[السؤال التاسع: ذكر بعض المفاسد التي تجعل بعض الدعاة يدعو إلى عدم الذهاب للجهاد في العراق وأفغانستان.. ومناقشتهم]

شبكة أنا المسلم: إن لكل عمل مصالح ومفاسد؛ فما هي «المفاسد» الطاغية على المصالح التي تجعل كثيرا من الدعاة ممن عرف بصدقهم ونصحهم للأمة ينصحون الشباب بعدم الذهاب للجهاد بالعراق حاليًا وقبله إلى أفغانستان؟

الشـيخ عطية الله:

الحمد لله..

في البداية لا يخفى عليكم أن الكلام هنا من الرأي والاجتهاد، والعلماء والدعاة وكذلك المجاهدون جزاهم الله خيرا جميعا، كلهم بذلوا النصح للشباب وللأمة بحسب ما رأوا أنه الأفضل والخير، وقد تختلف الآراء هذا شيء عاديٌّ.

وما فهمته من كلام بعض هؤلاء المشايخ الدعاة الأفاضل المشار إليهم أشياء:

- منها: الخوف على شباب الإسلام من أن يستحرّ فيهم القتل بسبب عدم تكافؤ القوى بيننا وبين العدو -أمريكا- ولا سيما بالنظر إلى قوة أمريكا الجوية؛ فيخافون أن تحصل مقاتل عظيمة بالجملة للشباب المسلم عن طريق القصف بالطيران كما حصل شيء من ذلك في أفغانستان، وأن ذلك لو حصل فإنه يكون قد حصل من دون مقابلٍ من منفعة راجحة معتبرة، وهو قول -في رأيي- لا يخلو من وجاهة واعتبار، مع تعديل سأذكره إن شاء الله.

- ومنها: الخوف من أنه لو فتح الباب على مصراعيه للشباب للذهاب هناك، وذهبوا بالفعل وكثروا قد يكون لهم دورٌ سـيئ في الساحة هناك -العراق- بالنظر إلى تعدد مشارب شبابنا بحسب بيئاتهم وثقافاتهم ومدارسهم الدعوية والفكرية وغيرها، ويقولون إن هذا قد يسبب بلبلةً في الساحة هناك ويؤدي إلى فتن أو مرج فكري وما شابه ذلك! وهذا الملحظ ضعيفٌ لا يعوّل عليه.!

ص 931

- ومنها: الخوف من التكفير؛ يعني أن الشباب إذا ذهبوا هناك يخشى عليهم أن يتشرّبوا ما يطلقون عليه «التكفير» والغلو، وهم -أي هؤلاء الفضلاء المشار إليهم- يرون أن ساحات الجهاد هي من أكثر الساحات التي ينشأ فيها وينمو فكر التكفير، وهو -أي هذه الجزئية الأخيرة- كلام فيه شيء من الصحة، لكن الاحتجاج به لمسألتنا غير صحيح كما سأوضح.

- ومنها: الخوف من أن الشباب لو ذهبوا هناك فإنهم يرجعون بعد فترة -كما حصل مع العرب الأفغان كما يسمونهم- وقد تدربوا وتعلموا فنون الحرب والقتال والشجاعة والإقدام واكتسبوا خبرات، ويُخشى من أنهم يقدمون على أفعال وإشعال حروب وصراعات في بلدانهم المختلفة في غير وقتها ومن غير دراسةٍ ومن غير إذنٍ من أهل العلم، ونحو ذلك، وأن ذلك لو حصل فإنه مفسدٌ للمشاريع الدعوية والإصلاحية التي يتبنّاها كثيرٌ من أولئك الفضلاء ويرعونها.

- ومنها أشياء دون ذلك.. وما ذكرته هو الأهم مما عرفناه من رأيهم.

وقد توجد أشياء ودواعي نفسية قد تغلب على بعض مشايخنا أحيانًا ويقوى اعتبارها في تصوّره بسبب كثرة لهجه وانشغاله بها، بل وتماهيه معها أحيانا؛ كمن تغلب عليه مخاوف فساد مشاريعه الدعوية والتربوية والإصلاحية أو كمن يتبنّى منهجًا معينًا تحت شعار معيّن كالتصفية والتربية ونحوها فيؤثر في قراراته ويقع تحت تأثير مشروعه وبرنامجه وتكون قراراته وآراؤه تفتقد إلى حرية في النظر والاختيار إلى حد ما، بل أسيرة فكرة معينة وبرنامج مخصوص، وهذا واقع لمن عرفه وتأمله.. والإنسان مهما كان عرضة للمؤثرات.

وكذا المجاهد المولع بالجهاد هو عرضة لمثل ذلك، وربما أشد، وقد رأينا من هذا أشياء؛ فإن بعض أهل الجهاد يتحول الجهاد عنده إلى ما يشبه روحه ومهجته ويختلط حبّه والتعلق به والشغف بميادينه بدمه ولحمه وشحمه، فيكون مأسورًا له، وتكون اختياراته فيها ميل مسبّق إلى الحرب والقوة والسلاح والغلب والنزال وصهوات الخيل وما ناسب.!

فهذا في الطائفتين، وهو ليس بحثًا في النوايا أو تنقيبا عن القلوب.

بل هو مما يعرف من معاشرة الناس، مع سبر مواقفهم وآرائهم واعتبارها.

وليس هو عمدةً في المحاجّة.. بل الحجة في الدليل على كل حال.

وإنما فائدة معرفة ذلك الاعتذار للناس على اختلاف مشاربهم، ومعرفة أقدارهم وتعليل اختياراتهم لمن وقف على ذلك.

وشرط الاستفادة من ذلك: عدم التسرّع في الحكم على الناس به، أو تصنيفهم على أساسه، ولا اعتباره هو العمدةَ؛ بل العمدة كما قلتُ هي الدليل والبرهان.

وليس شيء كالعدل والإنصاف والسعي لتحقيق الحق في كل أمرٍ بالبحث والتشاور والاستعانة بالله، والتوفيق بيد الله تعالى وحده.

ص 932

طبعا نحن -للتذكير- نتكلم عن العلماء والدعاة الخيّرين الصالحين المعروفين بنصحهم للأمة وحسن بلائهم في الإسلام، ولسنا نتكلم عن المنافقين أو من باعوا دينهم بعرض قليلٍ وهم معروفون.

كما أننا عندما نتكلم عن المجاهدين نعني أهل الصدق منهم المعروفين بالاستقامة والعدالة والخير والنصح للأمة والشفقة عليها.

والذي أراه، والله أعلم، وأظنه الوسط العدل، وهو ما تحصّل لي على ضوء المعلومات المتاحة:

أن المجاهدين يحتاجون إلى نوعيات معينة الآن وليسوا محتاجين للأفراد المقاتلين لمجرد القتال، فعندهم من ذلك البركة إن شاء الله، فهم محتاجون لأصناف منها:

- طلبة العلم والمشايخ والعلماء والدعاة والمربّون.

- مهندسون وخبرات عسكرية، ولا سيما في المتفجرات والاتصالات ونحوها.

- خبرات سياسية وعسكرية وقيادية تعينهم.

- في وقت سابق قالوا إنهم بحاجة إلى «استشهاديين» أي من يريد أن ينفذ عملية استشهادية واستعد لذلك واطمأنت نفسه لها، والآن لا أدري هل لا تزال الحاجة قائمة، محتمل.

- بالإمكان أن يكون هناك حاجات أخرى مثل الأطباء وغيرهم، لكن هذا ما عرفته.

فهذه النوعيات المشار إليها وما شابهها مما يقول قيادات المجاهدين إنهم يحتاجونها؛ فنحن ندعوها للذهاب ونحثّها عليه، بل نرى أنه قد يتعين على الواحد منهم إذا لم تحصل الكفاية في بابه ولم يكن له عذر معتبرٌ يمنعه من الذهاب.

وهذا القول هو قول بعض علمائنا، وهو ما أعرفه من رأي عامة الجماعات الجهادية في مثله.

يضاف إليه أنه قد يوجد عند بعض المسلمين سبب خاص؛ فيؤمر بالذهاب للجهاد، كمن فرّ من ملاحقة عدوّ ظالم وطاغوت كافرٍ وضاقت عليه الأرض، ففي سوح الجهاد ملجأ له وتفريج لهمه وإذهاب لغمّه، ونحو ذلك.

وخلاصة القول: أن هذه المسألة المرجع فيها إلى تقدير قيادات الجهاد وأهل شأن الحرب في الميدان، بحيث يقال لهم:

هل أنتم محتاجون للمسلمين (للرجال المقاتلين منهم) أن يأتوا إليكم ويساعدوكم؟

أم حصلت عندكم الكفاية لقتال عدوّكم؟

أم ماذا تريدون وتطلبون من إخوانكم المسلمين البعيدين عنكم؟

ص 933

فما يقوله قيادات الجهاد وأولو أمره هناك فهو المعتبر، وعلى أساسه يكون الحكم.

توضيح الرأي: وهذا مبناه على أصل واضح معلوم وهو: أن العدو الكافر الصائل إذا قصد بلاد الإسلام أو دخلها فإنه يجب على أهل تلك البلاد ومن أمكنه الدفع معهم ممن قاربهم أن يدفعوه بما استطاعوا؛ فإن عجزوا أو قصّروا اتسعت دائرة الوجوب إلى من حولهم ثم من حولهم إلى أن يعمّ الفرضُ الدنيا كلها إن لم يقم به من يكفي.

وهذا أصل محكم وإجماع ثابت لا مطعن فيه؛ فهو حكم الشريعة وحكم الله لا مرية فيه.

فهو الأصل، وإنما ننتقل عنه حين يقول لنا من وقع عليهم الاعتداء -أهل الثغر- وأولو الأمر من المجاهدين في ذلك الثغر إننا الآن حصلت لنا الكفاية إما مطلقا، أو في الجانب الفلاني والجانب الفلاني.

فإذا علمنا أن المسلمين المعتدى عليهم، والمجاهدين القائمين بالدفع وقتال العدوّ الصائل، يقولون لنا: نحن نحتاج إليكم ويطلبون منا المساعدة بالمقاتِلة؛ فهذا معناه وجوب النفير حتى تُسَدّ خلّتهم وتقضى حاجتهم، وإذا علمنا منهم أنهم لا يحتاجون إلى المزيد، وأنهم اكتفوا، بل إن الزيادة ربما تثقلهم وتعيقهم ولا تنفعهم، فعندها نقول للناس: مكانكم، لا يذهب أحدٌ.

وهكذا، إذا قالوا لنا: نحتاج كذا وكذا من الناس، كان بحسبه.

فهذا إن شاء الله هو الصواب في المسألة.

وإما إطلاق النهي عن الذهاب، فليس بصواب.

وكذلك إطلاق القول بوجوب النفير على الناس كلهم ليس بصواب، والله أعلم.

فإذا تقرر هذا؛ فإن أكثر استدلالات المشايخ الكرام المشار إليها، مما لا يسلّم ولا يُوافقون عليه.

بيانه: أن المخاوف المذكورة إنما هي «مخاوف» وهي كالوهم لا اعتبار له هنا في مقابل الحكم الشرعي المذكور -الإجماع-، وفي مقابل المصلحة الراجحة العظيمة المرجوّة بنفير المسلمين لمساعدة إخوانهم، مع العلم بأن دور الإخوة النافرين للجهاد من البلاد العربية المختلفة ولا سيما منهم المجاهدون السابقون وأهل الخبرة والبأس والشجاعة وأهل الرأي والحكمة دورٌ عظيم جدًا، وربما أتكلم عليه بعدُ.

فالخشية من استحرار القتل في النافرين، يمكن تفاديه بتنظيم الأمر وحسن ترتيبه، فلا يرتقي إلى أن يكون مانعا من النفير.

ص 934

والخشية من التكفير أيضًا، لا ترقى للمنع، ولا يصح في الفقه -والله أعلم- أن تجعل دليلا يعارض به أصل وجوب النفير، بل نحن نقول: لو كان المقاتلون في العراق خوارج ومبتدعة من مبتدعة أهل القبلة لوجب إعانتهم على عدو الله وعدوهم والنفير لنصرتهم وهم يقاتلون عدوّا صائلا صليبيا يفسد الدين والدنيا.

أما الواقع فإن المجاهدين هناك بفضل الله تعالى بعيدون عن التكفير والغلوّ وصفة الخوارج والابتداع؛ فلو قُدّر أن أحدًا بقيت لديه مخاوف من جماعة معيّنة فعنده مندوحة في جماعات أخرى، بل عنده حتى بقايا البعثيين فليأمر الناس بمساعدتهم، والفضلاء المشار إليهم لا يكفرونهم -بقايا البعثيين والوطنيين المقاومين-، وهو حق.

وأما الخشية من حدوث مرج فكري.. الخ؛ فهذا ليس من عمدة استدلالهم وإنما يسوقونه وما شابهه للاعتضاد والاستئناس وللتقوية، وهو ظاهر الضعف، وأما المخاوف من أن يرجع الشباب بعد ذلك فيحصل منهم أخطاء من قبيل افتتاح صراعات وإشعال حروب داخل بلدانهم العربية وغيرها، فهذا أيضا لا يرقى للمنع ومعارضة الواجب المقرر بالبرهان.

بل نحن نقول لعلمائنا: فليكن منكم أنتم اقتحام الميدان وتوجيه الشباب، ولتقودوا المسيرة ولتضعوا الحدود وتبينوا الأحكام، فهذا هو العلاج الصحيح لكل تلك المخاوف، أما أن تمنعوا الشباب من النفير -ولن يمتنعوا- بحجة الخشية من أنهم عندما ينتهون من العراق.. الخ؛ فهذا غير منطقي! وما الخوف أصلًا وما المشكلة في أن يرجع الشباب وقد استعدوا لقتال أعداء الله المرتدين في بلادنا؟ أليس هذا حكما شرعيا واجبًا علينا معلّقا في رقابنا، متى ما قدرنا عليه وقع الوجوب علينا؟ أوليس الإعداد له وتحصيل القدرة عليه وتكميل النقص فيه واجبًا علينا؟ فكيف تجعلونه محذورًا وتحرّمون لأجله -بل لمجرد الخوف من وقوعه- على الشباب النفير لنصر إخوانهم المسلمين في الثغر المهيض؟ الحل ليس في إصدار الفتاوى بالمنع أيها الفضلاء.: بل في اقتحام الميدان ومعالجة الأخطار وتفصيل الأحكام بوضوح للشباب، وفي أن يكون أهل العلم وأهل الجهاد يدًا واحدة.

الحل هو بيان حدود ما أنزل الله على رسوله، ونهوضكم أنتم بالأمر والتحامكم مع إخوانكم المجاهدين.

ص 935

لماذا لا نقول للشباب: نعم، اذهبوا للعراق وانصروا إخوانكم هناك وانفروا خفافا وثقالًا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله، وافعلوا كذا ولا تفعلوا كذا، وإذا سهل الله أمركم ومنّ عليكم بالنصر والفتح، فعليكم بكذا وكذا، وانتبهوا لكذا وكذا، ويجوز لكم كذا وواجب عليكم كذا ويحرم عليكم كذا.. التفاصيل لكل شيء، ومنها كيف نتعامل مع حكام بلادنا المختلفة، ومتى نخرج، ومتى نلزم الصبر والانتظار..!

هذا دور العلماء أعزهم الله ووفقهم، وهم أدرى به، وإنما أذكر إخواني هنا:

ولا بد من ذكر شيء من الواقع المؤلم:

وهو أن فتاوى بعض الفضلاء المشار إليها مما يزيد الفجوة بين أهل الجهاد وأهل العلم، ويوسّع الشقة بين مدرستي الجهاديين والإصلاحيين.! بدل أن يكونا متعاونين متوازيين متعاضدين.

وأن الواقع الأكيد الذي نعرفه ونحن على اطلاع منه وتجربة، والله رأيناها وجرّبناها وهي عندنا يقين، أنه لا يكاد يكون هناك تأثير يذكر لمثل هذه الفتاوى..!

أعني التأثير على الكمية المطلوب تدفقها للجهاد.

بل بالعكس لعلها من حكمة الله تعالى ورحمته أن يوجد هذا الخلاف وأن تصدر هذه الآراء من بعض علمائنا، حتى لا يرتفع مستوى التدفق فوق الحد الممكن استيعابه، ولا يفيض سيل النفير عن المجرى، ويبقى الأمر معدلًا ميسورا ضبطه والتحكم فيه للقيادات على الأرض.

وهذا شيء عجيب لمن تأمّله.!

النسبة الأغلب ممن يريدون الذهاب للجهاد ويتحرّقون عليه ويبكي الواحد منهم للبعد عنه وشوقا إليه، ويرتكب الأخطار ويقتحم الأسفار ويبيع كتبه وحتى ملابسه الزائدة وذهيبات أهله، من شباب المسلمين في أنحاء الأرض من لن ترده فتوى أحد أو رأي أحدٍ يقول: لا تذهبوا، لأن هناك مثله من يقول: اذهبوا؛ فله في من يقول اذهبوا كفاية ومندوحة، ولأن مؤثرات الواقع وحقائقه أقوى أثرًا، ولأن الحق أوضح من أن يخفى، وكيف يستمع إلى كلام من يقول له لا تذهب فتقتل وهو عن ذلك يبحث، وذاك الذي يتمنّى؟!

هذه الفتاوى قد تحدث بعض البلبلة في بعض الأوساط، وتتسبب في خلخلة الصف الإسلامي، وتعمّق انفصال العلماء عن الشباب، وتمنع ذهاب الكثيرين ممن لا ينشطون للذهاب أصلًا، وإنما قد يتحرّجون من الحكم الشرعي -واجب النفير-؛ حينما يتذكرونه أو يُذكّرون به، فتنزل هذه الفتاوى على قلوبهم بردًا.!

أما الوقود الحقيقي والأصلي للجهاد، وهم الشباب المتحرق المتحمّس الذين هم بالفعل الجنود والفاعلون الأساسيون في المعركة؛ فلن يرعوا سمعا لتلك الفتاوى والآراء.!

ص 936

أنا أظن أن معرفة هذا وما شابهه مهم جدًا، ويا ليته يوصل بكل صدق وأمانة للعلماء الكرام والدعاة الأفاضل، وليته يزداد حجم الحوار والتباحث والتشاور بين المجاهدين وأهل العلم والفكر، حتى يخرج الرأي سبيكة من حكمة وعلم وتجربة الفريقين، فتتنوّر به الأمة وتهتدي وتجتمع على الخير.

والعالِم الرباني هو من يجمع «العلم والحلم والعقل»، ويعرف كيف يربي الناس بالعلم، ويسوسهم بشريعة ربهم، ويأخذهم إلى طرق الهداية بالمسايسة والتلطّف، والمجاهد الزعيم القائد الموفق من يجمع بعد توفيق الله بين خصال الرفق والمشاورة ثم العزم في شجاعة.. والله أعلم.

وجزى الله علماءنا ومشايخنا ودعاتنا خيرا؛ فإن شفقتهم على الأمة ظاهرة، ونصحهم لها لا يخفى، فبارك الله فيهم وزادهم هدى وسدادا وحفظهم الله لنا هداةً مهديين.

وبارك الله في مجاهدينا، وسددهم ونصرهم وأعانهم، فهم السادات الأغيار والذائدون عن حمانا والرافعون رؤوسنا، وهم حماة التوحيد.

ونسأل الله أن يعفو عنا وعن سائر إخواننا ومشايخنا وأحبابنا وأن ينصر المجاهدين في كل مكان.

إنه خير الناصرين وهو رب المستضعفين.

وأذكر كلمة مختصرة حول دور المهاجرين في الجهاد، وهم النافرون من أقطار الأرض لنصرة إخوانهم في الثغور وأرض الجهاد:

اعلموا -يا إخواني- أن المهاجرين القادمين للجهاد من شتى البلاد أثرهم كبير وخطرهم جسيم وفائدتهم كبيرة للجهاد؛ يرفع الله بهم الهمم ويجلو بهم عزائم أهل الثغر، ويصقل بهم مواهبهم ويجري على أيديهم وبسببهم الخير العميم لطوائف لا تحصـى من أهل البلد الأصليين، وذلك أن أهل البلد إذا رأوا هؤلاء المهاجرين النافرين لنصرتهم والجهاد معهم وما بذلوه للوصول إليهم لا لشيء إلا لنصرتهم في الدين وجهاد عدو الله معهم، ونفعهم والوقوف معهم والحمية لهم، أعظموا ذلك وأحدث في نفوسهم بالغ الأثر، وشحذ عزائمهم ونافسوهم واقتدوا بهم، ورجعوا إلى أنفسهم بالذم واللوم على التقصير في الجهاد والبذل والتضحية، ولا سيما حين يكون أولئك المهاجرون من النوع الموفّق الذي آتاه الله نورًا وعلمًا وعقلًا وحسن خلق.

ص 937

ثم إنه من صنع الله تعالى ولطفه بأهل تلك البلد أن كل شخص من المهاجرين يكون بإزائه عدة أشخاص يُـعدّون بالعشرات بل المئات بل أكثر، ممن يؤوونه ويخدمونه ويحفظونه ويعينونه ويقضون له حوائجه ويلتقون به ويحبون رؤيته؛ لأنه غريب، ويساعدونه ويعرضون عليه أنواع الخدمة، ويزورونه ويُزيرونه، ويمشون معه في هذا الطريق أو ذاك وفي هذه المهمة أو الحاجة أو تلك، ويتحدّثون عنه، ويسمعون له درسًا إذا كان من أهل الدروس، وينصتون إلى أحاديثه حين يتكلم، وقد يزوّجونه كما قد حصل كثيرًا، وقد رأينا من أهل البلاد الأصليين من يتطوع فرحًا مسـرورًا مغتبطًا بتزويج كريماته للمجاهدين المهاجرين حبّا لهم وإعظامًا، وذلك من أعلى درجات الامتزاج، إلى غير ذلك..

فيحصل لأولئك العدد الكبير من أهل البلد الملابسين لهذا المهاجر انتفاع عجيب في الدين والفضائل، ومن جرّب عرف؛ فتجد المجاهد المهاجر يؤثر في الفئام من الناس، وفي القبيلة الكبيرة، وفي مجموعة عوائل، ويحيي الله به ما شاء ﷻ من مواتهم، ويجري على يديه الخير الكثير، فإذا استشهد فيهم فتلك الغاية في التأثير، وإن شئت فقل هي السقيا للمجدِبين والبشـرى للممحِلين، فسبحان المحيي المميت!!

ثم إن المهاجرين يفتحون لأهل البلد آفاقًا من الترابط والتآخي والتآلف مع سائر المسلمين ويذكرونهم بالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى، ويفتحون لهم أبوابًا للتواصل مع سائر أهل البلاد الأخرى التي جاؤوا منها وذلك ينطوي على منافع دنيوية وأخروية لا تنكر.

هذا غير ما ينقلونه من خبرات وتجارب وما يحصل في غضون ذلك من تلاقح في الفكر والثقافات وتمازج حسنٍ طيب، لأن الجميع في ظل الشريعة وعلى أساسها تعارفوا والتقوا وتآخوا.

وبالجملة؛ فإن نفع الإخوة المهاجرين لأي جهاد هو نفع عظيم، يشدّ الله بهم أزر الجهاد فيقوى ويعتزّ ويصلب عوده على المحن ويستعصي بإذن الله على كيد الكائدين ومكر الماكرين.

﴿وَمَا يَعۡلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَۚ﴾ [المدثر: ٣١]؛ فسبحان الله الذي أتقن بحكمته كل شيء.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

❖❖❖