[هل إخلاف المجاهد في أهله وماله يقوم مقام الجهاد بالنفس؟]

هل الجهاد بالمال وإخلاف الغازي في أهله وعياله بالنفقة وغيرها يجزي ويسقط عن المسلم فرض الجهاد بالنفس أم لا؟.

[السائل: رهج السنابك]

الجواب:

الحمد لله.. في حال تعيـن الجهاد بالنفس على الإنسان لا يجزئ عنه خلافة الغازي في أهله.

ص 444

لكن نحن اليوم في حالنا المعاصـر نقول إن الواجب المتعيـن على كل مسلم هو: أن يلحق بالقافلة، بمعنى أن يستجيب لأمر الله تعالى بالجهاد في سبيله، ويـنضم إلى قافلة الجهاد؛ فيكون مستعدًا لعمل ما يُطلب منه، حتى تحصل الكفاية على دفع العدو الصائل على أمتنا؛ على ديـنها وأرضها وأملاكها، ولا ريب أن العدوّ الكافرَ نازلٌ بالعقر: اليهود من جهة، والنصارى من جهات أخرى، والمرتدون من جهات أخرى، فجهادهم فرض على المسلميـن حتى يـندفعوا، ففرضٌ على كل أحدٍ اليوم السعيُ في ذلك، وهو ما عبّر عنه الشـيخ «عبد الله عزام» رحمه الله بـعبارة «اللحاق بالقافلة» ٢٦١يعني بذلك رسالة الشيخ: «الحق بالقافلة»، وهي في فصلين: مبررات الجهاد، والثاني: وآ إسلاماه، وختُمت بتوصيات، انظرها كاملة في: الذخائر العظام فيما أُثر عن الإمام الهُمام، الشهيد عبد الله عزام (1 / 176 - 189)..

فمن لم يفعل فهو آثمٌ عاصٍ لله، بل مرتكبٌ كبيرة من كبائر الذنوب، لا شك في ذلك.!

قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ٣٨ إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٣٩﴾ [التوبة]، وقال سبحانه: ﴿قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٤﴾ [التوبة]

وقولنا «فيكون مستعدًا لعمل ما يطلب منه».. كيف يعرفُ كلُ أحدٍ ما هو المطلوب منه؟

الجواب: هذا الأصلُ فيه أن يرجع فيه الشخص إلى أولي الأمر وهم قيادات المجاهديـن الموثوقون، والعلماء الموثوقون أيضًا.

فإن قالوا له: تكون في ميدان القتال وتحمل السلاح فعَـل، أو أمروه بالعمل السـياسـي والإعلامي، أو الدعوي، أو الاقتصادي المالي التمويليّ، أو أمروه بأن يذهبَ ويحصّـل علمًا ضـروريا للجهاد والمجاهديـن فيفرّغونه لذلك، أو أي شـيء غيره فعلَ، فذلك هو مكانه، وبه تبرأ ذمته، ويكون قد التحق بقافلة الجهاد، وصار مجاهدًا في سبيل الله.

وفي بعض الحالات إذا كان الشخص بحيث يعرِفُ بنفسه ما المطلوبُ منه، كأن يكون هو من أهل العلم والمعرفة بشؤون المسلميـن وأحوالهم وتفاصـيل ما يجب على أمثاله وسائر الناس، فهذا يعمل بما تبيـن له أنه مكانُــه الذي يجب أن يكون فيه ويبذل، والثغر الذي يجب أن يسدّه.

ومعلومٌ أن المجاهديـن في حالة جهاد طويل الأمد، وليست هي معركة ساعات أو أيام وتنحسم، بل هو عملٌ وجهــدٌ مستمر سنيـن وسنيـن، والمجاهدون لهم أهلٌ وعيالٌ ومعيشة، ولا بد لهم من ذلك، فإذا فرّغوا بعض رجالهم ليخلفوا الآخريـن في أهليهم وعيالهم وأملاكم التي بها معايشهم، ونحو ذلك؛ فهذا مندرج فيما ذكرنا، وهو من الجهاد في سبيل الله، ويكون الخالفُ المجاهدَ في سبيل الله كالمجاهد في سبيل الله والأجر بيـنهما إن شاء الله تعالى.

ص 445

فأرجع إلى أصل السؤال فأقول: إذا كان هذا الذي يخلف المجاهد في سبيل الله في أهله يفعلُ ذلك بناء على ما ذكرنا من أمر أولي الأمر وتوجيههم أو ما يقوم مقامها من نظر أهل العلم، بناء على النظر للديـن (النظر -فقط- للمصلحة الديـنية، مصلحة الإسلام والمسلميـن) لا على التشهّي وهوى النفس، فهذا مندرج فيما ذكرناه.

وأما إن كان هذا الذي يخلف المجاهد في سبيل الله إنما يفعل ذلك لا عن أمرِ قيادة المجاهديـن وأولي أمر الجهاد والحرب ولا عن أمر العلماء الموثوقيـن المؤتمنين على هذا الأمر، ولا عن نظرٍ منه -إن كان أهلا- إلى المصلحة الديـنية، بل يفعل ذلك لمجرد ميل نفسه إليه وطلبًا للراحة وتملّصًا من تكليف الجهاد في سبيل الله بالنفس.. فهذا لا تبرأ به ذمّــته ولا يسقط عنه الفرض الواجب، وهو على خطرٍ..!

مثال: رجلٌ مهندس الكترونيات متخصص في مجال الاتصالات بارعٌ في فنّـه، والمجاهدون في أشد الحاجة إليه وإلى أمثاله، ويطلبون منه ومن أمثاله النفير إليهم في ساحات القتال لمسـيس الحاجة..! يأتي هذا الرجل المهندس ويقول: أنا عندي جاري وابن حارتنا ذهب إلى الجهاد -في العراق أو أفغانستان مثلًا- فأنا أقوم بخلافته في أهله، ويكفيـني هذا..!!

نقول له: أخطأت وأسأتَ، فهذا العمل يمكن بسهولة أن يقوم به غيرُك، ولا نرى ذمّــتـك تبرأ بهذا، بل هي مشغولة بواجب النفير، ونخشـى أنك مرتكبٌ لكبيرة ترك الجهاد المتعيـن عليك، كما مرّ في آيات سورة التوبة، ونخشـى أن يعاقبك الله بعقوبة لا ندري كيف تأتيك ولا يعلمها إلا الله تعالى، فأنت على خطر عظيم، فإن الله تهدد وتوعّـد مَن هذا شأنه بالعقوبة والنكال.!! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

فهذا الذي تحرر عندي في هذه المسألة، والله تعالى أعلم وأحكم.. وبالله التوفيق.

•••