فاعلٍ من ارتد يرتد فهو مرتدٌ، مرتد اسم الفاعل الذي يفعل هذا الفعل، وهذا الارتداد عن الدين يعني الخروج من الدين بعد أن يكون قد دخل فيه، دخل في الإسلام وثبت له عقد الإسلام بطريقة من طرق ثبوت الإسلام سواء كان كافرًا ثم نطق بالشهادتين فدخل في الإسلام، أو عمل أعمال المسلمين التي يثبت بها الإسلام له، أو كان بالتبعية لأهله ووالديه بحيث نشأ مسلمًا ثم ارتد، يعني كَفَر وخرج من الإسلام فنقول أنه ارتد، كأن إنسانًا مقبلًا على شيء ثم ارتد وتركه، كان مقبلًا على شيء وداخلًا فيه وموجودًا فيه ثم تركه وذهب.

واختِيرِ لفظ الارتداد لهذا المعنى؛ لما فيه من الشناعة من الجهة البلاغية، ارتداد وترك الشيء، انتكاس وارتداد ﴿أُرۡكِسُواْ فِيهَاۚ﴾ في القرآن: الارتكاس والارتداد، فهذا هو الكفر بعد الإسلام أو بعد الإيمان هذه هي الردة، الإنسان الذي ثبت له حكم الإسلام بطريقة من طرق الثبوت يخرج من الإسلام ويتركه ويكفر؛ فهذا هو المرتد الذي نقول عنه ارتد يرتد ارتدادًا فهو مرتد.

كيف يخرج المسلم من دائرة الإسلام؟ وما هي الأشياء التي يخرج بها؟

إنسان ثبت له عقد الإسلام، هذا هو الإسلام -دائرة الإسلام- إنسان موجود في هذه الدائرة، كيف يخرج من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر؟ وما هي الأشياء التي يخرج بها الإنسان من دائرة الإسلام ويصير كافرًا بعد أن كان مسلمًا؟

الجواب: يخرج المسلم من دائرة الإسلام إلى الكفر ويصير مرتدًا بكل فعل أو قول -كلام- أو اعتقاد -شيء متعلق في القلب- ومن جملته الشك، الاعتقاد منه الشك؛ فالشك يدخل في الاعتقاد تغليبًا وإن كان الشك ليس اعتقادًا في الحقيقة.

بكل فعلٍ أو قولٍ أو اعتقادٍ يكون من شأنه أن الدليل دل على أنه كفر مخرج من الملة، يعني دل الدليل على أن هذا الفعل أو هذا القول أو هذا الاعتقاد كفرٌ مخرجٌ من الملة؛ فلا بد أن يوجد دليل شرعي يدل على أن هذا الفعل أو هذا القول أو هذا الاعتقاد مخرج من الملة بدون عذر -ما لم يكن له عذر-.

الأعذار مثل المُكرَه؛ فلو قال كلمة الكفر أو نحوها، فعل فِعلَ كفر أو قال قول كفر أو اعتقد الكفر بدون عذر، وتسمى هذه الأفعال أو الأقوال أو الاعتقادات الكفرية التي هي كفر ودل الدليل على أنها كفر تسمى «نواقض الإسلام» أو «نواقض الإيمان»، في اصطلاح العلماء يسمونها «النواقض»، التي تنقض الإسلام، تنقضه يعني النقض بعد الإبرام، والنقض هو حله بعد برمه وتماسكه، النقض هو الحل والفك، حبل -مثلًا- تربطه والنقض هو الحل والفك؛ ولهذا سميت نواقض لأنها تنقضه وتغيره وتضاده وتحله وتفكه وتزيله، نواقض الإسلام التي تزيل الإسلام وتنقضه وتذهب به.

ص 1809

كل الأفعال والأقوال والاعتقادات التي يدل الدليل الشرعي من الكتاب والسنة وما في معناهما على أنه كفر أكبر مخرج من الملة، هذه تسمى نواقض الإسلام.

وهذه النواقض جمعها العلماء وفصلوها ووضحوها، وكل العلماء من جميع المذاهب في كتب الفقه يبوِّبون «باب الردة»، أو «باب المرتدين» أو «باب أحكام المرتد» أو «باب أحكام المرتدين». أسماء مختلفة وكلها شيء واحد، كلها تعبيرٌ عن بابٍ واحد لكن عبارات العلماء تختلف.

ويذكرون في هذا الباب كثيرًا من المسائل؛ أنواعها وأجناسها وحتى أفرادها، بعض أفراد المسائل التي من الأقوال ومن الأفعال ومن الاعتقادات التي يكفر من يأتيها ومن يفعلها ومن يقولها ومن يعتقدها، فهذه موجودة في كتب العلماء جميعًا، الحنفية والمالكية والشافعية، الحنابلة.

في كتب الفقه كما أنه يوجد كتب الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج والبيوع والأنكحة وما يتعلق بها، الجهاد والفرائض المواريث وغيرها، كذلك أيضًا يوجد باب الردة.

فهذا من الفقه، والعلماء يذكرون في هذا الباب أجناسًا وأنواعًا، والكثير من أفراد الأفعال والأقوال والاعتقادات التي يصير بها المسلم كافرًا؛ فأنت لو ذهبتَ إلى كتب الحنفية تجد في جميع كتب الحنفية باب الردة.

تتمة محاضرة الردة:

ما زلنا نتحدث عن موضوع الردة -أعاذنا الله وإياكم منها-، وقلنا أن الردة هي: خروج المسلم من الإسلام بعد أن يكون قد دخل فيه، وأن المسلم يمكن أن يخرج من الإسلام بأي فعلٍ أو قولٍ أو اعتقادٍ مما دل الدليل الشرعي على أنه كفر مخرج من ملة الإسلام.

فلا بد أن يدل الدليل الشرعي على أن هذا القول أو الفعل أو الاعتقاد كفرٌ مخرج من الملة، وأن هذه الأفعال وهذه الأقوال وهذه الاعتقادات؛ التي دل الدليل على أنها كفرٌ وتخرج من ملة الإسلام، تُسمى عند العلماء نواقض الإسلام أو نواقض الإيمان.

ص 1810

من هذا الكلام؛ يتبين لنا أن الحكم بالردة على أي مسلم -لا بد أن يكون مسلم هو أصلًا-، هو حكم شرعي -وهذا الكلام مهم جدًا-: الحكم بالردة على شخص معين، والحكم بخروجه من الإسلام وصيرورته كافرًا هذا حكم شرعي يتكلم فيه الفقيه المُؤهَّل، وليس كل أحد يتكلم في خروج إنسان إلى الكفر أو الحكم عليه بالكفر، هذا حكم بالردة على شخص الذي هو يسمى بالتكفير، تكفيرُ شخصٍ معناها: الحكم عليه بالخروج من الإسلام، أن نحكم عليه أنه مرتد كافر.. هذا حكمٌ شرعي يتكلم فيه الفقيه المؤهَّل -الإنسان العالم المفتي المؤهل- يعني درس العلوم وأتقنها وصار عنده أهلية لأن يتكلم في المسائل الشرعية.

فالتكفير حكمٌ شرعيٌ كالحلال والحرام، كما نقول -مثلًا-: أكْلُ لحم الأرنب أو أكل لحم الدجاج، أو البيوع -مثلًا- في البيع الفلاني على الطريقة الفلانية أو بيع الشيء الفلاني وشراءه والتعامل بالمبايعة بالأمور الفلانية حلال، يفتي المفتي بأنها حلال، وكالأنكحة ونحوها يفتي فيها المفتي، وكأحكام الأوقاف والحبوس والمواريث، وكالحكم بصحة صلاةٍ أو بطلانها أو فسادها، وكالحكم من صحة الصيام، وكالحكم في الزكوات وما تجب فيه الزكاة وما لا تجب ومقاديرها وغيرها في أعيان الموجودات وهكذا.. هذا حكمٌ شرعي؛ أنت تأتي للمفتي تقول له: أنا دخلتُ في معاملة تجارية أشتري سيارة من كذا من أفغانستان وأدخل بها كذا أو أعمل بها كذا، أبيعها لفلان وأشتريها، ما حكم هذا يا شيخ؟ يقول لك حلال، أو يقول لك حرام لا يجوز، هذا حكم شرعي.

من يتكلم في هذا؟ الفقيه المؤهل، كذلك الحكم بإخراج شخصٍ مسلم من دائرة الإسلام وصيرورته كافرًا، أي الحكم بأنه كافر.. هذا حكم شرعي لا يتكلم فيه إلا الذي عنده أهلية وهم العلماء الفقهاء.

لكن معلوم أن كثيرًا من المسائل التي هي كفر، يعرفها كثير من الناس ويستوي فيها العالم والجاهل، الناس كلهم بها علماء، مثال: لو جاء رجل مسلم وأخذ المصحف ومزقه وألقاه في الزبالة -حاشاكم-، وهو عالم مختار بكمال قوته العقلية أمامنا ليس عليه إكراه ولا أحد يُكرهه ولا يضغط عليه ولا شيء، فعل هذا مُختارًا، فكل الناس يعلمون أن هذا كفر وأن فاعله كافر.

فهذه جائز لكل واحد إطلاق الكفر فيها، جائز لكل أحد أن يحكم على هذا بالكفر، وأن يحكم على فعله بالكفر، وعليه بالكفر ما دام حاله ظاهرًا، ليس له عذر من إكراه ولا نحوه.

أو يأتي شخص ويقول أنه -والعياذ بالله- كفَر بالإسلام وتحول إلى النصرانية، وصار نصرانيًا ولبس الصليب وصار يصلي في الكنيسة؛ فكل مسلم يحكم عليه بالكفر، المسلمون جميعًا يعلمون أن هذا كفر؛ فهذا يستوي فيه العالم والجاهل من المسلمين.

هذه المسائل ونحوها وما قاربها؛ الناس كلهم بها علماء، لكن كلامنا السابق على الغالب وللاحتياط، وهو متعلق بالمسائل التي يحصل فيها الاختلاف والنظر واختلاف الأفهام وهي المسائل الاجتهادية، والمسائل التي يكون مبناها على الاستنباط والاستدلال، المبنية على العلم المُكتسب، أما المسائل الأخرى التي يستوي فيها العالم والجاهل من المسلمين وكلهم يعرفونها، هذه مبنية على العلم الضروري، معلومات من الدين بالضرورة لا أحد يجهلها من المسلمين.

هذا في المسائل التي مبناها على الاستدلال والاستنباط، مثل مسائل الحلال والحرام تمامًا، لكن المسائل المعلومة عند جميع المسلمين فهذه يستوي في معرفتها العلماء والعوام؛ كمسائل الحلال والحرام كحكم أكل لحم الضأن: حلال، كل مسلم يعرف أن هذا حلال صح ولا؟

أكل لحم الجمل: يعرف الكل أنها حلال، أكل الخبز: هذا المصنوع من القمح، كل مسلم يعلم أن هذا حلال مباح جائز، أحلَّه الله.

لكن لو جئنا إلى أكل الجبن المستورد من أوروبا، ممكن يتردد فيه الإنسان لا يعرف حكمه حلال أم حرام؟ هذا يحتاج فقيه ينظر فيه، فهنا نسأل الفقيه العالِم.

لماذا؟ لأن هذه المسألة دخلتها مسائل أخرى، هل موجود في تركيبه شيء حرام؟ وما حكم الأنفحة؟ معلوم أن هذا الجبن يُصنع من أنفحة الحيوان -البقر أو غيره-، فما حكم أنفحتهم؟ ومعلوم أن هذه الحيوانات إن كانت بقرًا أو غيرها مذبوحة عند الكفار؛ فما حكم أكلها؟ ما حكم أكل الشيء المصنوع منها كالجبن -مثلًا- والبسكوت والشوكولاتة أو غيرها، هذه نسأل فيها الفقيه؛ فالفقيه رجل عالم مؤهل درس العلوم الشريعة وعرف آلاتها وعرف نصوصها وأدلتها فيُعمِل فِكْره ونظره ويجتهد ويستدل ويستنبط لنا الحكم الشرعي ويخبرنا به، لكن العامي لا يعرف؛ هذه في مسائل الحلال والحرام.

كذلك أيضًا في حكم التكفير، بل حكم التكفير أشد؛ لأنه خطر جدًا، ولهذا قال علماؤنا رحمهم الله: الحكم بخروج مسلم من الإسلام -يعني الحكم بردته- حكم خَطِر -يعني صعب جدًا- وفيه خطورة وينبغي للإنسان أن يقف فيها ويتأمل جدًا ويتردد ويخاف ويهاب -الإنسان الفقيه العالم- ويحتاط فيه غاية الاحتياط.

هذا مما نبه عليه العلماء رحمهم الله، وأنتم تلاحظون لو قرأنا من كتاب «الفتاوى التتارخانية» أن العلماء يختلفون في كثير من المسائل؛ قال بعضهم: يكفر، وقال بعضهم: لا يكفر.

ولو قرأتَ بابَ أحكام المرتد كله، تجد كثيرًا من المسائل مختلفين فيها، قال بعض علمائنا: يكفر، وقال بعضهم: لا يكفر، قال: إن كان كذا كفر وإن كان كذا فهو على خطر، قال: أساء ولكن لا يحكم بكفره.. مسائل كثيرة جدًا، وفي جميع المذاهب تجد مثل هذا في أبواب الردة، يختلفون في مسائل هل هي وصلت إلى حد الكفر، أم لم تصل إلى حد الكفر ولكنها معصية وخطر وإساءة وربما يستحق صاحبها التعزير والتأديب، لكنه لا يكفر؟ فهذه مسائل يتكلم فيها العلماء ويختلفون فيها؛ لأنها من مسائل الاجتهاد -كثير منها كذلك-، وبعض المسائل المعروفة يتفقون عليها.

ص 1811

ولهذا لا بد من الاحتياط الشديد في إطلاق الكفر على الأفعال أو على الأشخاص، وقد حذر النبي ﷺ تحذيرًا شديدًا من إطلاق الكفر على المسلم، وجاء هذا في أحاديث كثيرة في الصحيحين وفي غيرهما من كتب السنن.

النبي ﷺ حذَّر من إطلاق الكفر على المسلم بغير حق، مما قال: (من قال لأخيه يا كافر أو يا عدو الله، فإن كان كما قال وإلا حارت عليه)١٬٢٧١الأدب المفرد (433) وصححه الألباني.، وفي حديث آخر: (فقد باء به أحدهما)١٬٢٧٢مسند أحمد (5914) وصححه الأرنؤوط. والأحاديث في هذا كثيرة.

والأحاديث كثيرة في هذا المعنى، والسبب ظاهر؛ لأن الحكم بخروج المسلم من الإسلام وصيرورته كافرًا معناها شيء كبير جدًا! خلاص انتهى! معناها: إلغاء عقد الأخوَّة بيننا وبينه، معناها الحكم عليه بأنه من الكافرين في الوعيد -والعياذ بالله- ومستحق للنار، ومعناها أيضًا في أحكام الدنيا تترتب عليه أحكام كثيرة، أنه يعامَل معاملة الكافر في سائر الأمور، أنه يستحق القتل دمه حلال، وماله حلال، وأنه لا يُدفن في مقابر المسلمين إذا مات ولا يُغسل ولا يُكفن ولا يُصلى عليه، وأنه تَبِين منه زوجته وتُطلَّق ويُحكم بالتفريق بينها وبينه، وأنه لا يرث المسلمين ولا يرثونه.. أحكام كثيرة تترتب عليه وهي أحكام عظيمة سواء في الدنيا وأعظم منها المتعلقة بأحكام الآخرة، واعتقادنا نحن نحوه؛ فلهذا السبب فهو حكمٌ كبير وخطير ولا بد من التثبت فيه غاية التثبت، والاحتياط غاية الاحتياط.

أحد الحاضرين: المهندسين والـ…

هذا يختلف، لا بد فيه من التفصيل، لا يستعجل الإنسان ويتثبت، يعني نحن نقول إذا كفرت الحكومة، مثل الآن حكومة مرتدة كافرة وخرجَت لعدة أسباب: لأنها لا تحكم بالشريعة، تحكم بالقانون الوضعي وقانون خلاف للإسلام، ولأنها موالية لكفار موالاة كاملة أعلى درجات الموالاة وتحارب الإسلام والمسلمين، تقف في صف الكفار الصليبيين وتحالفهم وتواليهم ويدها في يدهم، وتعاونهم أشد المعاونة على قتال المسلمين ودولة الإسلام والمجاهدين في سبيل الله، وغيرها من أسباب الكفر، حتى أسباب أخرى فكرية وعقدية وغيرها الموجودة فيهم، فهي حكومة مرتدة بلا شك، حكومة باكستان مرتدة مية في المية هذه ما عندنا فيها شك، والعلماء الذين يقولون ليست مرتدة ويعتبرونها حكومة إسلامية عندنا هذا كله ضلال وكله هذا كلام فاضي وكلها أهواء فقط لا غير، ما عندهم دليل ولا شيء.

ص 1812

لكن نقول لا يجوز العمل معهم -مع هذه الحكومة- لأن العمل معها هو تقويةٌ لها، ونصرٌ لها وتمكين لها وإمداد لها؛ فلا يجوز العمل معها في أي وزارة أو في أي شيء، لا يجوز العمل معها.

لكن الذي يعمل معها، ما حكمه؟ هذا يختلف، وليس فيه حكم عام ويحتاج إلى تفصيل، ولا بد أن نتحلى فيه بكامل وغاية الاحتياط ونفصل تفصيل في كل مسألة على حده نفصل ونقول -مثلًا-: بعضه قد يكفر، في بعض الحالات يكون كفرًا ويكفر صاحبه، وبعض الحالات يكون معصية فقط، فالآن ما نستطيع أن نجيب إجابة عامة؛ لأن كل المسائل تحتاج إلى نظرٍ مخصوص.

و-إن شاء الله- في فرص أخرى ممكن نتكلم أكثر ولكن الآن نحن نتكلم في الأحكام النظرية، هو النظر والتفصيل بناء على ماذا؟ عندما نقول لا بد من التفصيل في كل حالة، بناءً على ماذا نفصل؟ بناءً على قوة ظهور واتضاح وقوفه مع هذه الحكومة ومعاونته لها ومناصرته لها وقيامه معها وكينونته معها.

فالعسكري الذي يقاتل من أجل الحكومة، هذا معها، هذا جندي من جنودها وعون من أعوانها، ومناصر من مناصريها في أعلى الدرجات، أو الاستخبارات -مثلًا-، وكذلك الوزير ومعاونوه ومستشاروه الذين تقوم بهم الدولة -لا تقوم إلا بهم- فهؤلاء كفار، أو أعضاء البرلمان المشرعون من دون الله الذين تكلمنا عليهم، هؤلاء كفار فنستطيع أن نقول في هذه الطوائف هؤلاء كفار.

لماذا؟ لقوة ظهور واتضاح موالاتهم للحكومة ومناصرتهم ومعاونتهم لها، وكونهم معها وأنهم معها في هذا الكفر، وأنها بهم تقوم، معها في هذا الكفر الذي منه ومن جملته أنها تظاهر الكفار الأصليين النصارى الصليبيين الغازين الصائلين، الغازين لأرضنا، المعتدين علينا، المحاربين لدين الله ولأولياء الله.

ص 1813

فهذا لقوة ظهور كينونتهم مع الدولة وولائهم لها وتقويتهم ومناصرتهم لها نستطيع أن نكفرهم، لكن -مثلًا- الدكتور يشتغل في وزارة الصحة، ما نستطيع نكفره؛ لأنه وإن كان في الجملة هو يحصل من عمله في الدولة تقوية للدولة؛ لأن الدولة لو ترك المدرسون كلهم نظام التعليم يسقط، الأطباء والدكاترة وكل الفنيين والعاملين، والملازمين في قطاع الصحة يتركون العمل يسقط قطاع الصحة، والتجارة والصناعة والري والزراعة وغيرها لو كلهم تركوا الدولة تسقط في خمسة أيام! الدولة ما تستطيع تبقى، فهم في الحقيقة يحصل من عملهم مع الدولة -مع الحكومة- قيامٌ للدولة، وتقويةٌ للدولة.. لكن هذا الحصول هو لازمُ فعلهم وهم لم يقصدوا ذلك ولا يريدونه ربما، ربما تجد دكتور ما يريدهم ولا يحب الدولة بل يعارضها أو مدرس معلم أو تاجر يعارضها ولا يحبها ويتمنى زوالها، وربما يكون مجاهدًا أحيانًا ولكنه يعمل، لماذا؟ لحاجته للعمل ولحاجة الناس لوجود دكتور أيضًا.

لكن حصل من عمله ولزِم منه -فهذا لازمٌ- تقويةٌ للدولة؛ فنحن لا نكفر هؤلاء؛ لأنهم لم يريدوا تقوية الدولة بشكل مباشر وبشكل مقصود، لم يقصدوا تقوية الدولة وإقامتها وتثبيتها وتمكينها ونصرتها ومعونتها، لكن حصل هذا من عملهم بطريق اللازم، فنحن لا نكفّر هؤلاء وأمثالهم فقس عليه.

لكن الذي عمله بشكل مباشر ومقصود، تقوية الدولة وإقامتها وتمكينها وهو الذي يعاونها، وهو عونها وجنديها أصلًا به تقوم هؤلاء عندنا أنهم يكفرون، والله أعلم.

نتكلم الآن في قاعدة مهمة في هذا الباب:

قاعدة في التفريق بين الكفر المطلق وبين تكفير الشخص المعين -فلان-:

هناك فرقٌ بين كلامنا في الكفر المطلق الذي هو الحكم على الفعل أو القول أو الاعتقاد بأنه كفر، وبين انطباق الكفر على شخص معين والحكم بأنه قد كفر فعلًا وخرج من دائرة الإسلام، يعني هما مسألتان؛ هذه مسألة نتكلم فيها بدليلها، وهذه مسألة نتكلم فيها بدليلها.

نقول: كل فعل أو قول أو اعتقاد ثبت بالدليل الشرعي، بالشريعة، بالفقه، بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وما في معناه -معنى الكتاب والسنة-، ثبت بالدليل الشرعي كونه كفرًا نقول أنه كفر، هذا الفعل كفر، هذا القول كفر، اعتقاد كذا كفر، وهذه المسائل كثير منها يتكلم فيها الفقهاء في الكتب، أو نقول أن أكثر المسائل التي يذكرها الفقهاء في كتب الردة هي من هذا الباب: «باب الكفر المطلق».

من باب تعليم الناس الأشياء التي هي كفر؛ حتى يحذروها، لكن الحكم على الشخص المعين إذا فعل أو قال أو اعتقد ما هو كفر لا بد أن ننظر نظرًا آخر، ما هو هذا النظر؟ النظر هنا؛ هل هذا الشخص المعين الذي فعل الكفر أو قال الكفر أو اعتقد الكفر له عذر أو لا؟ هل هو معذور أو غير معذور؟ إن كان معذورًا فلا نحكم عليه بالكفر وإن كان غير معذور فقد كفر وخرج من الإسلام ونقول: هو كافر.

مثال: المصحف؛ تمزيقه والدوس عليه هذا كفر بالإجماع، عند جميع المسلمين هذا كفر مقطوع به، إهانة القرآن، وتوهينه -والعياذ بالله، نسأل الله العافية والسلامة-.

ص 1814

هذا كفر، أنا خرجتُ الآن رأيتُ -والعياذ بالله- رجل يمزق المصحف ويعفس عليه، مصحف أمامي! هذا الفعل كفر، الكفر المطلق، لكن هذا الشخص المعين اسمه -مثلًا- سعيد، كافر أو غير كافر؟ ننظر؛ هل هو مجنون؟ ممكن يكون مجنون، صح ولا لا؟ أو ننظر؛ لعل رجل أمسك عليه سلاحًا يقول: افعل -فيكون مُكرَهًا- وإلا أقتلك الآن! فانظر هذا الرجل يُكرِهه فهو مكره.

يعني هذان العذران يُتصوران في هذه المسألة، ولا يُتصور غيرهما في الغالب، اللهم إلا قد يُتصور أنه في حالة ذهول شديد لكن هذا قليل، أو قد يُتصور أنه لا يعرف أن هذا قرآن وهذا قليل، لكن يُتصور الإكراه ويُتصور الجنون وأنع غير عاقل.

فحينئذٍ لا نحكم عليه بالكفر نقول: هذا مسكين معذور، وما زال مسلمًا لكن فعله كفر، لكن هذا الرجل فعل هذا الفعل المكفر وهو معذور مسكين فَعله عن عذر مجنون لا يعقل، أو هو مكره شخص يقول له افعل وإلا قتلتك الآن ضربتك بالرصاص، شخص جبار مجرم وقادر على تنفيذ التهديد يقول له: افعل وإلا قتلتك، هذا معنى النظر الآخر الذي لا بد منه في الشخص المعين.

طيب؛ كيف يظهر الفرق؟ لنفرض أنني خرجتُ ووجدتُ هذا الرجل يمزق المصحف ويعفس عليه فأخذتني الغيرة فمسكتُ السلاح وقتلته في الحال وأنا لا أعرف هل له عذر أو ليس له عذر؟ أنا لم أنظر، وقتلته، فهنا يظهر أثر المسألة أو أثر النظر هذا.

بعد ذلك جاءني أهله قالوا: لماذا قتلتَ هذا المسكين؟ َ مجنون معروف والناس كلهم شهدوا أنه مجنون.. فأنا قتلتُ رجلًا مجنونًا معذورًا في هذه الحالة وكان يجب علي أن أتثبت، فحينئذٍ هذا الرجل مجنون مسكين ندفنه في مقابر المسلمين ونغسله ونكفنه ونصلي عليه؛ لأنه مسكين محكوم بإسلامه لأنه كان مسلمًا أو وُلد مسلمًا من أبوين مسلمين، سواء كان مجنونًا من البداية أو جُنَّ في عمره، لعله كان رجلًا صالحًا ثم جُنَّ المسكين ولا يعرف شيئا.

فهذا محكومٌ بإسلامه، هذا من مجانين المسلمين فلا نحكم عليه بالكفر وإنما نستمر في الحكم عليه بالإسلام ونعامله معاملة المسلم، ونرجو له النجاة والفعل الذي فعله الكفر هو معذورٌ فيه؛ للجنون ولفقد العقل، هذا أثر هذا النظر، فمع أنه فعل الكفر لكننا نحكم بإسلامه.

القاتل في هذه الحالة -الله أعلم- طبعًا هذا القضاء ينظر فيها، لكن الله أعلم على العموم أنه لا يُقتل به، ولكنه أساء فممكن أن يُعزر ويؤدب، وكان ينبغي عليه أن يتثبت ويسأل ويترك حكم القتل للقضاء أو للسلطة المسلمة، ولولي الأمر المسلم، لكنه تسرع فينبغي أن يُعاقَب ويعزَّر ويؤدَّب ولكن لا يُقتل به؛ لأنه قتله من أجل الغيرة للدين ورأى الكفر الواضح الصريح أمامه؛ الكفر الذي لا يُختلف فيه فلا يُقتل به.

ص 1815

نضرب أمثلة أخرى، مثال: البرلمانات، نحن تكلمنا عن البرلمان وأنه طاغوت؛ لأنه إله من دون الله ينازع الرب عز وجل، ينازع الله ﷻ حكمه وصفته وخاصيته، أنه هو الذي له الخلق والأمر والحكم ولا حكم إلا لله؛ فالبرلمان هذا يحكم من دون الله، ما لم يأذن به الله، يُشرِّع للناس من دون الله وبغير إجازة وبغير إذن من الله، فهذا طاغوت وإله الناس اتخذوه من دون الله.

هذا البرلمان طاغوت، تقرَّر هذا عندنا وهو واضح، لكن جاء رجل من المسلمين، شيخ من الشيوخ، عالم من العلماء أو مفكر وداعية وأستاذ كما يحصل الآن، ودخل في البرلمان ويشارك في البرلمان مع أعضاء البرلمان وأهله في التصويت على المسائل وفي هذه التشريعات! فهذا الرجل قلنا له: المسألة كذا وكذا وهذا البرلمان إله من دون الله وهذا طاغوت وهذا تشريع من دون الله وهذا كذا وكذا، فيقول: أنا أعرف هذا ولكنني أريد أن أقلل الشر وأُسمع كلمة الحق وأدفع ما استطعتُ، وأقلل من الفساد ولعلي أفيد المسلمين وأنفعهم، وأجرُّ البرلمان ونحاول نستصدر قوانين تطابق الشريعة وتخفف من الفساد، أو سأحاول من خلاله أن أجعل البرلمان يخضع للدين.. يتأول هذه الأشياء!

فهل هذا العذر مقبول أو لا؟ وماذا يسمي العلماء هذا العذر؟ العلماء يسمون هذا العذر عذر التأويل، لكن هل يصح هذا العذر أو لا يصح؟ هل نعتبره عذرًا أو لا؟

هذه المسألة يختلف فيها العلماء، والفقيه يحكم فيها؛ قد يختلف الحكم من فقيه إلى فقيه ومن مفتٍ إلى مفتٍ، من ظهر له صدق هذا الرجل في تأويله وأنه بالفعل متأول مغلب للخير، ومريد للحق وللصواب لكنه تأول وفهم أن هذا جائز وكذا وكذا، فعمله فيظهر له عذره بهذا.

ومن ظهر له أن هذا التأويل بعيد وفاسد ويوشك أن يكون تلاعبًا وجريًا مع الهوى فلا يعذره، فهذا يختلف من حالة إلى حالة.. التأويل واعتباره من عدمه مبني على هذا النظر.

وهكذا سائر الأمثلة؛ مثل مسألة المجبورية: شخص يفعل الكفر، يُقاتل مع المرتدين عسكري جندي من جنود «سارباز» من جنود الدولة الكافرة المرتدة، في أفغانستان، أو في باكستان أو غيرها.

فلنأخذ مثلا أفغانستان: رجل في جيش «كرزاي» ويقول: أنا مجبور من أجل العيال وما في فلوس ما في عمل أحتاج أعمل في الجيش، هل هذا العذر مقبول أو لا؟ عذره غير مقبول، وهذا واضح جدًا؛ لأن هذا يستطيع أن يذهب ويحتطب يستطيع أن يذهب ويعمل حمالًا في السوق، يستطيع أن يعمل زبال، أي شيء.

ص 1816

يستطيع أن يعيش، ولم ولن يصل هذا لدرجة الموت حتى يفعل الكفر وعنده أعمال كثيرة، يستطيع أن يهاجر ويأتي مع المجاهدين، ويستطيع أن يتلصص على الكفار، ولو ذهب يتلصص على الحكومة الكافرة ويسرق منها ويأخذ منها المال الذي أحله الله كان أفضل حتى لو تعرض للقتل فيكون شهيدًا؛ فليس له وجه أبدًا في العذر، وأمثال هؤلاء يتحججون بالدنيا وبالمال وبالمعاش والصبيان وكذا، فنقول أن أكثر الأعذار المجبورية هذه غير مقبولة.

الآن الحكومة الباكستانية -مثلًا- تقول: نحن مجبورين، لا بد نقف مع الأمريكان؛ لأننا إن لم نقف مع أمريكا ولم نطعها ولم نتحالف معها ولا نكون في صفها؛ فأمريكا ستضربنا وهذا عذر، نحن مجبورين فلا بد نقف مع أمريكا، نحارب دولة طالبان والإمارة الإسلامية أفغانستان وكذا وهؤلاء القاعدة والإرهابيين.. فهل هذا العذر مقبول منهم؟ «برويز مشرَّف» كان يقول هذا، وأصحابه وأهل ملته يقولون هذا، فهل هذا مقبول؟ ما رأيكم أنتم؟

واضح أنه ليس عذر، هذا مجرد تلاعب فقط، بدليل أن الذي يعتذر بعذر لا بد أن يكون صادقًا في الاعتذار؛ فهم غير صادقين في اعتذارهم بهذا العذر، هذا مهم بالنسبة للفقيه بحيث ينظر إلى حال الذي يأتيه.

فما يأتي رجل ويقول أنا والله كذا وكذا وهو يتلاعب وأنا أعرف أنه يتلاعب.. هذا ما يلعب علي! الفقيه يجب أن يكون ذكيًا فطنًا، لا بد أن يعرف صدق المعتذر في هذا الاعتذار، أنه صادقٌ في دعواه فهم يتلاعبون وليسوا صادقين، لو كانوا صادقين كانوا يطبقوا الشريعة، ويلتزموا بدين الله أصلًا.

لو كانوا هم يطبقون الدين والشريعة ويحكمون بما أنزل الله ﷻ وينصرون الإسلام ويقضون على الفسق والفجور، والكفر الموجود في البلد أنواع الكفر الكثيرة، من سبِّ الله عز وجل والعلمانية والفساد والأفكار الكافرة والثقافات الكافرة الفاسدة وغيرها وكانوا ملتزمين بالدين وبعد ذلك جاءهم عدو فخافوا منه؛ فقالوا: لا بد أن نفعل كذا حتى ما يغلبنا العدو، وما يضربنا، وما يدمر دولتنا، كان ممكنا أن ينظر الإنسان حينئذٍ في عذرهم، أمَّا وهذا حالهم، كيف ننظر في عذرهم أصلًا؟ هذا كله مجرد لعب.

كان يخبئ المجاهدين، يقول امشِ امشِ ونحن نتظاهر أمام الأمريكان -مثلًا-، وكان يساعد قليلًا بالسر وكان يُعرف حاله، لكن هؤلاء هم أصلًا مجتهدون في خدمة أمريكا وهم أصلًا كفار بأنفسهم قبل أن يكفروا بمحالفتهم وموالاتهم أمريكا؛ فلا قبول لعذرهم، هذا كله مجرد تلاعب هذا لا اعتبار له أصلًا.

ص 1817

إذا كان هذا الرجل يدافع عن اجتهاد ويظن أنهم ليسوا مرتدين وهم معذورون أو متأولون، يدافع عنهم في إخراجهم من الكفر، يحاول أن يعتذر عنهم في فعلهم هذا بحيث ينفي عنهم الكفر، وكان قصده صحيحًا يجادل عن علم، فهذا اجتهاد منه ما ينبغي تكفيره لا يُكفَّر بهذا، وهو مخطئ في تكفيره عليه أن يستغفر الله فقط إذا كان هكذا.

أما إذا عُلم أنه إنما يدافع عنهم بالباطل وبمجرد الهوى بغض النظر عن العلم ولا يعرف العلم ولا الدين فقط نصرة لهم لمجرد النصرة ومحبةً لهم وموالاة لهم، فهو مثلهم فهو مصيبٌ فيه -نسأل الله العافية السلامة، لا حول ولا قوة إلا بالله-، يُخشى عليه الكفر -والله أعلم- قد يكون منهم ومثلهم أو أشد منهم، الحكم عليه من جهة الكفر أو الإسلام يحتاج إلى تدقيق أكثر، ولكن لا شك أن هذا خطر عظيم وأنه محسوب من جملتهم في أحكام الحرب، هذا الذي نكتفي به، لكن يُخشى عليه الكفر أنه يكون كافرًا، لكن الحكم الكامل يحتاج إلى نظر أكثر وتدقيق أكثر في حاله وهكذا، وهل له عذر أو لا؟ أو لعله فهم فهمًا خطأ.. إلخ.

معذورٌ -مثلًا- باتباعه لبعض فتاوى أهل العلم عندهم وظن أن الجيش جيشٌ جيد وجيشٌ إسلامي، قد يكون شيء من هذا؛ في أحكام الحرب هذا محسوب منهم ما دام هو يساعدهم ويعاونهم ويدعو لهم، محكومٌ بأنه من جملتهم، المجاهدين أن يقاتلوا ويقتلوا أمثال هؤلاء إذا رأوا أن في قتله مصلحةً.

أحد الحاضرين: إذا حُسب منهم قد قُتل يعني!

لا لا، أحكام القتل والقتال تختلف، لكن قد نقتل من لا نحكم بكفره؛ لكونه منهم.

يعني إذا كان هذا من أجل هذه المصلحة فقط ويتفاهم مع المجاهدين ويقول لهم: لا ترموا الصواريخ من هنا اذهبوا هناك عند الجبل وارموها هذا من جملة المسلمين، يتفاهم مع المسلمين، لكن إذا كان، يتغير الحال، هو في البداية يبدأ هكذا ثم يتطور، يمنع المجاهدين من الجهاد لا من قريته ولا من غيرها، وقد يكون قصده منع المجاهدين أصلًا هذا يمنع من قرب قريته وهذا يمنع من قرب قريته، فيمنعوا المجاهدين، بعضهم قد يكون مرادهم منع المجاهدين من الجهاد وإبطال الجهاد والصد عن الجهاد وقد يتطورون في مرحلة أخرى ليكونوا مع الدولة بعد ذلك ويدخلوا في حرب مع المجاهدين؛ فهذه مسألة خطيرة جدًا وينبغي إذا كان صادقًا عليه أن يتفاهم مع المجاهدين ويفعلوا ما هو خير، وقد يكون في مرحلة من المراحل مثل الحكومة بالضبط؛ حكمه حكمها.

جزاكم الله خيرًا، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

•••

ص 1818

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: التكفير والردة

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا