أسباب النصر

[محاضرة صوتية، ضمن «دورة الأنصار الشرعية»: مدتها ستة وثلاثون دقيقة، نشرها: بعض المجاهدين، وقام بتفريغها١٬٢٥٧بما أن هذه المحاضرة غير رسمية وهي موجهة للطلبة في دورة شرعية؛ فقد اقتضى ذلك تغييرَ كثير من الكلمات العامية واستبدالها بأخرى فصيحة مناسبة للسياق؛ مع مراعاة أصل الفكرة التي يريدها الشيخ رحمه الله. «مؤسسة التحايا للإعلام»، نُشـرت في مطلع عام 1435]

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

نتحدث عن موضوع له أهمية؛ لا بأس أن نتذاكر فيه، ونتناقش ونتحاور ونتأمل ونتدبر، وهو موضوع: «أسباب الانتصار على العدو، والغَلَبة على الأعداء».

ونحن نعلم أن الله عز وجل أمرنا وكلَّفَنا بأن نجتهد ونسعى ونحاول أن نغلب العدو، والغلبة على العدو والانتصار عليه بأن تكون الكلمة لأهل الإسلام، والحكم لأهل الإسلام، والدولة لأهل الإسلام، والسلطانُ والأمرٌ والنفوذ لأهل الإسلام.. هذا نحن مأمورون به وبتحصيله؛ فالله أمرنا بالغلبة على العدو، وبالانتصار عليه.. هذا مطلوب؛ فما هي أسبابه القدرية والشرعية؟ هذه سنتحدث فيها ونذكِّر بها.

لماذا نقول هذا الكلام؟ لأن بعض الناس يفهم فهمًا خاطئًا ويتوهم، يقول: «نحن علينا أن نجاهد ونقاتل وليس علينا النتيجة!».. هذا الكلام له مَحْمَلٌ صحيح، وله مَحْمَلٌ خطأ يقع فيه بعض الناس، يعني يُحمَل ويُفهم على وجه ومعنى صحيح، وله معنى آخر ووجه آخر خطأ.

ص 1779

المعنى الصحيح قول القائل: أننا سواء غلَبنا وانتصرنا ونجحنا أو لم ننتصر ولم نغلِب؛ فهذا فعلُ الله عز وجل، وهذا مربوط بقدر الله ﷻ وقضائه ولا طاقة لنا به، إنما يجب علينا أن نفعل الأسباب الممكنة وأن نأخذ بالأسباب وأن نجاهد كما أمرنا الله ﷻ ولكن النتيجة بيد الله، هذا الكلام وجهه صحيح.

لكن المعنى الخطأ والوجه الخطأ: أن يُقصَد بهذا الكلام أننا لا نجتهد ولا نسعى ولا نحاول أن نغلب العدو، وأن ننتصر عليه.

فبعض الناس يقول لك: أنا أجاهد فقط.

تقول له: لكن الجهاد ليس هكذا، يحب أن تفعل كذا وكذا من الترتيبات والأسباب المُعيَّنة التي يحب أن تفعلها حتى تنتصر على العدو!

فيقول: ليس مهمًا النصر، أنا أجاهد فقط، والنتيجة على الله.

نعم، النتيجة على الله لكن بالأسباب، الله عز وجل جعل لكل شيءٍ أسبابًا، وأمرنا بالأخذ بهذه الأسباب؛ حتى نتحَصَّل على هذه النتيجة، فنحن يجب علينا أن نسير على الأسباب بعد ذلك نُفوِّض إلى الله؛ الله يعطينا النصر أو لا يعطينا، النصر من عند الله وحده ولكن علينا أن نبذل الأسباب ونأخذ بالأسباب، ثم نقول: النتيجة على الله.

وعلينا أن نجتهد في أن ننتصر على العدو ونغلب العدو ونقهره وتكون لنا -نحن- السلطة.. هذا يجب علينا أن نجتهد فيه ونسعى له، يعني بعد الأخذ بالأسباب واستفراغ الوسع في تحصيل النصـر والسعي لتحصيله، نقول: النتيجة على الله، أي أن النصر يتجزَّأ؛ ممكن أن يكون النصر كاملًا يعطيه الله عز وجل لمن يشاء، وممكن أن يعطيه بعض النصر ويحرمه من بعضه.

الله ﷻ يعطي الناس (العباد) النصرَ على قدر أخذهم بأسباب النصـر التي سنتكلم عنها، وهذه الصورة هي الصورة التي يقصدها الإنسان دائمًا عندما يتكلم عن النصـر أو عندما يسأل الله النصـر؛ فالغالب أن الناس يقصدون هذه الصورة وهذا المظهر من مظاهر النصـر، ماذا يقصدون؟ اللهم انصرنا، اللهم انصر المؤمنين؛ يعني يعطيهم الغلبة على الأعداء والتمكين في الأرض والقوة والسلطان وتكون يدهم هي العليا، هذا الأمر غالبٌ يعني.

لكن من الممكن أن إنسانًا لا يعطيه الله عز وجل هذه الصورة مثلًا، لكن يعطيه الشهادة والفوز في الآخرة، الفوز الأخروي، هذا أعظم النصر، وإن كان نصرًا مؤجَّلًا وليس نصرًا مُعجَّلًا الآن، لكن في ضمنه نصـرٌ مُعَجَّل -سأتكلم عليه في النقطة الأخرى- لكن هو في غالبه منظورٌ فيه إلى الآجل، إلى العاقبة، الشهادة والفوز في الآخرة، والنجاح.

ص 1780

الثبات على الدين والحق والمبادئ؛ الثبات: كَوْن الإنسان مع الصراع مع الفتنة، رغم طول طريق الصراع والحرب والفتنة ومكر الأعداء وغيرها.. هو ثابتٌ على دينه، ثابتٌ على الحق، ثابتٌ على مبدئه، مبادئ الحق، مبادئ العدل والفضل والإحسان، هذا هو في حد ذاته نصـر ومعنى من معاني النصـر، وجوده واستمراره ثابتًا على هذا الدين، انتصار دعوة الإنسان (دعوة العبد المؤمن) ومبدئه وظهورها؛ كارتفاعها وعلو كلمتها في الناس وانتشارها في الناس هذا نوع من الانتصار.

ولهذا قالوا في الغلام، الغلام صاحب الملك، صاحب الساحر والكاهن، الذي دلَّ الملك على كيفية قتله وجعل هذه الكيفية سببًا لإيمان الناس فآمَن الناس لـمَّا قال له: «لن تستطيع أن تقتلني إلا أن تأخذ السهم وتقول بسم الله ربِّ الغلام». ففعل، والملك هذا كان يقول: أنا الله! الملك كان يدَّعي الألوهية، فقال: «أنت ما تستطيع أن تقتلني» يعني إلا أن تعترف بربوبية الله وتلجأ إلى الله وتُعظِّم الله؛ فهذا فيه اعتراف بأنه عبدٌ حقير ليس ربًا. في النهاية عَمِل بما قاله له وأخذ السهم وقال: بسم الله رب الغلام. فرماهُ فقتلهُ، فقال الناس: «آمنَّا برب الغلام»؛ فآمن الناس، فخَدَّ لهم الأخاديد وقتلهم بالنار بعد ذلك١٬٢٥٨مسند أحمد (23931) وإسناده صحيح..

ولكن انتشـرت دعوة الإنسان وانتشـرت كلمته التي هي كلمة الحق وظهرت وآمن بها الناس، وصاروا مؤمنين، الناس هكذا بالإطلاق دلالة على الكثرة الغالبة.

هو رزقه الشهادة الله عز وجل وفازت وانتصـرَت دعوته ومبدؤه وظهرت وانتشرت، ونحن ما نريد إلا انتصار الحق وانتصار دين الله عز وجل؛ فإذن هذا نوع من الانتصار.

وقد يجمع الله عز وجل للعبد بعض هذه المظاهر والصور من النصر أو كلها ففضل الله يؤتيه من يشاء، وقد يعطيه بعضها؛ قد يعطيه مثلًا أنه ثَبَت على الدين والحق ثم مات مثلًا لم يُرزق حتى الشهادة! لكنه مات على الحق، فهذا نوع من الشهادة وإن كان ليست الكاملة مثلًا ولكن لا بأس؛ قريبٌ منها، وفضل الله يؤتيه من يشاء، وهكذا.. يعني أنواع.

ص 1781

لكن في الغالب بالنسبة للمؤمن أنه يُحصِّل على بعضها أو كلها، طبعًا ليس شيئًا قليلًا منها، يتحصَّل المؤمن في الغالب على كثير منها؛ إن لم يَتحصَّل على الشهادة فيموت على طريق الحق فالفوز الأخروي مضمون له وإن كان ليس في أعلى درجات (الشهادة ربما) لكنه مضمونٌ له، الفوز الأخروي معنىً أعم من الشهادة، والثبات على الدين والاستمرار عليه مضمون للعبد المؤمن الذي يثبت على الدين في الغالب، نفس الثبات على الدين هو نصر، وانتصار الدعوة في الغالب أيضًا للمؤمنين حاصلة، وإن كانت أحيانًا قد تَخبو الدعوة مراحل مُعيَّنة في بعض الفترات ثم يظهرها الله عز وجل على أيدي بعض خلقه من جديد مرة أخرى وهكذا، لكن في الغالب تحصل هذه يعني.

السبب الجامع لأسباب النصر هو المذكور في هذه الآية: عندنا آية في القرآن آية مُجمَلَة جامعة، الفاذَّة التي جمعَت أسباب النصـر كلها يعني لم تترك شيئًا، وهي قوله عز وجل في سورة محمد ﷺ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ ٧﴾ [محمد].

﴿إِنَّ﴾ هذه شرطية، ﴿تَنصُرُواْ ٱللَّهَ﴾ هذا فعل الشـرط مجزوم محذوف النون؛ لأنه مجزوم بـ﴿إِنَّ﴾ الشرطية.

﴿يَنصُرُكُم﴾ جواب الشـرط أو الجزاء، ويسمى: الجواب أو الجزاء، وهو مجزوم وعلامة جزمه السكون؛ لأنه فعلٌ صحيح غير مُعتَلّ، وعَطَف عليه: ﴿وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ ٧﴾.

هذا السبب الجُمْلِي (الإجمالي) العام، أجملَتْه هذه الآية؛ فقد أجملَتْ جميع الأسباب.. كل ما سوف نتحدث عنه من أسباب للانتصار والغلبة على الأعداء داخلٌ تحت معنى هذه الآية.

فبيَّن الله عز وجل لنا في هذه الآية أنه إذا نَصَرْنا الله؛ فإن الله ينصرنا ويثبت أقدامنا، ومن معنى ذلك أنه بحسب وعلى قدر نصـرتنا لله ﷻ الله ينصرنا ويثبت أقدامنا.. إن نصـرناهُ قليلًا فبحسَبِه، وإن نصـرناه نصرًا كاملًا فبحسَبِه النصر وتثبيت الأقدام.

ما معنى ﴿إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ﴾؟ يعني: تنصـروا دينه، أي: تكونوا معه في صَفِّه وفي حَدِّهِ، تنصـروا دينه وتكونوا أولياءه، تنصـروه بطاعتكم له وبعبادتكم وتوحيدكم لله عز وجل وبقيامكم بأمر الله عز وجل ظاهرًا وباطنًا، هذا معنى نصر الله عز وجل؛ فبحسبه ينصرنا الله ويثبت أقدامنا.

وقريبٌ منها قوله عز وجل في سورة الحج: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ﴾ [الحج: ٤٠]

﴿وَلَيَنصُرَنَّ﴾ اللام هذي لام التوكيد، التي يسمونها اللام المُوَطِّئة للقَسَم، وهي تأتي بعد قَسَم، هنا يوجد قسم مُقَدَّر كأن الله عز وجل يُقسِم ويقول: والله -مثلًا- لينصـرنَّ الله من يَنصـره؛ ففيها توكيد شديد، يُقسم الله عز وجل أنه ينصـر من يَنصـره.

الله ﷻ ينصر من ينصره، نصر الله عز وجل هو الكَوْنُ مع الله بعبادته وحده لا شريك له والعمل بطاعته ونصرة دينه والكون مع أوليائه، ونصرة أوليائه وشريعته، وهكذا.

والقرآن ورد فيه آيات متعددة تُبيِّن فيه معنى نصرة الله ﷻ، في آيات كثيرة يمكن أن نقرأ بعضها:

ص 1782

منها قوله عز وجل في سورة الأعراف: ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٥٧﴾ [الأعراف] التعزير: بمعنى التعظيم، الاحترام البالغ والتعظيم، والاتباع.

هذا مما يُبيِّن النصر، أنه اتباع للنبي ﷺ، وتعزيره وتعظيمه، وفي هذا السياق -مثلًا- قال الله عز وجل: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُوٓاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ لِلۡحَوَارِيِّـۧنَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِۖ فَـَٔامَنَت طَّآئِفَةٞ مِّنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٞۖ فَأَيَّدۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمۡ فَأَصۡبَحُواْ ظَٰهِرِينَ ١٤﴾ [الصف].

﴿كُونُوٓاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ﴾ عيسى عليه السلام قال لبني إسرائيل عمومًا: ﴿مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِۖ﴾ ونصروا الله فعلًا.. الله عز وجل يضرب لنا بهم مثلًا فيقول: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُوٓاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ﴾ مثل الحواريين عندما نصروا عيسى ابن مريم وآمنوا به واتَّبَعوه وعزَّروه وعَظَّموه واحتَرَموه ونصروا دينه ودعوته، فهذا معنى نصر الله عز وجل.

قال الله عز وجل في سورة الحديد: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ ٢٥﴾ [الحديد].

الله عز وجل أخبرَنا أنه ﴿كُونُوٓاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ﴾ أنزل هذه الأشياء، أنزل الكتاب والميزان؛ لأجل ماذا؟ ليقوم الناس بالقسط، وأنه أنزل الحديد الذي تُصنَع منه هذه الآلات؛ ﴿فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ﴾ الحرب وآلات الحرب، ﴿وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾ كثيرةٌ لا يعلمها إلا الله.

وأيضًا من جملة الحِكَم في إنزاله وخلْق الله إياه لنا وتسخيره لنا ﴿وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ﴾ فنصرة الله عز وجل المقصودة هنا نصرته بالجهاد في سبيل الله.

ويقول الله عز وجل في سورة الحشـر في شأن المهاجرين في سبيل الله أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والعشرة المبشرين بالجنة وغيرهم من المهاجرين في سبيل الله: ﴿لِلۡفُقَرَآءِ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأَمۡوَٰلِهِمۡ يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗا وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ ٨﴾ [الحشر]

فهؤلاء المهاجرون الذي هاجروا مع النبي ﷺ ونصروا الله ورسوله، كيف كانت نصرتهم لله ورسوله؟ باتباعهم لرسول الله ﷺ وكَوْنِهم معه، وبولائهم له وللمؤمنين ولدين الله عز وجل ووقوفهم مع الله ﷻ ومع رسوله ومع المؤمنين باتِّباعهم لدين الله، عملهم بطاعة الله ﷻ وثباتهم على هذا الدين وهجرتهم وجهادهم في سبيل الله وصبرهم، هذا هو نصرهم لله ﷻ.

فالله ﷻ أخبر عنهم بأنهم ينصرون الله ورسوله.

ص 1783

وفي آية الحج هذه ﴿وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٤٠ ٱلَّذِينَ﴾ قوله: ﴿ٱلَّذِينَ﴾ إما بيانٌ وإما بدلٌ لـ﴿مِنَ﴾ وهي اسم موصول.

﴿وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ﴾ كأنه قال: ولينصرن الله الذين ينصرونه الذين إن مكَّناهم في الأرض؛ فهي إما بدلٌ منها أو بيانٌ لها.

﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٧٤﴾ هذا تذييل مثل الاعتراض، جملة مُعترِضة، ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ﴾ فبَيَّن ﴿مِنَ﴾ هذه.. فبيَّنَ من هم الذين ينصـرهم؟ هؤلاء الذين إن مكَّناهم، الذين لو قُدِّر لهم التمكين، لو قُدِّر أن الله مكَّنهم في الأرض فماذا يفعلون؟ يشربون خمر؟ يأتوا بالموسيقا والصور والبنات؟ هاه؟! لا.

﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ﴾ [الحج: ٤١] وفعلوا المقصود، يعني هذا اكتفاء، يسمونه اكتفاء، الله عز وجل يذكر بعض ما يكفي، فهمت كيف؟ والمقصود: عِملوا بطاعة الله عز وجل ومكَّنوا لدين الله ﷻ؛ فالمقصود أنهم أقاموا الدين.

فهذا على وجه الإجمال، بدون دخول في التفاصيل الدقيقة، وهذا يكفي للعبد المؤمن، ومع هذا جاءت الشريعة بأسباب كثيرة تفصيلية؛ إما عن طريق النص، وإما ما يُستَنبَط منها ويؤخَذ من ظواهر نصوصها العامة، وهكذا.

ومن أجل الاستذكار وتفهيم المسائل حتى تكون أمام عقل الإنسان واضحة، نذكر بعض التفاصيل بعد الإجمال.

ومن أهم أسباب النصر على التفصيل:

أن نكون نحن مجاهدين في سبيل الله حقًا، أن نحقق الجهاد في سبيل الله لا مجرد دعوة باللسان ونقول نجاهد في سبيل الله ونحن نلعب، ونحن نجاهد من أجل أهوائنا! لا، أن نكون مجاهدين في سبيل الله حقًا.

سبيل الله وطريق الله له حدَّان؛ ما هما؟

- موافقة الشريعة، هذا هو مقصود «في سبيل الله».

- صحة الاعتقاد والتوحيد لله عز وجل: التقوى والعمل الصالح؛ لأن السبب الثاني هو صحة الاعتقاد، لا بد أن يكون اعتقاداتنا صحيحة، أعمال القلوب صحيحة، تصوُّراتنا صحيحة، أن نعتقد في الله ﷻ الاعتقاد الصحيح، ونعرف أسماء الله الحسنى وصفاته العليا وما يليق بالله ﷻ من التعظيم وما يليق في ذِكْره، وفي تصورنا لله عز وجل، ما يليق أن نعتقده فيه من الأسماء والصفات، وكذلك التوحيد لله عز وجل؛ فنوحد الله في جميع الأعمال ليس بالأعمال الظاهرة فقط، وإنما بالباطنة.

ص 1784

أن نوحد الله عز وجل في أن نخافه ونخشاه وأن نَرهَبَهُ وأن نتقيه، ونتقي عذابه وسخطه وغضبه، أن نحب الله عز وجل أكثر من محبتنا لكل شيء، لأي شيء، وما نحبه من الأشياء نجعل محبته تابعة لمحبتنا لله، وهكذا هي أعمال القلوب.

وكذلك التقوى والعمل الصالح سواءً كان الظاهر والباطن، يدخل تحت صحة الاعتقاد والتوحيد لله عز وجل؛ كل ما تقدم يدخل تحت أن نعتقد أن النصر من عند الله وحده، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ١٢٦﴾ [آل عمران]، ﴿وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ﴾ [هود: ٨٨] ونعتقد أن النصر لا يملكه إلا الله، ولا يعطيه إلا الله، لا بأسبابنا ولا بقوتنا، ولا بحولنا ولا بذكائنا، ولا بمهارة ولكن هو من عند الله وحده لا شريك له ﴿وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ﴾.

الله عز وجل عندما أيَّدَ المسلمين الصحابة المجاهدين في سبيل الله مع رسول الله ﷺ بالملائكة ومدهم بمددٍ من الملائكة.. تصوَّر أن واحدًا فقط يكفي ولكن مع هذا مدهم الله عز وجل بألفٍ من الملائكة مُردِفين في بدر، وكذلك في أُحد ما أمدَّهم بالملائكة، وقال: ﴿بَلَىٰٓۚ إِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأۡتُوكُم مِّن فَوۡرِهِمۡ هَٰذَا يُمۡدِدۡكُمۡ رَبُّكُم بِخَمۡسَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ١٢٥﴾ [آل عمران] مدهم بالملائكة وقال لهم: النصـر مش بالملائكة، أنا أستطيع أن أنصركم بدون ملائكة أصلًا، انتصروا تنتصروا، كُن فيكون، ولكن ماذا؟ قال: ﴿وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ لَكُمۡ وَلِتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦۗ﴾ [آل عمران: 126] تطمئن القلوب، وتفرح وتُسـر ويحصل لكم السرور والبِشر، فهذا من نعمة الله عز وجل ولطفه وإحسانه ورحمته بخلقه وبعباده المؤمنين.

ولكن ما النصر إلا من عند الله وحده لا شريك له، فلا بد أن نعتقد هذا.

والخلق كلهم خلق الله، والمُلك كله مُلك الله عز وجل ولا يقع في ملك الله إلا ما يريد الله وإلا ما يأذن الله به، ومن جملته إعطاء النصر لمن يريد ﷻ ولهذا الله عز وجل قال: ﴿كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ﴾ [البقرة: ٢٤٩].

وقال أيضًا في قصة طالوت وجالوت: ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٥٠ فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة] بدون إذن الله لا تهزم شيئًا ولا تستطيع أيها العبد أن تنتصـر ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٢٤٩﴾ [البقرة].

النصر بإذن الله ومن عند الله، ولهذا علينا أن نتوكل على الله وحده، توكل على الله، ونثق في الله ونحسن الظن بالله ونطلب النصر من عند الله وحده، وندعو الله عز وجل ونلح في الدعاء على الله ﷻ لا نطلب النصر من غير الله، ونوكِّل الله ﷻ في كل أمورنا، هذا معنى التوكل.

التوكل: أن تفوض أمورك إلى الله عز وجل وتوكله وتتخذه وكيلًا كما قال الله عز وجل: ﴿رَّبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱتَّخِذۡهُ وَكِيلٗا ٩﴾ [المزمل] اتخذه وكيلًا في كل أمورك وكِّله أمورك معروف معناه، أنا الآن عندي مال -مثلًا- أريد أن أعمل مشروع فآتي إلى هذا الأخ أقول له: خذ هذه الفلوس وكَّلتك تفعل لي كذا وكذا، أو أريد أشتري سيارة مثلًا، فأقول: خذ هذه الفلوس أنت تشتري لنا بينجو جيد، أن تذهب إلى السوق تشتري بينجو.

هو هذا وكيل، أنا اتخذته وكيلًا في هذا الأمر، وكَّلته أمري، لماذا وكلته أمري؟ لأنني أثق فيه، لأنني أعلم أنه يفعل لي الشيء الصالح، لأني أثق فيه وأعلم أنه لا يخدعني ولا يخونني وأنه يريد لي الخير ويريد لي الصلاح، ولأنني أثق في قدرته هل أذهب لواحد جاهل أقول له اشترِ لي سيارة؟ أنا جئت لهذا الرجل لأنني أعرف أنه يعلم كيف يشتري السيارة، هو ماهرٌ عليمٌ يعرف كيف يشتريها ويشتري الشيء الجيد، وهو يريد الخير لي فأنا وكَّلته في أمري.

الله عز وجل يقول: يا مؤمنين، يا ناس، اتخذوا الله وكيلًا، اتخذِ الله وكيلًا، توكل على الله، وكِّل أمورك لرب العزة عز وجل، ﴿وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡحَيِّ ٱلَّذِي لَا يَمُوتُ﴾، القادر الذي لا تعلو قدرته أي نقص، ويريد بك الخير، ولا يُعجزه شيء، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض، له الكمال والجلال والجمال المُطلق ﷻ فاتخِذ الله وكيلًا، توكل عليه في كل أمورك وفوِّض إليه كل أمورك فهو يقضيها لك، هذا معنى التوكُّل.

فنحن نتوكل على الله ونطلب النصر من عنده، فالله ﷻ يعطينا بحسب ذلك والأمر له عز وجل: ﴿لَا يُسۡـَٔلُ عَمَّا يَفۡعَلُ وَهُمۡ يُسۡـَٔلُونَ ٢٣﴾ [الأنبياء].

- ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٤٥﴾ [الأنفال] ذكر الله كثيرًا، ذكر الله والاستمرار بكل أنواع الذكر، الذكر اللساني، وأهمها الذكر القلبي؛ أن تكون دائمًا ذاكرًا لله بقلبك، والذكر باللسان باستمرار في الليل وفي النهار وفي كل وقت تسبيحًا وتهليلًا وأذكار الصباح وأذكار المساء أذكار النوم أذكار الدخول والخروج والشرب والأكل وكل شيء.. يكون لسانك رطبًا بذكر الله، ليلك ونهارك وكل وقتك وعمرك عامرًا بذكر الله عز وجل مملوءًا بذكر الله.

- الصبر: والمصابرة والثبات على الطريق من أهم الأسباب؛ لا بد نصبر ونصابر نمسك أنفسنا، نصبر ونصابر عدونا يعني نغلب عدونا بالصبر، ونثبت على هذا الدين وهذا الطريق لا يصيبنا الملل ولا الخَور ولا التردد ولا الضعف والوهن، نصبر ونصابر ونثبت على الطريق.

ص 1785

- تحقيق الولاء الإيماني؛ يعني الموالاة بين المؤمنين، وإصلاح ذات بين المؤمنين، أن يكون المؤمنون كما قال ﷺ: (المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يَشُد بعضه بعضًا)١٬٢٥٩مسند أحمد (19625) وصحح إسناده الأرنؤوط.، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِهِۦ صَفّٗا كَأَنَّهُم بُنۡيَٰنٞ مَّرۡصُوصٞ ٤﴾ [الصف] ليس فيه خلل، وإصلاح ذات البين يكون إصلاح القلوب بين المسلمين وتطابقها، والأخوَّة الإيمانية بينهم بأن يكونوا إخوةً متحابين؛ كما قال النبي ﷺ: (مثل المؤمنين في تَوادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحُمَّى)١٬٢٦٠مسند أحمد (18373) وصحح إسناده الأرنؤوط. هذا مثل المؤمنين، هذه صفتهم هكذا.

- إصلاح ذات البين ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١﴾ [الأنفال] أصلحوا ذات بينكم، إصلاح ذات البين هي إصلاح ما بين المؤمنين بحيث يكون شأنهم الصلاح، المحبة، التوادد، التعاطف، التراحم، أن يحب بعضهم بعضًا وأن يواسي بعضهم بعضا، ليس بينهم تدابر ولا شحناء ولا تحاسد هذا -والعياذ بالله- مُفسد، هذا فساد ذات البين حينئذٍ يكون كما قال النبي ﷺ: (فإن فساد ذات البين هي الحالِقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين)١٬٢٦١مسند أحمد (1430) وحسنه الألباني لغيره كما في: صحيح الترغيب والترهيب (2888). قلوب المؤمنين إذا فسدت وحصل التحاسد والتدابر والشحناء وتفرّق القلوب؛ فإن هذا فسادٌ عظيم؛ لأن النبي ﷺ يقول: (تحلق الدين) يعني: تُفسده، وتذهب به بكُليَّة.

- حُسن الطاعة للأمراء والالتزام بالجماعة، وقصة أُحد معروفة ومشهورة، هذا من أسباب النصر، أما مخالفة أوامر الأمير فتؤدي إلى الفشل ويؤدي كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ﴾ [الأنفال: ٤٦].

- التواضع لله عز وجل ولخلقه أيضًا؛ لأن الله أمر أن يتواضع بعضنا لبعض أن نَذِلَّ للمؤمنين، والتواضع هو: ترك التكبر والترفّع والتعالي على الخلق -والعياذ بالله-، وإنما نفتقر إلى الله ونُظهر فقرنا إلى الله عز وجل، ونذل للمؤمنين ونكون رحماء مع المؤمنين.

ص 1786

وحُسن الخلق عمومًا من أسباب النصر؛ أي الالتزام بمحاسن الأخلاق وبالفضائل جميعها، وحُسن الخلق هو لفظٌ جامعُ لكل الفضائل، قال العلماء: «هو كفُّ الأذى وبذْل المعروف» أي أن يكون الإنسان مُتصفًا بكل خُلقٍ حسن، بكل فضيلة طيبة صالحة، في كلامه، في موقفه، في عمله، في تعامله مع الناس، في كل شيء.

- من أسباب النصر المهمة: اجتناب الظلم والفساد؛ فإن الظلم يُفسد على المجاهد جهاده ويُفسد عليه النصر، وكذلك الفساد في الأرض.

والمجاهد إذا ملك السلاح وملك القوة تأتيه فتنة ظلم الخلق إن لم يكن معه دين وإيمان وتقوى ويخاف الله عز وجل قد يظلم الخلق، وقد يفسد في الأرض؛ لأن عنده السلطان!

عليه أن يتقي الله عز وجل وهذا داخلٌ في التقوى والعمل الصالح لكن نحن نفرده بالخصوص من باب التنبيه عليه، من باب ذكر الخاص بعد العام يعني.

- الدعوة إلى الله ﷻ والتبليغ عنه، ومعناها: أن يعلم المجاهد أنه داعية إلى الله، فهو بجهاده داعية إلى الله عز وجل؛ يدعو إلى دين الله، يدعو إلى تقوى الله عز وجل، يدعو إلى توحيد الله، يدعو إلى الالتزام بطاعة الله عز وجل، يدعو إلى طاعة الله عمومًا، يدعو إلى محاسن الأخلاق.. فهو داعية وحيث ما كان ينبغي أن يكون داعيةً، المجاهد داعية في سبيل الله.

النبي ﷺ عندما كان يرسل المجاهدين البعوث والسـرايا والجيوش، يبعثهم لأي شيء؟ للدعوة، ويأمرهم ويوصيهم ويقول لهم افعلوا كذا وافعلوا كذا، ويقول لهم: يسروا ولا تعسروا على الناس، (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تُنفِّروا)١٬٢٦٢صحيح البخاري (69)، وأيضا: صحيح البخاري (6125)، صحيح مسلم (1734) لكن بلفظ: (.. وَسَكِّنُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا).، وافعلوا كذا ولا تفعلوا كذا، واجتنبوا كذا.

فالمجاهد هو في الحقيقة داعية إلى الله عز وجل مُبلِّغ عن الله ﷻ معلم للناس: (إنما بُعثتم مُيسرين)١٬٢٦٣مسند أحمد (7255، 7799) وصححه الأرنؤوط. في لفظ، والنبي ﷺ يقول عن نفسه: (إن الله بعثني معلمًا ولم يبعثني مُتعنِّتا) الحديث في «صحيح مسلم»١٬٢٦٤صحيح مسلم (1478) ولفظه: (إِنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا، وَلَا مُتَعَنِّتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا)..

فالمجاهد داعية إلى الله عز وجل فيجب أن يستحضر هذا، ينبغي له أن يستحضر دائمًا أنه داعية إلى الله ﷻ وأن جهاده من أجل هداية الناس، أنه يجاهد من أجل هداية الناس، نحن نجاهد من أجل هداية الناس لا من أجل قتل الناس، القتل هو للضـرورة، نحن نقتل الكفار؛ لأننا لا بد أن نقتلهم؛ لأنهم مُفسِدون طُغاة مُتجبرون يهجمون علينا وعلى المسلمين، ولأنهم يفسدون في الأرض ولأنهم قوة لا بد من إزالتها، فبالقدر الذي يناسب نحن نقاتل ونقتل، ولكن الأساس هو أننا نريد للناس أن تهتدي.

ص 1787

ومن الخطأ الذي يحصل عند المجاهدين أن يظنوا أن المجاهد هذا ليس داعية، المجاهد هذا محارب فقط ولا يدعو إلى الله!! ويتكلمون عن التبليغ والدعوة: هذا المجاهد تبليغ فقط!

لا.. المجاهد هو تبليغي أصلًا وأفضل تبليغي هو المجاهد، وأفضل داعية إلى الله عز وجل هو المجاهد، والمجاهد ينبغي أن يكون داعية ويُبلِّغ الناس ويُعلِّم الناس ويُفهِّم الناس ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، هذه هي الدعوة، وهذه هي وظيفة النبي ﷺ وأتباعه؛ فالدعوة والجهاد أخَوان، فنحن نقوم بالجميع، نقوم بالدين كله.

جزاكم الله خيرًا وبارك الله فيكم، نسأل الله أن يفتح علينا وعليكم، نسأل الله ﷻ أن ينصرنا وأن يجعلنا من الفائزين المفلحين في الدنيا والآخرة، نسأل الله عز وجل أن يرزقنا وإياكم حسن الختام.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عِصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادُنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر.

اللهم إنَّا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العُلى أن تفتح علينا في العلم والعمل، اللهم ارزقنا تقواك وخشيتك في الغيب والشهادة يا رب العالمين.

اللهم إنَّا نسألك أن تنصرنا وأن تنصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في أفغانستان وباكستان وفي كل مكان.

اللهم اجعلنا من عبادك السعداء في الدنيا والآخرة، اللهم اختم لنا بخاتمة السعادة في سبيلك يا رب العالمين.

اللهم إنَّا نسألك أن تُفرِّج كروبنا وكروب المسلمين، اللهم إنَّا نسألك أن تستر عوراتنا وعورات المسلمين، اللهم إنَّا نسألك رضوانك والجنة.

اللهم إنَّا نسألك الفردوس الأعلى في الجنة، اللهم إنَّا نسألك الفردوس الأعلى في الجنة، اللهم إنَّا نسألك الفردوس الأعلى في الجنة.

والحمد لله رب العالمين أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

•••

ص 1788

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: أسباب النصر

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا