۞ أهمية العدالة ومفهومها عند الفقهاء!
أخي الكريم، جزاكم الله خيرا وبارك الله في جهودكم وتقبل الله منكم مساعيكم لإصلاح ذات بين المسلمين، ونعم -واللهِ- المسعى، ﴿۞لَّا خَيۡرَ فِي كَثِيرٖ مِّن نَّجۡوَىٰهُمۡ إِلَّا مَنۡ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوۡ مَعۡرُوفٍ أَوۡ إِصۡلَٰحِۭ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ﴾ [النساء: ١١٤].
ولكنْ.. لي تعقيبات خفيفة لعلها تكون بمثابة التكميل لكلامكم وفقكم الله.
فأقول وبالله أستعين: قد صرحتَ حفظك الله في مداخلة لاحقة على أصل الموضوع أنك بنيت قاعدتك على أصل العدالة، وهذا ليته كان في أصل الموضوع لأنه قيد مهم، وينبغي التصريح به، والعلماء في عباراتهم عن هذا الأصل -كما تشير إليه أنك استقيته منهم- يذكرونه ولا يغفلونه.
[البحر: الرجز]
[البحر: الرجز]
وَالْعَدْلُ مَنْ يَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَا | وَيَتَّقِي فِي الْأَغْلَبِ الصَّغَائِرَا١٬٠٧٤هذا تعريف «ابن عاصم القيسي الغرناطي» للعدل، كما في: تحفة الحكام في نكت العقود والأحكام (ص 23). |
فلو ارتكب شيئا من الكبائر، أو كثرت منه الصغائر كثرة تُعرف فإنه يخرج عن حد العدل.
ثم ههنا فروع منها: التائب من الكبيرة، ومنها الإصرار على صغيرة، تعرف في موضعها.
ولهذا شيخنا الكريم؛ فإن العلماء الذين هم قدوات في هذا الباب وكلماتهم معروفة محفوظة لدى طلبة العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن رجب، والذهبي، وابن كثير، وابن عبد البر، وابن حجر، وغيرهم كثير، تجدهم عندما يذكرون هذه القاعدة يركّزون على مثل قولهم: «من عُرِف حسنُ قصده، وتحرّيه للحق، وأنه متى ما عرفه واستبانه وظهر له أخذ به وطرح ما سواه، وكثرت حسناته وحسن في الإسلام بلاؤه وكان خيرُه غالبًا.. الخ».
فهذا مهم جدا حين نريد أن نضع قاعدة كهذه، ولذلك فعندي اعتراض على بعض الأمثلة التي ذكرتها؛ فـ«علي الحلبي» مثلا، ليس بعدلٍ عندي ولا يدخل في ما ذكرتم، وذكره خطأ!
وسأزيد هذا وضوحًا إن شاء الله.
ولذلك أخي الشيخ فقولك: «من اعتصم بأغلب المنهج ومعظمه فهو سلفي، من اعتقد مجمل عقيدة السلف فهو سلفي» اهـ؛ مقيّد بما تقدم ولا بد، وهو كذلك عندك بلا شك، وإنما فاتك ذكره في الأصل فأنا أكمله.
فإن الشخص قد يكون نظريًا على عقيدة السلف الصالح يحفظ الطحاوية والواسطية والتدمرية والحموية وغيرها ويجادل فيها ويناظر عليها، ولكن يكون دينه فاسدًا؛ لا تقوى ولا ورع ولا خوف من الله تعالى ولا خشية!! منغمسٌ في الموبقات والنفاق وموالاة أعداء الله، والتكالب على الدنيا والحطام الفاني.. الخ ما هو معروف.
وهذا إنما يعرف بالمعاشرة ونحوها من الطرق التي يعرف بها تزكية الرجل، والتي جمعها سيدنا عمر h في كلمته المشهورة في قصة مزكي الشاهد وهي:
- الصحبة التي تطول شيئا ما في سفرٍ.
- الجيرة، بأن يكون جارك الأدنى الذي تعرف مدخله ومخرجه.
- المعاملة بالدرهم والدينار١٬٠٧٥انظر: المجالسة وجواهر العلم للدينوري (708) وقال محققه مشهور آل سلمان: إسناده ضعيف..
أخي «الشيخ رضا»؛ لا بد من وجود حدّ واضح لمن يُعذَر ومن لا يعذر، ومن تغتفر سيئاته وتطوى، ومن تذكر سيئاته ويشنّع عليه ويحكم عليه بمقتضاها؛ فالكلمة الواحدة يقولها الرجلان تقبل من هذا ولا تقبل من ذاك، والخطأ الواحد يقع فيه الشخصان فيغتفر من هذا ولا كذلك من ذاك.. وهذا الحد هو «الدين» و«التقوى»، وباختصار هو «العدالة».
في ليبيا أناس يقولون إنهم سلفيون ويوالون «الحلبي» ومن على شاكلته، ومن أصول مذهبهم العملية التي يتميّزون بها موالاةُ القذافي واعتباره إمامًا مسلمًا عدلًا تجب طاعته وبيعته ومحبته وو.. الخ ويحرم الخروج عليه، والخارج عليه عندهم تكفيريّ خارجيّ من كلاب النار.. الخ ما تعرفون وتتعجّبون!! فهؤلاء، لا يمكن أن نقبل من أحدٍ أن يقول لنا إنهم أخطأوا، وأن منهجهم في الجملة وفي الأغلب هو منهج السلف، وأنهم يأخذون أغلب منهج السلف ويتمسّكون به، وأنهم متأولون في هذا المسألة مخطئون فلا نخرجهم من السلفية ومن مذهب أهل السنة بسبب ذلك..!!
بل هؤلاء عندي خارجون من مذهب أهل السنة والجماعة ولا كرامة، مبتدعة ضالون، فجرةٌ، أهل دنيا! بل لا ألوم من كفّرهم وحكم بإخراجهم من الملة الإسلامية والحنيفية المحمدية (أعني رؤوسهم ومن كان على بصيرة في ذلك، لا عوامّهم وتبّعهم وإمّعاتهم)؛ فإن هذا يتخرّج على أصول علمائنا، وله قدوة في فتاوى السادة المالكية في شمال إفريقية في تكفيرهم لمن والى بني عبيد القداح الفاطميين وخطَب لهم ورفع ذكرهم على المنابر وحكم بإسلامهم وصحة إمامتهم، وهذا مدوّن معروف، والقائل به أئمة في الدين، منهم الإمام محمد بن أبي زيدٍ القيرواني صاحب الرسالة.
فلا يوالي القذافي ويدافع عنه إلا أحد رجلين:
إما جاهل بحاله، مغترٌّ ببعض دعاياته، كما رأينا ذلك عند بعض علماء باكستان، فلما كُلّموا في ذلك وذُكِرَ لهم بعض كفريّاته تعجّبوا وأسقط في أيديهم، وتوقّفوا، وبعضهم تشكك في صحة ما ذكِر له، وظن أن الإخوة يزيدون عليه ويبالغون! أو رجل لا دينَ له، منافق، فاجرٌ، ممن استحب الحياة الدنيا على الآخرة.
أما رجل مسلم ينتسبُ إلى العلم والدين، ويعرف القذافي وأحواله ثم يواليه ويعدّه حاكما مسلمًا أميرًا للمؤمنين واجب السمع والطاعة، ويذود عنه ويقف في صفّ من خرج عليه.. فهذا لا يكون.!
وكذلك عندي في مصر، من والى حسني ورآه إمامًا شرعيًّا.. الخ ما ذكرتُ فهو ساقط العدالة عندي، مطعون في دينه، وليس بسنّي ولا سلفيّ ولا كرامة!
وأنا لا أعرف الشخص الذي ذكرتموه واختلفتم فيه، فلا أقصد أحدًا معيّنا بكلامي، والله المستعان..
وقولك أخي الشيخ: «فهل اعتبر المحدثون الدخول على السلاطين الظالمين قادحا في العدالة؟ وهل اعتبر المحدثون وجود بدعة كالإرجاء مانعا من الرواية» اهـ.
أما الدخول على السلطان بمجرده فلا.. هذا أولًا، ثم السلطان كان يومها مسلمًا وإن كان بعضهم فجرة، وأما كون المحدّثين لم يعتبروا بدعة الإرجاء مانعا من الرواية فليس على إطلاقه، فقد ردّوها من غلاتهم، أو حيث كانت روايته مما يؤيّد بدعته. ثم الرواية مبناها على الصدق، فحيث عُلِم صدق الراوي، وأن ظُنّ قبلت روايته، -طبعا مع شرط الضبط-، ولهذا قبلوا رواية الخارجي لأنه لا يكذب، ولم يقبلوا من عرف من المبتدعة بالكذب وما يقاربه كالروافض، وفصّلوا حيث يجب التفصيل.
فكون البدعة في المقالات (الاعتقاد) مما يخرج صاحبه من العدالة أو لا، هذا محل تفصيل، فليس كل تلبُّس ببدعة مخرجًا لصاحبه من حد العدالة والقبول، وحيث قلنا إنه خرج من العدالة فهو مردود الرواية.
والله أعلم، وجزاكم الله خيرا مكرَّرًا
[كُتبت هذه المشاركة بتاريخ: 22/ 3/ 2005م]
•••