[الرد على شبهة «الفترة المكية» وأهلها؛ ونقض كلام من لم يُوجب الآن سوى الدعوة]

ص 393

كيف تنظرون للعلماء والدعاة الموجوديـن على الساحة الإسلامية اليوم، والذيـن يتبنون الفكر السلفي ويعتقدون أننا في العهد المكي ولا يلزمنا إلا الدعوة لهذا الديـن والمصابرة عليها وتحمل الأذى في سبيلها؟ ولا يلزمنا الآن مجاهدة الحكام الذيـن يحكمون بغير ما أنزل الله؛ فلا نجدهم حتى يتكلمون ويصـرحون في مسألة تحكيم القوانيـن الوضعية ومسألة الولاء والبراء وتنزيلها على الواقع بحجة أنه ليس كل ما يعلم يقال، ولا كل ما يقال يقال في جميع الأحوال؟.

[السائل: أسد الثغور 2]

الجواب:

دعوى أننا الآن في ما يشبه العهد المكي، بمعنى أننا نأخذ أحكام ذلك العهد، ولا نعمل بغير ما ورد في ذلك العهد من الشـرائع، هكذا بإطلاق.. هذه الدعوى باطل محض بلا شك، وضلال مبيـن!!

وقد رد عليها جماعة من العلماء والدعاة والكتاب والمفكريـن المسدديـن٢٠٨من الرسائل الخاصة التي نقضت هذه الشبهة: النوافح المسكية في نقش شبهة المرحلة المكية؛ لأبي همام الأثري -هداه الله-.، والحمد لله.

وهي فكرة نشأت مع بدايات الدعوة الإسلامية المعاصـرة، ولازالت تتكرر بيـن الفيـنة والأخرى، وفي مكان أو آخر، وهي ناشئة عن حال الاستضعاف والمهانة التي نعيشها، نسأل الله أن يرفع عنا بأسه ويعافيـنا ويمن بالفرج القريب.. آميـن.

وخلاصة الرد على هذه الفكرة الباطلة في نقاط:

- أنها خلاف أدلة الشـريعة المحكمة والمجمع على كثير منها.

- أنها لا دليل عليها وعلى اعتبارها في الشـرع هكذا بهذا الإطلاق، إنما كل ما دل عليه الشـرع هو أن العاجز عن الشـيء يسقط عنه، ويـنتقل إلى ما يقدر عليه، أما أن هناك دليلًا على أن المسلميـن إذا كانوا ضعفاء كما هم اليوم فإنهم تسقط عنهم سائر التكاليف الشـرعية التي شـرعت في العهد النبوي المدني، فهذا غير موجود ألبته، ولا يمكن أن يقوله عالم يعرف الشـرع أبدًا.

- أن هذا غير منضبط؛ فمن الذي يحدد الحالة التي نكون فيها في «العهد المكي» ويميزها عن غيرها، وما هي حدودها بالضبط؟!

- ومن أجل ذلك فإنها سترجع إلى التحكم والأهواء، نسأل الله السلامة.

- أنها تلزم عنها لوازم باطلة بالإجماع، ومعلوم بطلانها بالاضطرار من ديـن الإسلام، فإن من لازم هذه الفكرة الخبيثة الخاطئة أنه لا صلاة اليوم مكتوبة، ولا صوم رمضان، ولا زكاة، وغيرها كثير، ولما رأى أصحاب هذه الفكرة صعوبة وخطورة هذه اللوازم وعظم فسادها تناقضوا وارتبكوا وفشلوا في الخروج من مأزقهم.!

- أن أصحابها تناقضوا تناقضا آخر كبيرا حيـن لم يلتزموا حتى بفكرتهم التي قرروها؛ فإن هذه الفكرة مصممة خصـيصا للتنصل عن الجهاد الواجب، فلما قيل لهم: حسنًا، فالعهد المكي هو عهد تقرير العقيدة والتوحيد ومفاصلة المشـركيـن والتصـريح لهم بالعداوة والبغضاء والبراءة، والصبر على دعوتهم إلى التوحيد الخالص ونبذ الكفر والشـرك والأنداد، والصبر على الأذى في ذلك صبرا كبيرا، وها أنتم تقرأون سـيرة «بلال» و«آل ياسـر» و«خباب بن الأرت» ونظرائهم، والأذى الذي لاقاه رسول الله ﷺ وسائر أصحابه في ذلك العهد؛ فهل فعلتم أنتم ذلك وقمتم به؟ الجواب المعلوم أنهم لم يفعلوا ذلك ولم يقوموا به، وكيف يفعلون وهم إنما فرّوا من التعرض للأذى، وصمموا هذه الفكرة الباطلة للهروب من التكاليف ولتحصـيل الراحة؟!

وبهذا يتبيـن تهافت هذه الفكرة وبطلانها، بما يغني عن التطويل لمن ألهمه الله رشده، ﴿وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ﴾ [المائدة: 141].. فهؤلاء يا أخي مبطلون، تاركون للواجب الشـرعي المتعيـن عليهم من الجهاد ومن الدعوة إلى الله وإلى التوحيد، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبراءة من الشـرك وأهله.

ولسقوط هذه الفكرة وظهور بطلانها واندحارها، فإنني أرى أهلها التاركيـن للواجبات المذكورة آثميـن، مرتكبيـن لذنب عظيم، فيجب عليهم التوبة من هذا المسلك الخاطئ، وأن يرجعوا إلى الحق ويقوموا بما أمرهم الله به من الجهاد والدعوة وغير ذلك.

قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ٣٨ إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٣٩﴾ [التوبة]، وقال: ﴿قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٤﴾ [التوبة].. ونسأل الله تعالى أن يهدي ضال المسلميـن، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.. آميـن.

•••