[ماذا بعد استشهاد الشيخ المجاهد أبي مصعب الزرقاويِّ رحمه الله]

استشهاد الشـيخ المجاهد أبي مصعب الزرقاوي٣٣أبو مصعب الزرقاوي: أحمد فاضل نزال الخلايلة (1966 - 2006 م) من عشيرة بنو الحسن في الأردن، لقب بالزرقاوي نسبة لمدينة الزرقاء الأردنية التي كان يعيش فيها -في حي معصوم- جاهد في أفغانستان نهاية الثمانينات ومطلع التسعينات وقاد فيها عددا من المجاهدين، واعتقل في الأردن سبع سنوات، حتى قام الجهاد في العراق فأسس فيها «جماعة التوحيد والجهاد»، حتى بايع تنظيم القاعدة بقيادة الشيخ أسامة بن لادن رحمه الله في عام 2004 وصار اسم جماعته: «تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين»، وقد كتب عنه «ميسرة الغريب» رسالةً صغيرة بعنوان: «من خفايا التاريخ.. الزرقاوي كما عرفتُه» فيها شيء من مواقفه وتجربته الجهادية، وقد قُتل في قصف أمريكي في صباح 7 يونيو 2006 تقبله الله وأخلفنا به خيرا، ورزقه منازل الشهداء العلية.. اللهم آمين... ماذا بعد؟

فقد تلقيـنا النبأ الجليل العظيم اليوم فاحتارت الأذهان.. وشلَّت الأركان.. وتلعثم اللسان.. فما عرفنا ما نقول أو عن أي شـيءٍ نَسْكُت إلا من قول «إنا لله وإنا إليه راجعون».. اللهم آجرنا في مصـيبتنا هذه وأبدلنا خيرا منها..

فيا ليت -يا شـيخنا الفاضل- لو تتكرم عليـنا بكلمات؛ تشـرح لنا فيها حكمة الإله الكريم الرحيم في أخذ بعض القادة شهداء في أزمنة معيـنة؛ قد تبدو لأول وهلة أنها الكاسـرة التي لا قيام بعدها، وكيف يكون في شهادتهم زيادة نصـر للأمة؟!.

الجواب:

الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله محمد وآله وصحبه وجنده، وبعد..

فإن لله ما أخذ وله ما أبقى، وكل شـيء عنده بأجل مسمّى.

ص 114

والحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم اؤجرنا في مصـيبتنا، وأخلف لنا خيرا منها، نعزّي أنفسنا وأنفسكم ونعزي الشـيخ أبا عبد الله أسامة بن لادن والشـيخ أيمن الظواهري، والملا أمير المؤمنيـن محمد عمر مجاهد، والملا داد الله، وسائر إخوانهم من قيادات المجاهديـن، بمقتل أخيـنا وحبيبنا الشـيخ المجاهد فارس الإسلام ومجدد بطولات أهل الإيمان، القائد الفاروق الفذ الفرقد، نسـيج وحده وفريد عصـره: «أبي مصعب الزرقاوي» رحمه الله تعالى وأعلى درجته في الفردوس الأعلى.. آميـن.

ونعزي أهله وذويه، وكل أحبابه والمسلميـن جميعا في فقده.. ونعزّي إخوانه في «تنظيم القاعدة في بلاد الرافديـن» وفي «مجلس شورى المجاهديـن»، وجميع إخوانه وأحبابه المجاهديـن معه في العراق من سائر الجماعات المجاهدة، ونخصّ بالتعزية خليفته من بعده، وفقه الله وسدده.

ثم أما بعد: فنعم أيها الإخوة الأحباب، إن مصابنا بأبي مصعب مصاب جليل، وإن فقده والله لعزيز وعظيم، وإننا لمحزونون حقا، ولكن لا نقول إلا ما يرضـي ربنا ﷻ، ومستمسكون بشعيرة الصبر والرضـى، راضون بقسمة الله تعالى، عازمون على المضـي في طريق الله التي منّ الله عليـنا بالهداية إليها والدلالة عليها والتوفيق لسلوكها، لا نقيل ولا نستقيل..

بل والله جهادٌ وتوكل على الله على آخر رمق، وغدا نلقى الأحبة محمدًا ﷺ وصحبه رضي الله عنهم..

﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا ٢١﴾ [الأحزاب]، ﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا ٢٣ لِّيَجۡزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّٰدِقِينَ بِصِدۡقِهِمۡ وَيُعَذِّبَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ إِن شَآءَ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٢٤﴾ [الأحزاب].

وإجابة على سؤالكم -وفقكم الله- أقول:

أول الواجب هو الصبر والرضـى والتسليم لأمر الله تعالى، وأن نعلم أن هذا الأمر وكل أمر قضاه الله تعالى للمؤمنيـن فهو خير وإحسان ورحمة وصلاح وحكمة، كما قال نبيـنا ﷺ: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى)٣٤صحيح البخاري (1302).، قال الله تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ يَهۡدِ قَلۡبَهُۥۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١١﴾ [التغابن]، وقال النبي ﷺ: (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) رواه مسلم٣٥صحيحه (2999)..

ص 115

ولنذكر مصـيبتنا برسول الله ﷺ، كما أوصانا ﷺ -إذا صحّ الحديث-: (إذا أصابت أحدكم مصـيبة فليذكر مصـيبته بي فإنها من أعظم المصائب) رواه «الطبراني» وغيره٣٦المعجم الكبير للطبراني (6718)، سنن الدارمي (85)، وصححه الألباني في: صحيح الجامع (347)..

فقد توفي رسول الله ﷺ.. ثم أبو بكر.. وقتل عمر في المحراب.. وقَتلَ أهلُ الفتنة والفسادِ عثمانَ.. وظفرت كلابُ المجوسِ بعليٍّ.. رضـي الله عن صحابة رسول الله ﷺ أجمعيـن.. وقُتل حمزة بن عبد المطلب.. ومصعب بن عمير.. وسعد بن معاذ.. وقُتِل الحسـيـن ريحانة رسول الله ﷺ.. وأبطال الصحابة والتابعيـن؛ قبلا وبعدًا رضي الله عنهم.. وأبطال سائر المسلميـن، على مرّ الأعصار..

وفي عصـرنا الحديث: الشـيخ عبد الله عزام، وأبطال أفغانستان كثير، وخطاب، وأبو الوليد، وأبو حفص المصـري «الكومندان»، وصحبه الذيـن معه -وكانوا كوكبة مجتمعة نُكبَ بهم أهل الإسلام والجهاد، لا يعرف مداها إلا من عرفها-، وقتل أبو عبد الله أحمد في الجزائر، وقبله القاري سعيد، وأبو عبد الرحمن المهاجر قريبا، وفي فلسطيـن شهداء رجالات وأبطال سجلوا بدمائهم أسماءهم في هذا الكتاب: الشـيخ ياسـيـن والقائد الرنتيسـي ويحيى عياش وغيرهم وغيرهم؛ إنها طريق واحدة.. وقصة متكررة متجددة، لكنها لا تُمـل، وهذا من العجائب..!

إنها قصة خاتمتها تلك الصـرخة المدوِّية النديَّة: «فزتُ بها ورب الكعبة»٣٧قال هذه العبارة: حرام بن ملحان h، كما في حديث أنس h في: صحيح البخاري (2801، 4092)، صحيح مسلم (677)...

نهاية سعيدة لصاحبها.. مع ما فيها من ألم لناظرها وسامعها؛ لكنه ألم مؤقت طبيعيّ، وحيـن يخلط بالأمل والرجاء المنبعث من آثار الشهداء لا يلبث أن يـنقلب رحيقا وشهدًا.. فالحمد لله.

أبو مصعب واحدٌ من هذا الركب، وفردٌ في هذه القافلة الطويلة، وهذا الموكب الممتد.! نحسبه كذلك والله حسـيبه، ولنعلم أن استشهاد أبي مصعب -إن شاء الله- هو: نورٌ ونارٌ.. نور يضـيء الطريق لمن وراءه.. ونار يحرق الله بها أعداء الله، وهكذا هي الشهادة، ولا سـيما للعظماء الأبطال القدوات، أهل الفضائل والبلاء الحسن في الإسلام، أهل الصدق والإخلاص والبذل في سبيل الله.

[البحر: الرمل]

[البحر: الرمل]

وذلك في ذات الإله وإن يشأ

يبارك على أوصال شلوٍ ممزَّعِ٣٨صحيح البخاري (٧٤٠٢).

[البحر: الوافر]

[البحر: الوافر]

ص 116

وَفِي الْقَتْلَى لِأَقْوَامٍ حَيَاةٌ 

وَفِي الْأَسْـرَى فِدًى لَهُمْ وَعِتْقُ

وَلِلْحُرِّيَّةِ الْحَمْرَاءِ بَابٌ 

بِكُلِّ يَدٍ مُضَـرَّجَةٍ يُدَقُّ٣٩الشوقيات (2 / 77) لكن فيها: «لأجيال» بدل: «لأقوام».

تصوَّروا أيها الإخوة أنه لا يوجد لديـنا شهداء: لا حمزة بن عبد المطلب، ولا الحسـيـن، ولا سعيد بن جبير، ولا عمر المختار، ولا عز الديـن القسام، ولا عبد الله عزام، ولا غيرهم.. كيف يكون حالنا؟ وكيف يمكن للأمة أن تحيا بدون شهداء..؟ وكيف يمكن للأجيال أن تتربّى؟..

ومبارَكة الله تعالى على أشلاء وأوصال ودماء الشهيد، معنى لطيف من المعاني التي يدركها أهل الإسلام والإيمان، لتنوّر قلوبهم بمعرفة الله تعالى وديـنه، وتخفى على المنافقيـن والكفرة وأهل الفجور، لظلمة قلوبهم وتغطيتها بالران من معاصـي الله، بل تغلّفها بها..!

من البركات أن يُسلِم أناسٌ، ويتوب أناسٌ، ويظهر رجالٌ، ويـنشأ جيل على حب الجهاد والشهادة والرجولة والبطولة والعزة والكرامة، وأن يـنتشـر المنهج ويعلو ويظهر، وتليـن قلوبٌ، وتزول عقبات، وربما حصل بعد استشهاده رحمه الله ما كان يتمناه ويرجوه ويعمل له ولم يستطعه لسبب من الأسباب الطبيعية أو غيرها؛ فنحن نؤمن بالبركة ونرجوها.. انظروا -يا رعاكم الله- إلى تلك الأفراح والدعايات البالغة والتشهير الذي يقوم به النصارى واليهود والرافضة، وما يظهرونه من الشماتة بمقتل الشـيخ أبي مصعب.. هم يظنون أن هذا بالنسبة لهم انتصارٌ عظيمٌ جدا..!

لكن عند التحقيق بالنسبة لأهل الإيمان؛ فإن كل ذلك هو ضدٌّ لهم وعائد عليهم ضـرره، وهم لا يشعرون؛ فهم يـنشـرون اسمه، ويرفعون ذكره، ويعلون قدره، ويذُكِّرون بآثاره، ويشهّرون به وبمنهجه، وهم لا يشعرون..!

ص 117

الرافضة مثلا: أبو مصعب رحمه الله كان له نظر استراتيجيّ أن أهل السنة لا بد أن يدخلوا المعركة مع الرافضة، كان يرى أنه لا يمكن أن يكون هناك بقاء لأهل السنة لا في العراق ولا فيما جاورها ما لم يدخلوا المعركة ويكونوا رجالا ويضحُّوا..! قيل له: دون ذلك مجازر ومسالخ وأهوال وفظائع يا أبا مصعب..!! قال: نعم، والله إني لأعرف ذلك وأراه رأي العيـن، ولكني أوقن أن كل ذلك لن يكون سوى قطرة في بحر ما سـيدفعه أهل السنة من ضـريبة من دمائهم ونفوسهم وشـرفهم وأعراضهم وأملاكهم في حال أنهم وهنوا لما أصابهم واستكانوا وخضعوا وخنعوا ورضوا بالذلة وخافوا المعركة..!! فقال قولته الواثقة: لا بد من أن يدخل أهل السنة المعركة، وقال: لسنا نحن -مع ذلك- من بدأ المعركة، بل والله إن الرافضة هم الذيـن بدأوها وأوقدوا نارها، وهم سائرون في حربنا بلا هوادة، لكن الدولة لهم اليوم، والصليب حليفهم، والمرتدون إخوانهم، وأهل السنة كالأيتام على مائدة اللئام..!! فلا بقاء لأهل السنة إلا أن يدخلوا المعركة، ويضحُّوا..!! وكل ما يصـيبهم في المعركة هو أهون بكثير كثير مما سـيدفعون إن هم أحجموا وجبنوا.!

هذه فلسفة الشـيخ ونظرته، وهي من العمق والقوة بمكان.. فالرافضة اليوم ماذا يفعلون؟ يزيدون بجهلهم وغرورهم وحقدهم الذي لا يستطيعون بأي حال أن يخفوه؛ يزيدون من تثبيت نظرية أبي مصعب وترسـيخها، وتوكيدها تأجيجها، والدفع في اتجاهها؛ فسترون -إن شاء الله- القادمَ بإذن الله من نهضة أهل السنة وشبابهم في العراق ومحيطه وفي كل مكان، وسـيعلم الذيـن ظلموا أي منقلبٍ يـنقلبون.

والشهادة: سمّيت شهادة، والشهيد سمّي شهيدًا؛ لأسباب ومعانٍ كثيرة كما ذكره أهل العلم: منها الراجع إلى الفاعلية ومنها الراجع إلى المفعولية، وكلاهما في الدنيا وفي الآخرة؛ لأن لفظ شهيد: فعيلٌ، وفعيل في لغة العرب إما أن يكون بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول، وكلاهما في لفظ الشهيد محتمل مُتَصورٌ..

فالشهيد يشهد على عظمة هذا الديـن وأنه الحق الذي يستحق أن تبذَل فيه الدماء وتزهَـق من أجله الأرواح، ويُضحّى من أجله بكل رأس المال، وهو وجود الإنسان نفسه وحياته في هذه الدار الدنيا، وأنه أعز وأغلى من كل شـيء؛ فالشهيد يشهد أعظم شهادة يمكن أن يشهدها بشـر بعد الأنبياء بأن الله حق وأن ديـن الله حق وأن أنبياء الله ورسله حق، وأن الجنة حق وأن النار حق..! والشهيد يشهد يوم القيامة على نفسه بدمائِه وجراحِه وتلفِه وعطبِه في سبيل الله، يوم يكون اللون لون الدم والريح ريح المسك، والشهيد يشهد مع الشهداء يوم القيامة بصدق الرسل؛ وأنهم بلغوا وأدوا الأمانة، ويشهد على من شاء الله بالإيمان؛ وهو المعنى المتضمّن في الشفاعة التي خصه الله بها.

والشهيد مشهود له من قبل الله تعالى بأنه من خيار الخلق وأنه ناج مفلح رابح فائز.. ومشهود له من قِـبَل دمائه وجراحه وقراحه وتلفه وعطبه في سبيل الله، كما مرّ.. ومشهود له من قبل الملائكة والرسل وصالحي المؤمنيـن.. ومشهود له في الدنيا من قبل المؤمنيـن بالثناء عليه خيرا.. وغير ذلك من المعاني.

وبالجملة؛ فإن الشهادة شـيء عجيب، يصعب على الإنسان أن يوفيها حقها بالكلام.

ص 118

ويكفي أن علماءنا رحمهم الله صـرَّحوا بأنه لم يرد في الكتاب والسنة من النصوص في فضل شـيء وبيان عظم منزلته ومدحه والحث عليه من الأعمال كما ورد في الجهاد والشهادة في سبيل الله.. وهذا واضح لمن تدبّر القرآن والسنة، والحمد لله.

ونرجع للكلام على أبي مصعب رحمه الله: فأبو مصعب شهادتُــه شهادة عظيمة بعد البلاء الحسن الذي أبلاه، وبعد الجهاد العظيم الذي قام به، وقد شهد له المسلمون وعموم أهل الأرض بأنه من الأبطال، وأنه كان رأس من تصدّوا لأعتى قوة بشـرية كافرة ظالمة فاجرة في التاريخ ودوّخوها وأذاقوها ألوان العذاب، وأبو مصعب داعية حق وهدى.. ومعلّم جيل.. ومنارة من منارات أهل السنة والتوحيد، والكفر بالطاغوت؛ فثبات مثله على طريقه ومنهجه، وتضحيته بدمه ونفسه في سبيله، هذا شـيء عظيم ليس بالسهل.. إنه يحيي أمة بكاملها.

فسوف ترون إن شاء الله، وسوف يرى أعداء الله، أعداد اللاحقيـن بموكب الجهاد المبارك بعد أبي مصعب، وسوف نرى ويرون الصحوة والنهضة والبعثَ الجديد في شبابنا.. فانتظروا، إنا منتظرون..!

ومن المعاني في مثل هذه الشهادة: أن يبتلي الله من بقيَ منا، ويـنظر من يثبت ومن يـنهزم، ومن يتعلق بالله تعالى وبالمنهج، ومن يكون تعلقه بالأشخاص، فيزول بزوالهم، وهذه من الفتنة والابتلاء المراد لله عز وجل، قال الله ﷻ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٤﴾ [آل عمران]، وقال: ﴿۞فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنۡهُمُ ٱلۡكُفۡرَ قَالَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ ٥٢﴾ [آل عمران]، وكما قال أنس بن النضـر h حيـن أشـيع في أحدٍ أن رسول الله ﷺ قد قتل: «قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ»٤٠تاريخ الطبري (2 / 517)..

ومنها: الابتلاء والامتحان والتكليف للخلق جميعا؛ مسلمهم وكافرهم، كما قال النبي ﷺ ذات صباح على أثر مطرٍ: (أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟.. قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ..) الحديث٤١صحيح البخاري (846)، وتتمته: (فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ؛ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ).؛ فيـنظر الله تعالى من يقول الحق والخير ويكون مع الحق، ومن هو بضد ذلك.

ومنها: الرحمة واللطف من الله تعالى بعباده المؤمنيـن، أنه يربّيهم بالسـراء والضـراء، وبالأخذ والعطاء، وبسائر أسباب التربية من حكمته ورحمته، فيجدد لهم العهد بمعاني الشهادة والثبات والنصـر بالموت على هذا الديـن، وهو الانتصار الحقيقي، ويـنوّع لهم الصور والآيات والبراهيـن والبيـنات. وأكثر من ذلك وألطف أنه يـنوّع لهم وجوه القادة والأبطال ويجددها لهم، فلا يملّوا ولا يطغوا..! فلله الحكمة البالغة.

ومنها: أشـياء أخرى كثيرة تُعرف بالتأمل، لعل من أقلها: أن يكبِت الله تعالى الكثيريـن من أعداء الجهاد والمجاهديـن، أعداء دعوة التوحيد والسنة، ويفضح خورهم وجبنهم وخنوثتهم والعياذ بالله، ويصـيبهم الله تعالى -رغم الفرح الذي يظهرونه- بالهزيمة النفسـية والخيبة والشعور بالدونية والحقارة يلازمهم حتى يتوبوا أو يموتوا، وهم يـنظرون إلى هذه الشهادة العظيمة وهذه المنزلة الرفيعة التي تبوأها الشهيد ومحبة الناس له وثنائهم عليه؛ فيكادون يتميّزون من الغيظ، ويموتون من الحسـرة..!

ثم أيها الإخوة: لا بد أن نستعيـن بالله تعالى ونتوكل عليه، ونعتصم بحبله ﷻ؛ فهو مولانا وناصـرنا، نعم المولى ونعم النصـير؛ ﴿بَلِ ٱللَّهُ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلنَّٰصِرِينَ ١٥٠﴾ [آل عمران]، ﴿وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَىٰكُمۡۚ نِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ ٤٠﴾ [الأنفال]، ﴿وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ ٧٨﴾ [الحج]، ﴿أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٨٦﴾ [البقرة].

فاثبتوا واصبروا وصابروا، واعتصموا بالله واستعيـنوا به: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٢٠٠﴾ [آل عمران].

ص 119

ولا تظنوا بالله ربكم إلا الظن الحسن..! واستيقنوا أن هذا كله خير وبركة ورحمة وإحسان من ربكم ﷻ، ونحن تعلّمنا من تجاربنا -بفضل الله تعالى- أن لا نيأسَ أبدًا.. وأنا شخصـيا قد مررتُ بتجربة صعبة في الجزائر وخرجتُ منها ناجيا بجلدي وقد ظننتُ أن لا تقوم للجهاد في الأمد المنظور في حياتي قائمة، وكدتُ أيأس، وأصابني من الحزن والهم والكآبة وما يشبه القنوط، شـيءٌ يصعب على الوصف.!! لولا أن الله تعالى عصمني بشـيء من التثبيت ونفعني بصحبة الإخوة، وبالتأسـي بأهل السابقة والخير، وبالانشغال بالتأمل لهذه التجربة الكبيرة وما كان فيها من العبر، ولطف بي بما أراني من بوارق الأمل والرجاء؛ فما إن خرجتُ حتى لاحظتُ في مشـرق الأرض أحداث الشـيشان وتدفّق المئات من شباب الإسلام عليها، وكانت للتو قد بدأت معركتها الثانية بعد دخول خطاب رحمه الله لداغستان، ولاح لي أملٌ في أفغانستان من جديد بظهور طالبان، وعودة الشـيخ أسامة وأصحابه من السودان إليها، وتجمّع المجاهديـن من جديد، فما لبثت أن عادت لي الحياة، وطردتُ عني اليأس، وتعلّمت أن لا أيأس أبدا، وأنه ﴿سَيَجۡعَلُ ٱللَّهُ بَعۡدَ عُسۡرٖ يُسۡرٗا ٧﴾ [الطلاق] و﴿لَا تَدۡرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ أَمۡرٗا ١﴾ [الطلاق] ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا ٢﴾ [الطلاق] وأن الله هو الفتاح العليم، وهو نعم المولى ونعم النصـير.

فيا أيها الإخوة: إياكم واليأس والقنوط.. واعتصموا بالله.. اعتصموا بالله.. ﴿قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱللَّهِ وَٱصۡبِرُوٓاْۖ إِنَّ ٱلۡأَرۡضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ ١٢٨﴾ [الأعراف]، ﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ ١٧٣ فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ ١٧٤ إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوۡلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧٥﴾ [آل عمران]

والثبات الثبات؛ (ومن يتصبّر يصبّره الله)٤٢صحيح البخاري (1469).، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٤٥﴾ [الأنفال]، واعلموا أن النصـر مع الصبر، وأن النصـر صبرُ ساعة.. نحن نصبر ونصابر، وعدوّنا كذلك يصبر ويصابر..

والمصابرة مفاعلة من الصبر فهي مضارعة ومسابقة في الصبر أيهما يصبر أكثر ويغلب صاحبه بالصبر، فالذي يصبر أكثر هو الفائز الغالب المنتصـر..! ونحن عندنا من أسباب الصبر ومقوّماته وعوامله ما يزيد على عدوّنا بكثير كثير، كما قال الله تعالى حاكيا عن الخضـر أنه قال لموسـى عليه السلام: ﴿وَكَيۡفَ تَصۡبِرُ عَلَىٰ مَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ خُبۡرٗا ٦٨﴾ [الكهف] فالإحاطة خُـبرًا بالشـيء الذي تعمله يعيـنك على الصبر.. ونحن نعلم أننا على الحق.. ونعلم ما أعد الله لنا إذا صبرنا وثبتنا.. ونعلم عظيم المنزلة التي يـنالها الصابرون منا العاملون هذا العمل الصالح؛ فكيف لا نصبر وكيف لا نصابر عدوّنا ولا نغلبه بالصبر؟ وعدوّنا خواء هواء ليس عنده شـيء من ذلك، أخزاه الله..!

نسأل الله أن يقوِّيـنا وجميع المسلميـن، وأن يهيِّئَ لنا من أمرنا رشدا.

وأنبّه إلى بعض المعاني الأخرى في استشهاد حبيبنا الشـيخ أبي مصعب رحمه الله:

فمن ذلك: أن الله تعالى -بلطفه ورحمته وعظيم إحسانه ومنته- حفظ جثمانَ أخيـنا الشـيخ، وسلَّمها من التبخّر والذوبان والتحلل والزوال، رغم أن البيت الذي كان فيه مع صحبه قد قال العدوّ الصليبيّ إنه قصفه بقنابل عظيمة جدا.

ص 120

ومن مكر الله تعالى بأعدائه أن جعلهم يـنشـرون صورة الشـيخ بعد مقتله، ويظهرون للعالم جثته سالمة، عليها النور يراه المؤمنون ويهابه الكافرون، ويُكبَت به المنافقون..! وهذا والله لطف ورحمة كبيريـن من ربنا ﷻ، وآية من آياته تبارك وتعالى..! ﴿وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ ٣٠﴾ [الأنفال]، ﴿وَمَكَرُواْ مَكۡرٗا وَمَكَرۡنَا مَكۡرٗا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٥٠﴾ [النمل]؛ فلو لم توجد جثته لظهر المنافقون المتخرّصون الأفّـاكون من بني جلدتنا قبل أعدائنا ليقولوا إن هذه كلها مسـرحية، وإن الأمر غامض، وإنه لا يُدرَى هل قتل أبو مصعبٍ حقا أو لا، وأن الأمريكان فعلوا وفعلوا، وأن اليهود خططوا، وأن أبا مصعب كذا وكذا، مما تتيحه لهم خيالاتهم الشـيطانية، ومما يـناسب نفوسهم الخبيثة الغويّة، ولرأيتم حيـنها التحليلات المتخرّصة البهيمية الأرضـية السفسفية المنحطة، قاتل الله أصحابها الأغبياء، الذيـن هم أغبى من رأيت من أصناف البشـر..!!

ص 121

ومن ذلك: مسألة ظهور أعلام المجاهدين لعامة الناس أن بعض الإخوة قد يظن أن مقتل الشـيخ أبي مصعب كان بسبب خطئه في ظهوره في الشـريط المرئي الذي ظهر فيه قبل مقتله بنحو الشهر، وكان هذا فتنة لبعض الناس أيضا، فكثرت التحليلات حوله، فمنها المصـيب شـيئا من الحق ومنها الهائم في أودية الخطأ.!! وكون ذلك كان من أسباب قتله أو لم يكن، الله أعلم، ليس هذا بالأمر المهم جدا.. فالله قد جعل لكل شـيء سببا.. وجعل لكل شـيء قدرا، وأجلا.. لكن المهم هو الكلام على من انتقد الشـيخ في ظهوره وعدّ ذلك من الأخطاء.!! فهذا عندي غير صحيح ولا سديد.. بل لا بد للجهاد ودعوته المباركة ومسـيرته الميمونة أن يكون لها رجال بارزون يظهرون يعرفهم الناس، ويعرفون حسبهم ونسبهم وتاريخهم وصوتهم وصورتهم، ولا سـيما إن كانت لهم مواهب وقدرات يستعملونها في نصـرة ديـن الله تعالى وإعلاء كلمته، ولهم «كارزميّة» وجاذبية يستعملونها في أعلى مقامات الطاعة لله تعالى والدعوة إليه.. ولا بد لمثل هؤلاء الرجال أن يخاطروا بأنفسهم ويضحّوا ويتقدموا للفداء، إنه موقف الفداء، إنه موقف الغلام، ليقول الناس: «آمنا برب الغلام»٤٣صحيح مسلم (3005)، مسند أحمد (23931).، إنه مقام البذل العظيم في سبيل الله.. أتظنون أنه مقام سهل؟ أو تظنون أنه يقدر عليه كل أحد؟ لا بد أن يكون لدعوة الجهاد أمثال أبي مصعب.. وبإمكانكم أن تتصورا أنه لم يكن..! وتتخيّلوا أن قيادات المجاهديـن ودعاتهم كلهم مجهولون غامضون غير معروفيـن، لا بتاريخهم ولا بأشخاصهم ولا بشـيء من صفاتهم..!!

ونحن نستيقن أن أبا مصعب رحمه الله حيـن اتخذ قرار الظهور على الشاشة للعالم، اتخذ هذا القرار وهو يعلم عظيم خطره، وما فيه من المخاطرة البالغة، لكنه رجّح ذلك -وبالتأكيد أيضا بعد المشاورة والاستخارة التي هي دأبه رحمه الله- لما فيه من الخير ونصـر الديـن والدعوة إلى الله، وقمع المنافقيـن وكبت الزنادقة، وإرهاب الأعداء، ورفع معنويات الأمة جمعاء، ولا نشك مع كل ذلك، أن الشـيخ أبا مصعب اتخذ ما بوسعه من الأسباب واجتهد، ثم أن يصل الأعداء إليه وأن تظفر به كلاب الأعادي؛ فهذا ليس بالشـيء الغريب أو الخارق..!! المحارب في الميدان هو وعدوّه في محاولة وسعي وكيد ومكر، مستمرّ ودائم.. يظفر هذا بهذا مرة ويظفر هذا بهذا مرة، أنت تجتهد وتحاول.. وعدوّك كذلك يجتهد ويحاول.. قد يـنجح ويصـيبك في أي وقت.

ويكفي أن أبا مصعب عاش في العراق التي لا جبال فيها تؤويه ولا غابات ولا أدغال، وليست في ذلك كالشـيشان ولا الجزائر ولا أفغانستان.. أزيد من ثلاث سنوات وهو يقارع القوة الصليبية اليهودية العظيمة مع جميع حلفائهم وأوليائها المرتديـن والزنادقة، ويذيقهم من كؤوس الردى والخزي ما أذاقهم، وهم لا يستطيعون الظفر به كل هذه المدة..!! هذا والله يكفي فخرا لمن أراد الفخر.. ويكفي دليلا على حفظ الله لعباده المؤمنيـن، ويكفي برهانا على ما أعطى الله هذا العبد من القوة والتدبير.

فالله أكبر.. ولله الحمد..

هذا ومن غريب ما رأيت بالأمس في موقع «إسلام أون لايـن» عنوانا معناه أن الزرقاوي دفع حياته ثمنًا للظهور الإعلامي.. والعنوان مصوغٌ بصـياغة تفيد أن الشـيخ رحمه الله أراد الظهور الإعلامي وحرص عليه ولو كان فيه قتله، إيحاءً -من صاحب العنوان، والله أعلم، وظننا هنا مشـروعٌ لدلائله- بأن دافع الشـيخ لذلك الظهور الإعلامي هو حب الظهور والشهرة، ولو كان فيها تلفه وموته..!!

وإن هذا لغريب..! وما هو بغريب..! فإن هؤلاء القوم قد حرمهم الله تعالى من فهم هذه المعاني، فهم لا يفقهون..!

﴿رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ ٨٧﴾ [التوبة].

﴿سَيَقُولُ ٱلۡمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقۡتُمۡ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأۡخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعۡكُمۡۖ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلَٰمَ ٱللَّهِۚ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمۡ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبۡلُۖ فَسَيَقُولُونَ بَلۡ تَحۡسُدُونَنَاۚ بَلۡ كَانُواْ لَا يَفۡقَهُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٥﴾ [الفتح].

ص 122

ولا تستوعبها قلوبهم.. إنها فوق مستواهم بكثير..!! فإذا كان هؤلاء هم من المنتسبيـن للإسلام والعلم والدعوة؛ فكيف بغيرهم؟! لكن نحن نعلم أن هذه المعاني يستوعبها عامة المسلميـن وبسطاؤهم وعجائزهم وأطفالهم وشبابهم أكثر وأفضل من هؤلاء، لأن مشكلة هؤلاء هي امتلاء قلوبهم بالمعارف الفاسدة والوساوس والواردات السفسفية..! إن مشكلتهم هي انحطاط بكل معنى الكلمة.. وأما عامة المسلميـن البسطاء؛ فتساعدهم الفطرة والنقاء، وسذاجة الإيمان..!

وهؤلاء هم الذيـن نركز عليهم..

وهؤلاء هم الذيـن نهتم بهم ونشقى في سبيلهم، ونصبر معهم وعليهم، ﴿وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا ٢٨﴾ [الكهف].

ونسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يتقبل أبا مصعب، وأن يجعله من خيار عباده المفلحيـن، وأن يرحم ضعفنا من بعده، وأن يخلفنا منه خير العوض، وأن يلحقنا به ثابتيـن على الحق غير مغيّريـن ولا مبدليـن ولا فاتنيـن ولا مفتونيـن.. آميـن.

والحمد لله رب العالميـن، والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعيـن محمد وآله وصحبه والتابعيـن.

الجمعة 13جمادى الآخرة1427هـ

•••

ص 123