تعليقٌ على بيان.. في مسألة التحالف مع العلمانيين المعارضين للاحتلال في الصومال

[تم نشـره من قبل «بعض المجاهدين في خُراسان»، وكُتب في شعبان 1428]

الإخوة الأحباب في «جيش العسرة» سهّل الله تعالى برحمته ولطفه أموركم وأعانكم ونصركم على أعداء الله، وسدد رميكم وصوّب رأيكم وفكركم، وأمدّكم بمدد من عندِه سبحانه.. آمين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وصلتني رسالتكم التي فيها فتوى المفتي المذكور بخصوص تحالف المحاكم الشرعية -أو بعض أناس منها- مع العلمانيين المعارضين للاحتلال الإثيوبي وللحكومة العميلة له.

وقد كانت وصلتني من قبل عبر أحد الإخوة من جهتكم..

وكتبت عليها تعليقات قصيرة، أرجو أنها مفيدة لكم، تجدونها أدناه.

أما تحرير المسألة وكتابة رد -كما أشرتم في طلبكم- ونشره على الانترنت؛ فلا أرى ذلك الآن، لأنه ليس عندي تحرير كافٍ للواقع عندكم ولحقيقة أولئك القوم، حتى أعرف صحة كلام المفتي من حيث مطابقة دعواه للحقيقة على الأرض، وتنزيله على الواقع.

وأما الكلام على التجريد، فالمسألة لديكم معروفة، ورأينا معروف وهو باختصار:

عدم جواز التحالف مع المرتدين..

ص 1232

أما الكفار الأصليون فالأمر مختلف وأمرهم أسهل، فيجوز التحالف معهم أو التعاون معهم على عدوّ واحدٍ مشترك مثلا، كما جاء في حديث: (تصالحون الروم صلحًا آمنًا)٩٩٩انظر: سنن أبي داود (2767)، مسند أحمد (16826) وتمامه عند أحمد قوله ﷺ: (تصالحون الروم صلحا آمنا، وتغزون أنتم وهم عدوا من ورائهم، فتسلمون وتغنمون، ثم تنزلون بمرج ذي تلول، فيقوم رجل من الروم، فيرفع الصليب، ويقول: ألا غلب الصليب، فيقوم إليه رجل من المسلمين فيقتله، فعند ذلك تغدر الروم وتكون الملاحم، فيجتمعون إليكم، فيأتونكم في ثمانين غاية، مع كل غاية عشرة آلاف) وصححه الألباني، والأرنؤوط. وكما يدل عليه عمومات في الشرع، لكن هذا مقيّدٌ بالحاجة إلى ذلك نظرًا لمصلحة الإسلام والمسلمين لا غير..

وكذا مسألة الاستعانة، هي جائزة على قول جماعة من الفقهاء بشروطها المعروفة عندهم، بالكافر الأصلي، دون المرتد.

أما الكفرة المرتدون فحكمهم مختلف في هذه المسائل والأحكام، إذ المرتد لا يُقبل منه إلا الإسلام (العودة إلى الإسلام) أو السيف (بمعنى أن يقاتل ويُقتَل إن لم يرجع إلى الإسلام)، ولا يجوز إقراره على دينه (على ردته)، ولا تقبل منه جزية وذمة، ولا تجوز مهادنتهم عند طائفة من أهل العلم، إلا لضرورة، (مع أن مسألة الهدنة على الخصوص فيها بحثٌ محتمل، ومحل اجتهاد)، والأصل أيضا أنهم لا يجوز إعطاء أمانٍ لهم؛ فإن أعطاهم أحدٌ أمانًا فهو غير نافذ، اللهم إلا لضرورة أو حاجة تقترب من الضرورة في حال كان بيننا وبينهم حربٌ وحصلت بيننا وبينهم مراسلة ووفود ونحوها، واحتجنا إلى تأمين بعضهم لحاجة الحرب على قاعدة النظر لمصلحة الإسلام والمسلمين، ورسلهم لا يجوز قتلها كباقي الرسل؛ كما حصل مع رسوليْ مسيلمة الكذاب إلى النبي ﷺ، وقال النبي ﷺ لهما: (لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما)١٬٠٠٠سنن أبي داود (2761) وصححه الألباني.، كما في سنن أبي داود وغيره.

فهذا هو الأصل في المرتدين..

المرتدون، الله ﷻ أمرنا بقتالهم وقتلهم حتى يرجعوا إلى الإسلام فنكفّ عنهم فقط.

ص 1233

فكيف نتحالف معهم وندخل معهم في حِلفٍ واتفاقات تعاون بدعوى أننا نحاربُ عدوًّا مشتركا غازيا؟ كيف وهم (الكفار المرتدون الوطنيون، أعني المحليين أهل البلد) أكفر في حكم الإسلام من الكفار الأصليين سواء الأثيوبيين أو الأمريكان.

فقد اتفق الفقهاء على أن المرتد أشد وأغلظ كفرًا من الكافر الأصلي.

فالحاصل أنه لا يجوز التحالف مع المرتدين؛ اللهم إلا لضرورة يقدرها بقدرها أهل الشأن.

وأما من ناحية النظر والاعتبار؛ فالتحالف والتعاون والدخول في مشاركات واتفاقيات مع المرتدين العلمانيين خطره عظيم جدا على دين الإخوة الذين يدخلون معهم سامحهم الله وهداهم، وخطر على الجهاد بل على الدين برمته، وتلبيس على المسلمين وخلط لمبادئ الدين من الولاء والبراء وغيرها، ومدعاة إلى سلسلة من التنازلات والمفاسد الشرعية المعروفة.. وغير ذلك..

وكل هذا مجرّبٌ معروف، والاعتبار بما فعلته بعض الحركات الإسلامية من قبل ينبه العاقل الحريص على دينه، والعاقل من اتعظ بغيره، والسعيد من وُقي الفتن، ورأس مال المرء هو دينه وآخرته، ونحن إنما نقاتل في سبيل الله ومن أجل إعلاء كلمته ورفع راية دينه ﷻ وأن يدخل الناس في الدين: التوحيد والشريعة، لا أن نتعاون مع مرتد أشد وأغلط كفرا ومحاربة لله ورسوله ودينه وتمردا على شريعته، لندفع كافرا أقل وأهون..!!

ثم من جهة النظر في الحاجة والواقع السياسي والعسكري الذي بحمد الله جربه إخواننا وصاروا خبراء فيه ولهم فيه رسوخ وفهم وإدراك ليس لغيرهم؛ فإن الحاجة إلى التحالف مع أولئك المرتدين لا حاجة إليه أصلا..!!

بل نحن «مجاهدون»، وشبابنا بالتوكل على الله تعالى عندهم القدرة على خوض حربٍ ولو طالت تنكي في العدو الكافر المحتل والمرتد العميل له، وتخرجه مدحورا مهزوما مغلوبا بإذن الله، وليفتحوا الأبواب لإخوانهم من شباب ورجال الأمة الغيارى أهل الدين والتقوى والصلاح والبذل والتوق إلى الاستشهاد والجنة، الذين يبارك الله فيهم وفي أعمالهم، وليسهّلوا لهم الهجرة إليهم؛ ففيهم الخير العظيم، فهؤلاء المؤمنون هم الذين يجب الاستعانة بهم على دفع العدو الكافر، ويجب أن نساعدهم ونيسر لهم الطرق للجهاد، لا أولئك العلمانيين الذين ﴿لَوۡ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالٗا وَلَأَوۡضَعُواْ خِلَٰلَكُمۡ يَبۡغُونَكُمُ ٱلۡفِتۡنَةَ﴾ [التوبة: ٤٧] والعياذ بالله!.

ص 1234

فهذا والله من العجب لأهل العلم وأهل الدعوة الإسلامية؛ أن يستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويتركوا ما أمر الله به مما فيه النصر والعز والخير والبركة، ويذهبون يلتمسون الخيرَ في غيره من الأفكار والسياسات والأعمال، ولا حول ولا قوة إلا بالله.. قال الله تعالى: ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَشَدَّ تَثۡبِيتٗا ٦٦ وَإِذٗا لَّأٓتَيۡنَٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٦٧﴾ [النساء].

الله أكبر ولله الحمد..!

وأمامكم تجارب العراق وأفغانستان وغيرها..

ونحن لا نستعجل؛ الحرب سجال، والأيام دول، والله ابتلانا بهم وابتلاهم بنا..

فلماذا العجلة والذهاب إلى أسمرا وأخضرا وأحمرا، وطلب مثل هذه التحالفات التي أقل ما يقال فيها إنها خطرٌ على الدين وعلى الجهادِ وفتنة ومذلة.

وحسبنا الله ونعم الوكيل.

ولهذا فقول المفتي في الفتوى المذكورة: «خامسا: إن العدو الذي نقاتله في الصومال ليس الحكومة العميلة وحدها برئاسة عبد الله يوسف وعلي محمد كيدي، وإنما نقاتل حكومة إثيوبيا ذات الإمكانات العسكرية الهائلة من عدد وعتاد وتموين، وليست أيضا وحدها، وإنما معها أمريكا في مشروعها الاحتلالي للصومال؛ بحيث توفر لها الدعم بكل ما تحتاج إليه بل وتشارك معها في الحرب إن لزم الأمر، وجميع الدول الغربية منطوية تحتها تبارك باحتلال الصومال.. وليس يعقل -والحال ما ذكرته- أن جماعة أو مجموعة واحدة تقدر أن تواجه عدوا بهذا الحجم بمفردها» اهـ.

[البحر: الوافر]

[البحر: الوافر]

يَرَى الْجُبُنَاءَ أَنَّ الْجُبْنَ عَقْلٌ 

وَتِلْكَ خَدِيعَةُ الطَّبْعِ اللَّئِيمِ١٬٠٠١قاله: أبو الطيب المتنبي، كما في: الأمثال السائرة من شعر المتنبي (ص 34).

ومثل هؤلاء والله أعلم لا يمكنهم أن يقودوا جهادًا ما داموا يفكرون بهذه العقلية، وما دامت هذه نظرتهم للأمور وهذه نفسيتهم؛ إلا أن يكون ذلك زلة ويتداركوا أنفسهم بالثقة بالله والتوكل عليه، بشرط أن يكونوا شجعانًا كرماء المعادن.

بل نحن نؤمن أنه ﴿كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٢٤٩﴾ [البقرة].

ونؤمن بمقتضى قوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمَا ٱدۡخُلُواْ عَلَيۡهِمُ ٱلۡبَابَ فَإِذَا دَخَلۡتُمُوهُ فَإِنَّكُمۡ غَٰلِبُونَۚ﴾ [المائدة: ٢٣].

والمهم هو التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب الشرعية التي أمر الله بها وأباحها ونبّه وحث عليها أو على أصولها في كتابه وفي سنة رسوله ﷺ وسيرته، وفي الحس والعقل والتجارب والخبرات البشرية الممحصة الصحيحة النافعة.

ولهذا قال الله تعالى في تمام الآية السابقة: ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٣﴾ [المائدة: ٢٣].

وفي الحقيقة هذا هو الفرقُ العظيم بين جهاد الإخوة في «القاعدة» ومَن هم على طريقتهم من إخوانهم أهل تحقيق التوحيد والالتزام بالسنة وطريق السلف الصالح رضي الله عنهم، وبين سائر من ينتسب إلى جهادٍ أو مقاومة من جماعات «إخوان مسلمين» وما شابههم أو نحو ذلك..!

أعني الثقة والظن الحسن والتوكل على الله والإيمان بوعده وصدق خبرِه، والشجاعة والاستهانة بكبر وعظم قوة العدو (أعني الاستهانة المحمودة، أي احتقار العدو وعدم الخوف منه، وذلك لا ينافي حسن المعرفة به وبقدراته ومكره وخبثه، وحسن الإعداد لمواجهته)، وعدم الخوف من ضخامة العدو المنتفش؛ ثقة بالله تعالى وتوكلا عليه وطلبا لنصره وارتكانا إلى وعده سبحانه.

وقوله: «جماعة أو مجموعة تواجه العدوّ بمفردها».. هذا فيه تسطيح واختزال للمسألة، وسوء تصوير لها، وأخشى أن يكون تلبيسًا مقصودا، وأنا لا أعرف الرجل المفتي وحاله، فإن هذه طريقة أهل التلبيس، وقد يكون الرجل صادقا لكنه غير مجرب ولا يُـعتَمد عليه في مثل هذه الأمور؛ فإنها أمورٌ تحتاج إلى أهل العزائم وأهل الشجاعة والإقدام الذين باعوا الدنيا وطلقوها، تحتاج إلى «الزرقاوي» وأمثاله وأشباهه، على أن يكونوا -أيضا- أهل تقوى وأهل عقلٍ ورزانة، لا أهل طيشٍ.!

وذلك توفيق من الله تعالى واصطفاء؛ فعليكم بالله مولاكم ﷻ، واحذروا من خداع النفس، واعلموا أن التوفيق كله منه وحده سبحانه والنصر من عنده فقط لا غير.. والله المستعان.

ص 1235

لأن الأمر ليس كما قال؛ فهذه الجماعة لا تقاتل وحدها في الحقيقة، بل معها عموم المسلمين أو جمهرة كبيرة منهم فيهم الخير والبركة، ولا يلزم أن يكون كل الشعب أو أكثره معها، بل يكفي أن يكون معها جمهرة طيبة من أهل الخير والفطرة الحسنة وأهل الشرف والإباء، وهؤلاء خيرٌ من أضعافهم من أهل الركون إلى الدنيا وأهل الفساد والضعة أهل القبول لكل غازٍ يدفع لهم الدولار ويشبع بطونهم ويوفر لهم الرفاهية والمتعة ولو كان يهوديا أو مرتدا فاجرا خليعا مخنثا والعياذ بالله..!

فهذه الجماعة أو المجموعة إن كانت منعزلة عن سائر الناس بكل حالٍ، مقطوعة من شجرة المجتمع المسلم الذي تعيش فيه، فيصحّ كلامُ المفتي حينها، وتكون هذه الجماعة غير قادرة ومحكومًا على عملها بالفشل، حتى وإن جوّزنا لها الخروج لقتال العدوّ، فنحن قد نجوّز حتى خروج الرجل الواحد لوحده مفردًا كما قال تعالى: ﴿فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ﴾ [النساء: ٨٤] ولكن هذه المسألة ينظر في أفرادها صورة صورة، ويحكم فيها، لأنها لا بد فيها من اعتبار المصالح والمفاسد.. لكن المقصود أنك قد تجاهد وأنت تعرفُ أنك لن تغلبَ العدوّ ولن تزيحه، وهذا معنى قولنا «محكوم عليه بالفشل» أي محكوم على عمله بأنه لن يزيل العدو ولن يغلبه، وليس معنى ذلك أنه فاشل من كل وجهٍ دنيا وأخرى.. أما الدنيا فقد يكون الغرض أحيانا جزئيا صغيرا مثل تجريء المسلمين وتشجيعهم وضرب المثل والقدوة والأسوة لهم وتوهين شأن العدو في قلوبهم، وهذا يكون هدفا مرحليا أحيانا، حيث لا يمكن أحسن من ذلك، وحيث يكون هذا مطلوبًا للتوطئة لما بعده من الجهاد الأسدِّ والأكمل.

وأما في الآخرة فالأجرُ والثواب العظيم ونيل كرامة الشهادة لمن قاتل وقتل في سبيل الله، وأكرم به وأنعم من فوز عظيم، وهل بعده غاية.. اللهم ارزقنا الشهادة في سبيلك يا رب العالمين.

والخلاصة أيها الإخوة الأحباب:

أنه أوَّلًا لا بد أن نعرف حال أولئك القوم الذين تقولون أنتم إنهم علمانيون كفرة (مرتدون)، ويقول المفتي في ظاهر كلامه إنهم مسلمون..

لا بد من تحرير هذا الموضع أولا.. وبناء عليه تعرفون الحكم.

ص 1236

فإن كانوا مسلمين فسّــاقًا فكلام المفتي صحيح، ولا داعي أصلا للتطويل بكلامه ولا بالبحث والنقول؛ لأن التعاون والتناصر والتحالف والاستعانة بالمسلمين ولو كانوا فساقا جائز لا غبارَ عليه، وإما يبقى النظر في الأحسن والأصلح للإسلام والمسلمين، وذلك محل اجتهاد، يُرجَع فيه إلى أهله، وتتشاورن فيه، ويسع فيه الخلاف، ولا يفسد للود قضية إن شاء الله.

وأما إن كانوا كفارًا مرتدين، فكلامنا ورأينا واضحٌ قد بيّناه..! وهو ردّنُا على المفتي حينها.

أنا لا أعرف بالضبط حقيقة أولئك القوم وحالهم، فأنتم حرروا هذا «الحال» جيدا وبدقة وإنصاف وأمانة، بعيدًا عن التسرع وإرادات النفوس الخدّاعة، عافانا الله وإياكم، بل بصدق وبتقوى الله ﷻ، وناقشوا أمرهم مع علمائكم وطلاب العلم فيكم، ومنهم هذا الشيخ المفتي وغيره، وتشاوروا في أمرهم والتوصل إلى معرفة حقيقة حالهم، لكي تحرروا أصل هذه المسألة: هل هؤلاء القوم كفارٌ أو لا.

ثم بناء عليه يكون تنزيل الحكم في «التحالف».

وإن شئتم أن تصفوا لنا حالهم بتقارير مفصلة فابعثوا لنا حتى ننظر ونعينكم.

والله الموفق، والله أعلم.

أسأل الله تعالى لنا ولكم الإعانة والتوفيق والهدى والسداد، وأوصيكم بتقوى الله تعالى في السر والعلن، وعدم الاستعجال، وبحسن الأدب مع كل الناس، من موافق ومخالف، واحذروا من التسرع ومن الدخول في مسابة أو مشاتمة أو تعصّب لرأي على خلاف الحق، بل خذوا الأمور بعقل وروية ومشاورة، واقبلوا الحق والنصح والحكمة ممن كان، وتألفوا الناس، ولا سيما أهل الخير منهم وأهل الفضل لو أخطأوا..

ومسائل التكفير تعرفون رأينا فيها بارك الله فيكم: انتبهوا منها جيدا، واحتاطوا فيها احتياطا مبالغا فيه؛ ففي ذلك السلامة في الدين وفي الآخرة، واتركوا ما أشكل عليكم منها ومن غيرها من المسائل لعلمائكم ولطلبة العلم، ونحن إن شاء الله في خدمتكم، بما نملك، فما عرفنا أجبناكم وأعناكم، وما لا، سعينا لكم عند مشايخنا وعلمائنا وبحثنا لكم فيه.

أعانكم الله وقواكم ووفقكم..

ولا تنسونا من صالح دعوة جزاكم الله خيرا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ص 1237

أخوكم: عطية الله

سلخ شعبان 1428هـ

•••

ص 1238

ص 1239

أخي العزيز،،، وفقك الله وحفظك ورعاك وسائر إخوانكم، ونصركم على القوم الكافرين ووقانا وإياكم سبيل الفتن والضلالة.. آمين، وبعد/

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

استلمت رسالتك، وقرأت الفتوى المرفقة، وعلقتُ عليها سريعا، غير مريدٍ التقصِّي والتحرير الكامل، وإنما هي تعليقات مفيدة توضح لك المسألة إن شاء الله، وأما التحرير لمسألة التحالف مع الكفار أصليين ومرتدين، وكذا مسألة الاستعانة وغيرها من المسائل فلها موضع آخر، وتحتاج إلى شيء من الوقت، والمعذرة الآن لأني مشغول والله، ولكن إذا عندكم استشكالات معينة وأسئلة محددة فاكتب لي، ولا بأس عليكم، والله يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.

[نص البيان١٬٠٠٢تعليق الشيخ عطية الله رحمه الله على البيان موجودة بين معكوفين بالخط المعتاد.]

يا شيخنا.. ما تعليقكم على هذه الفتوى التي يحتج بها بعض المحاكم لتبرير التحالف مع بعض العلمانيين، وبعض أعضاء البرلمان المعارضين للحكومة؛ علما أن رئيس البرلمان الذي هو الآن من المعارضين؛ هو الذي كان يرأس الجلسة التي قرر البرلمان فيها نشر قوات إفريقية في أنحاء الصومال؟

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم وبعد/

وردت إليّ أسئلةٌ كثيرة حول التحالف المزمع إنشاؤُه من قبل المجتمعين في أسمرا عاصمة أريتريا، وكان من بين السائلين من لا أقدر رد طلبه فأجبتهم إلى ما دعاني إليه من كتابة فتوى شرعية عن صحة ذلك المؤتمر، فأقول مستعينًا بالله، وهو اعتمادي، وعليه توكلي، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إن الذي تنوي المحاكم الإسلامية الدخول فيه مع أطراف أخرى هو تحالفٌ (isbeheysi) والتحالف في اللغة مأخوذ من الِحلف -بكسر الحاء- وهو العهد والصداقة لأن كل صديق يحلف لصاحبه أن لا يغدر به، وجمع الحلف أحلاف.

وشرعا: المعاقدة والمعاهدة والاتفاق على إحقاق الحق ورد الباطل ونصر المظلوم وردع الظالم.

ويكون بين قوم كفار، ويكون بين مسلمين وكفار.

والحلف كان معروفًا قبل الإسلام كما يدل عليه ما عُرف في الجاهلية بحلف الفضول الذي أشاد به النبي ﷺ وأثنى عليه بعد بعثته بقوله: (لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا لو دُعيت به في الإسلام لأجبت) وفي لفظ آخر: (ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت)١٬٠٠٣السنن الكبرى للبيهقي (6596، 13080)، معرفة السنن والآثار للبيهقي (13228 وما بعده) والحديث حسن أو صحيح بمجموع طرقه، وإن رواه البيهقي مرسلا؛ فقد رواه غيره متصلا، كما عند أحمد في المسند (1655) فقد صحح إسناده الأرنؤوط.، وقد روي عنه قوله: (وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة)١٬٠٠٤مطلع الحديث: (لا حلف في الإسلام..) الخ، رواه مسلم (2530)، سنن أبي داود (2925)، مسند أحمد (16761). أي قوة.

وحلف الفضول أكرم حلف سُمع به وأشرفه في العرب، وكان أول من تكلم به ودعا إليه الزبير بن عبد المطلب h؛ فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته.

وأما قوله ﷺ: (لا حلف في الإسلام)؛ فذاك حلف في تناصر على الظلم والمعصية كأكثر الأحلاف التي كانت تقع بين قبائل من العرب قبل الإسلام، والدليل أن النبي ﷺ دخل في حلف مع قوم من مشركي العرب كما سيأتي إن شاء الله، ولا يعقل أن يثني النبي ﷺ على شيء ثم ينهى عنه، فيتعين أن يكون الذي نهى عنه غير الذي أثنى عليه لأن كلامه وحي من الله لا يتناقض.

[كلام صحيح في الجملة، وحاصله أن الحلف المنهي عنه هو ما كان على سنن الجاهلية من الحلف على الظلم والغارة والتناصر المطلق: على الحق وعلى الباطل، وعلى العدل وعلى الظلم سواء، على حد قولهم: انصر أخاك ظالما أو مظلومًا على مرادهم المعروف.. وأما الحلف الجائز في الإسلام فهو الحلف على التعاون على البر والتقوى ونصر الحق وإقامة العدل..، وكلام العلماء في ذلك وشروحهم لحديث (لا حلف في الإسلام) وبيان معناه ومعنى ما عارضه من أحاديث وطريق الجمع بينها.. مبحث يطول، وراجع «عون المعبود على سنن أبي داود»، و«حاشية ابن القيم على أبي داود»١٬٠٠٥عون المعبود وحاشية ابن القيم على سنن أبي داود (8/ 100 - 102).، و«فتح الباري»١٬٠٠٦فتح الباري (1/ 107)، (4/ 437). و«شرح النووي»١٬٠٠٧المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (16 / 81، 82).، تكفيك إن شاء الله].

ص 1240

وأما صحة الحلف بين المسلمين والكفار فيدل عليه ما ثبت عنه ﷺفي عام الحديبية، وذلك بعد أن وقع الاتفاق مع قريش على هدنة في وضع الحرب بينهما عشر سنين، وكان من بين بنود الاتفاقِ أن من أراد أن يدخل مع محمد ﷺفي عقد وعهد دخل، ومن أراد أن يدخل مع قريش في عقد وعهد دخل.. فدخلت قبيلة بني بكر مع قريش في عهدها، ودخلت قبيلة بني خزاعة مع النبي ﷺ في عهده، والقبيلتان يومئذ على الشرك، واستمرت المعاهدة زهاء سنتين، فلما كان العام الثامن من الهجرة اعتدت قبيلة بني بكر على قبيلة بني خزاعة حيث هاجموهم بغتة، وقتلوا منهم أعدادا كثيرة بمساعدة قريش لها بالسلاح والمال مع توفير الحماية لها؛ فأرسلت قبيلة بني خزاعة وفدًا إلى النبي ﷺ، وأخبروهم بما حدث؛ فقام النبي ﷺ لنصرة قبيلة بني خزاعة وفاء لها بالحلف الذي كان بينهم١٬٠٠٨البداية والنهاية (6/ 509) وبعد مناشدة خزاعة قال النبي ﷺ: (نُصِرْتَ يَا عَمْرَو بْنَ سَالِمٍ)..

فاعتبر النبي ﷺ الاعتداء على من دخل معه في حلف اعتداء عليه، لهذا جهز جيشا، قوامه عشرة آلاف لمعاقبة قريش على صنيعها، وكان سببا لفتح مكة.

وقبيلة خزاعة شاركت القتال وهي مشركة في صف النبي ﷺ بل وفي «مسند أحمد» وغيره أن النبي ﷺ لما فتح مكة قال للناس: كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر، فأذن لهم حتى صلى العصر.

اتفاقية بين الرسول واليهود حول المدينة:

لما قدم الرسول ﷺ المدينة كتب مع اليهود كتابا تحالف فيه على حماية المدينة من العدو على التعاون على المصلحة العامة، وظل محترما هذا التحالف حتى نقضوه هم على ما هو مذكور في كتب السير١٬٠٠٩البداية والنهاية (4/ 556) وما بعدها..

وهناك أمور يجب أن يعلم بها قبل الدخول في الموضوع:

أولا: لا خلاف بين المسلمين قاطبة في جواز الاستعانة بسلاح وأموال غير المسلمين أيا كانوا لمحاربة كفار آخرين؛ فقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ استعار من صفوان بن أمية دروعا في قتال قبائل هوازن١٬٠١٠موطأ مالك (1547) وفيه: «فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ هَوَازِنَ بِحُنَيْنٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى صَفْوَانَ يَسْتَعِيرُهُ أَدَاةً، وَسِلاَحًا عِنْدَهُ، فَقَالَ صَفْوَانُ: أَطَوْعًا أَمْ كَرْهًا؟ فَقَالَ: بَلْ طَوْعًا، فَأَعَارَهُ الأَدَاةَ، وَالسِّلاَحَ التي عِنْدَهُ، ثُمَّ خَرَجَ صَفْوَانُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ كَافِرٌ، فَشَهِدَ حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ، وَهُوَ كَافِرٌ»، سنن أبي داود (3562) وصححه الألباني.، ومن هنا كان قبول «المحاكم الإسلامية» للمساعدات العسكرية من إريتريا.

ثانيا: اختلف أهل العلم في جواز استعانة الكفار في محاربة كفار آخرين، فمنعها قوم، وأجازها آخرون، فأما من منعها فلقول النبي ﷺ: (إنا لا نستعين بمشرك) وذلك حينما سئل عن رجل أراد أن يغزو مع المسلمين وهو مشرك١٬٠١١سنن أبي داود (2732) وصححه الألباني..

والعلة أنه لا يؤمن أن ينقلب الكفار على المسلمين ويكونوا مع الكفار الحربيين في صف واحد، فتعظم المضرة، وتحل المفسدة.

ص 1241

وأما من أجازها فقد أجازها بضوابط، وهي فيما إذا أمن شرهم وغدرهم بأن يكون في المسلمين منعة وقوة تكفي لردعهم فيما إذا انقلبوا عليهم، يكونون في كلتا الحالتين مغلوبين لا غالبين١٬٠١٢انظر في مسألة استعانة المسلمين بالكفار في الحرب: «الحكم المختار في الاستعانة بالكفار» للشيخ: حمود بن عقلاء الشعيبي رحمه الله، «المورد العذب لبيان حكم الاستعانة بالكفار في الحرب» للشيخ أبي يحيى الليبي رحمه الله، «العمدة في إعداد العدة» (المسألة الخامسة من الباب الثالث) لسيد إمام، «مسائل من فقه الجهاد» (المسألة الخامسة عشرة) للشيخ أبي عبد الله المهاجر، «أفغانستان والطالبان ومعركة الإسلام اليوم» (المسألة الأولى من الفصل الثاني) للشيخ أبي مصعب السوري، «الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان» (السؤال السادس) للشيخ عبد الله عزام رحمه الله.، ويستدل لهم بقوله تعالى: ﴿وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْۚ وَقِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ قَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدۡفَعُواْۖ قَالُواْ لَوۡ نَعۡلَمُ قِتَالٗا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ هُمۡ لِلۡكُفۡرِ يَوۡمَئِذٍ أَقۡرَبُ مِنۡهُمۡ لِلۡإِيمَٰنِۚ﴾ [آل عمران: ١٦٧].

فهذه الآية نزلت في المنافقين كعبد الله بن أبي بن سلول ومن معه حين رجعوا عن المسلمين وهم متوجهون إلى غزوة أحد، وهم أشد كفرا من الكفار المعلنين كفرهم ومع ذلك: ﴿قَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدۡفَعُواْۖ﴾ أي إن لم تقاتلوا فأقل شيء ادفعوا عنا بتكثير سواد المسلمين.

ومن المجيزين في استعانة الكفار في حرب الكفار الإمام الشافعي، فمن ذلك قوله في هذه المسألة: «إن رأى الإمام أن الكافر حسن الرأي والأمانة بين المسلمين، وكانت الحاجة داعية إلى الاستعانة به جاز، وإلا فلا» ١٬٠١٣انظر: المجموع شرح المهذب (19/ 283)..

وقال ابن حزم الظاهري: «فلا بأس أن يلجؤوا إلى أهل الحرب، ويمتنعوا بأهل الذمة (أي يستعينوا بهم ضد الحربيين) ما أيقنوا أنهم في استنصارهم لا يؤذون مسلما أو ذميا في دم أو مال أو حرمة مما لا يحل» ثم قال: «وهذا رأي أصحاب أبي حنيفة أنه لا بأس بأن يستعان عليهم»١٬٠١٤المحلى بالآثار (11/ 355)..

وهناك من يقول: إن الاستعانة كانت ممنوعة ثم رخص فيها، قال الحافظ ابن حجر: «وهذا أقربها، وعليه نص الشافعي»١٬٠١٥التلخيص الحبير (4/ 190)..

فإذا كان هذا في حق الكفار فمن باب أولى أنه يجوز أن يستعان بالعصاة، والفساق من المسلمين تحت راية الإسلام في قتال المحتلين والغزاة من أجل تحرير البلاد، يقول الشوكاني في نيل الأوطار: «وتجوز الاستعانة بالفساق على الكفار إجماعا»١٬٠١٦نيل الأوطار (7/ 264)..

والقصد من هذه النقول أنه إن جاز الاستعانة بالكافر المحض في قتال الكفار عند كثير من أهل العلم فكيف لا يصح الاستعانة والتحالف بأقوام يقرون بالإسلام في قتال الإثيوبيين المحتلين، وقد وافقوا معنا على تلك المبادئ من تحكيم الشريعة في المجتمع الصومالي.

ص 1242

[حاصله: القول بأن القوم الذين حالفوهم هم مسلمون، وحينئذٍ فلا داعي لكل الكلام السابق عن الحلف والاستعانة بالكفار بأنفسهم أو بأموالهم وسلاحهم والنقول عن العلماء في ذلك..! لأن البحث هو في الحلف مع الكافر، بل أخص من ذلك: الحلف مع كافرٍ مرتدٍ، وعليه فيجب النظر أوَّلًا في هؤلاء الذين تحالفت معهم المحاكم هل هم مسلمون (فساق)؟ أو كفارٌ خارجون من ملة الإسلام؟ لأنكم أخي السائل قلتم إنهم علمانيون].

ثالثا: الأسباب التي دعت المحاكم الإسلامية في الصومال إلى المشاركة في هذا التحالف ما يلي:

1 ـ إن المبادئ التي قام عليها التحالف، ويجب المحافظة عليها هي كلها مبادئ إسلامية ومنها على سبيل المثال:

أ ـ وحدة الأراضي الصومالية وسيادة أهلها عليها ووجوب إخراج المحتل الإثيوبي.

ب ـ تطبيق الشريعة الإسلامية في كافة المجالات بعد إخراج المحتل من البلاد.

ج ـ حل أزمة الصومال بعد توفيق الله بيد الصوماليين، وأي تدخل في الشؤون الصومالية من أي طرف كان فهو مرفوض.

[هذا فيه إجمال؛ فقد يدخلُ فيه تدخّل الإخوة المسلمين المجاهدين الناصرين لإخوانهم المسلمين في الصومال، فإن قيل: إن المحاكم لا تقصد ذلك، فإن هذا لا يكفي في المعاهدات والتحالفات، لأن الخصم يمكنه تفسيره على مراده وقت الحاجة، والتجربة قاضية بهذا والعقول جازمة بالاحتياط فيه، وأن مثله مغبة وغررٌ وتضييع وتفريط..!!]

د ـ دعوة مؤتمر مصالحة موسع تشترك فيه جميع الأطراف في الساحة الصومالية من أجل بناء حكومة وفاق.

ص 1243

[وكذا قوله: «من أجل بناء حكومة وفاق»؛ هذا مبهم، فما هي حكومة الوفاق التي تكون بين مسلمين وبين كفرة علمانيين وملاحدة لا دينيين؟ وكيف يمكن أن يجتمعوا على تحقيق مقاصد الإمامة والولاية في الإسلام؟ هذا محالٌ، ولذلك فهذا البند أيضا مما فيه خطر وغرر كبير في الدين، وهو مدخل لفسادٍ كبير، بل هؤلاء العلمانيون المرتدون الملاحدة يجب علينا مجاهدتهم وقتالهم فكيف نتوحد ونتحالف معهم على تحقيق حكومة وفاق متوهمة؟ ونرجع إلى ما قلته قريبا: ننظر أولا في الناس الذين تحالفت معهم المحاكم: هل هم مسلمون أو كفارٌ مرتدون؟ وبعدها نتكلم في المسألة، وبالجملة عندنا أنه لا يجوز التحالف مع المرتدين، بخلاف الكفار الأصليين، هذه من المسائل التي يفترق فيها الكافر الأصلي عن المرتد، وهي مسائل كثيرة جدا معظمها معروف مشهور، فإن الكافر المرتد يجب قتله ولا يجوز إقراره على دينه، ولا يقبل منه إلا الإسلام أو السيف، وفي مهادنته إن كان قوة ودولة خلافٌ والمسألة محتملة، وأما التحالفُ معه، فلا شك أن الأصل هو المنع منه، وعدم جوازه، اللهم إلا أن يكون المسلمون مضطرين، والضرورة تقدر بقدرها، ويعرفها أهلها، والله أعلم].

رابعا: البرنامج السياسي للتحالف الذي يسير عليه، ويسعى إلى تحقيقه يقوم على النقاط التالية.

أ ـ التحالف يرى وجوب تحرير البلاد من الاحتلال الإثيوبي ومن ساعده من الحكومة العميلة له، والوسيلة إلى وصول تلك الغاية هي الجهاد في سبيل الله بكل السبل المتاحة.

ب ـ ومن برامجه أيضا رفض ما يسمى بالفيدرالية لأنها طريق لتجزئة الوطن الواحد ثم في النهاية تقسيم البلاد إلى دويلات، وكل ذلك يصب في مصلحة أعداء الصومال.

ج ـ ومن برامجه أيضا رفض توزيع السلطات على حسب نفوذ القبائل وقوتها (أي ما يسمى 5. 4) لأن ذلك في الحقيقة ترسيخ لمبدأ الظلم، وتأسيس لطبقية في المجتمع وإلغاء الكفاءات.

تنبيه: إن جميع الأطراف التي شاركت في الإعداد للمؤتمر وافقت على هذه المبادئ وعلى ذلك البرنامج السياسي ولم يذكر في مقابل ذلك الديمقراطية، والعلمانية، والدساتير، والأعراف الصومالية، وهذا في نظري مكسب كبير للمحاكم الإسلامية في مشروعها الإسلامي، فينبغي الاحتفاء به والحفاظ عليه.

ثم لو قدر أن يكون هناك أشخاص أو جماعة من المشاركين في التحالف غير مقتنعين ببعض تلك المبادئ؛ فعلينا أن نسعى لإقناعهم بالحجة والبراهين لا برفضهم وطردهم من التحالف حتى لا تتلقفهم الحكومة العميلة وتوظفهم ضدنا.

وكلنا يعلم أن في الزكاة قسمًا للمؤلفة قلوبهم، وهم في الأصل قوم دخلوا في الإسلام، وعندهم تردد من قبول الإسلام أومن بعض مبادئه، فيعطون من الزكاة لتطمئن قلوبهم بالإسلام، إذن فما المانع من المحاكم الإسلامية في مثل هؤلاء أن تحببهم إلى الإسلام ومبادئه بالعطايا والإقناع مع الاحترام والتقدير لهم دون التسرع في الحكم عليهم بالكفر وإخراجهم من الملة.

ص 1244

[التسرع في الحكم بالكفر دون تثبت وإثبات يحصل به الظن الغالب المعمول به شرعا، أو اليقين.. مذمومٌ؛ نعم، إنما نريد الحكم الشرعيّ فيهم على ثبتٍ وبدون عجلة مذمومة، هاتوا بيّنوا لنا.. و«المؤلفة قلوبهم» قسمان كما ذكره العلماء: قسم دخلوا في الإسلام ولما يثبوا فيه ويرسخوا ويُخشى من افتتانهم ورجوعهم إلى الكفر، وقسم كفارٌ غيرُ مسلمين لم يدخلوا في الإسلام يُراد الإتيان بهم إلى الإسلام وتحبيبهم إليه بالعطايا، فمن أي القسمين هؤلاء الناس الذي تحالفت معهم المحاكم؟ بيّنوا لنا، لأن صاحب هذه الفتوى لم يحرر هذا الموضع، لكن ظاهر كلامه أنهم مسلمون عنده، لكن مع ذلك في كلامه بعض الخلطِ، فهو تكلم على الاستعانة بالكفار والتحالف معهم، ثم يظهر من باقي كلامه أنه يراهم مسلمين ليسوا كفارًا..!! ووصفهم في موضع بأنهم أقوامٌ يقرون بالإسلام، فما معنى إقرارهم بالإسلام؟

ومعلومٌ أنهم ينتسبون إلى الإسلام والملة ويدّعون الإسلام، لكن البحث في حكمهم عندنا نحن في ظاهر الشرع، هل هم مسلمون أو كفارٌ؟ لا مجرد دعواهم وانتسابهم.!

ولعله قصد شيئا لم يتضح لي الآن، ولهذا قلتُ: إن أول شيء ينظر فيه: هل هم مسلمون أو كفارٌ].

ملحوظة: إن كثيرا من السياسيين الصوماليين ليس عندهم مبادئ -علمانية، أو ديمقراطية أو اشتراكية- يؤمنون بها ويحبذون الموت عليها، وإنما هي مصالح شخصية يبحث عنها الفرد منهم أنَّى وجدها أخذها، ولهذا تجده اليوم هنا، وغدا هناك، وبعد غد هنالك، يسير مع مصلحته حيثما سارت؛ فهو أسير لها، فمثل هؤلاء يحتاجون إلى العناية بهم وتبصيرهم بأمور دينهم وتذكيرهم بأن المبدأ هو الذي ينبغي أن يضحى من أجله.

[هذا نوع من الخلط ولبس الحق بالباطل، وحاشَ الكاتبَ الذمَّ إن كان لا يستحق، فأنا لا أعرفه، لكن الكلام هنا على الفكرة في حد ذاتها، فهناك فرق بين معرفة الشخص الذي نتعامل معه كافرٌ هو أو مسلم، حتى نعطيه حقه الذي أمره الله به، وبين مسألة تألّف الناس وعدم تنفيرهم ودعوتهم بالتي هي أحسن أو بالعنف بحسب ما يناسب، وبحسب ما يعطيه الفقه والحكمة، ولهذا فأكرر مرة أخرى: النظر أوَّلًا في أولئك القوم.. هل هم كفارٌ أو مسلمون؟].

خامسا: إن العدو الذي نقاتله في الصومال ليس الحكومة العميلة وحدها برئاسة «عبد الله يوسف» و«علي محمد كيدي»، وإنما نقاتل حكومة إثيوبيا ذات الإمكانات العسكرية الهائلة من عدد وعتاد وتموين، وليست أيضا وحدها، وإنما معها أمريكا في مشروعها الاحتلالي للصومال بحيث توفر لها الدعم بكل ما تحتاج إليه بل وتشارك معها في الحرب إن لزم الأمر، وجميع الدول الغربية منطوية تحتها تبارك احتلال الصومال.

وليس يعقل -والحال ما ذكرته- أن جماعة أو مجموعة واحدة تقدر أن تواجه عدوا بهذا الحجم بمفردها.

[هذا غير مسلّم، بل هو منقوض بجهاد المجاهدين في أفغانستان والعراق وغيرها، ولو أنتم اخترتم طريق الجهاد التي أمركم الله بها وجعلها حظكم ونصيبكم وفرضكم وابتلاكم بها، فقلتم سمعنا وأطعنا ولبيك ربنا، وتقدمتم للجهاد في سبيل الله وبذل النفوس والأموال فيه، لفتح الله عليكم، والحربُ سجال، ولكان لكم في إخوتكم المسلمين المهاجرين إليكم الناصرين لكم خيرٌ معين بعون الله تعالى، أفتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟!].

والنظرة الشرعية والعقل السليم يقتضيان أهمية توعية الجماهير وحثها على الجهاد في مقاومة المحتلين، ولن يتسنى ذلك إلا بالتنسيق مع جميع الأطراف التي تؤمن بعدالة قضية الشعب الصومالي في تحرير أراضيه، وهذا يتطلب وضع آلية في تسيير الأمور وإدارتها من خلال لوائح ونظم تضبط العمل وتوفر الجهد، وتمنع الفوضى وفوق ذلك تشعر الناس أن تحرير البلد مسؤولية الجميع من خلال إشراكهم في الرأي والمشورة فيما لهم وما عليهم في هذا الموضوع.

[دعك من تحرير البلد وكونه مسؤولية الجميع أو البعض، لكن ما مسؤوليتك أنت أيها المسلم وقد نزل العدو الكافر بالعقرِ؟ هذا هو بيت القصيد، فإذا أقررتم بوجوب الجهاد، وتوكلتم على الله وقمتم بالجهاد فعلا، فعندها نناقش: بمن نستعين، ومع من نتحالف إذا احتجنا إلى التحالف، وكيف نتعامل مع الآخرين (حتى من العلمانيين والزنادقة) ممن يشاركوننا في إرادة تحرير البلد.. إلخ].

سادسا: إن هذه الحكومة العميلة التي هي السبب في احتلال البلاد تسعى حثيثا في اشتراء ذمم الناس بالدولارات لتضمهم إلى صفها، وتجعلهم في مواجهة المحاكم الإسلامية تبذل كل غال ورخيص من أجل تحقيق ذلك، فالواجب علينا ونحن أصحاب الحق أن لا نترك الناس لهم بل علينا أن نضمهم إلى صفنا ونقنعهم بعدالة قضيتنا ليكونوا عونا لنا عليهم، كل بما يقدر عليه من كلمة ورأي ومشورة.

سابعا: إن السعي إلى تكثير سواد المسلمين في وقت مواجهة الأعداء مطلب شرعي لما له من أثر في نفوس المجاهدين من رفع معنوياتهم باستئناسهم بوجودهم وإن لم يقاتلوا وفيه أيضا تخويف للأعداء بكثرة المسلمين.

وعلى كل حال فالكثرة لها دور مهم في ميدان القتال؛ ألا تلاحظ أن الله أوجب على المؤمن أن يثبت لاثنين من الكفار، وأن لا يفر منهما لكن إذا زاد العدد على الضعف بأن يكون المؤمن في مواجهة ثلاثة فأكثر، فله أن يفر، وينسحب، وله أن يثبت حتى ينتصر أو يستشهد، وفي ذلك يقول تعالى: ﴿ٱلۡـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمۡ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمۡ ضَعۡفٗاۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ صَابِرَةٞ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمۡ أَلۡفٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفَيۡنِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٦٦﴾ [الأنفال].

إشكال وجواب عنه:

قد يقول قائل: إن هؤلاء الذين تتحالف معهم «المحاكم الإسلامية» قد يخذلوننا ويتركوننا ويتحولون إلى أعدائنا في وقت نحن بأمس الحاجة إليهم؛ فيُحدث ذلك خللا في داخل صفنا.

ص 1245

الجواب: هذا الاحتمال وارد، إذ لا يعلم الغيب إلا الله، ونحن لسنا مكلفين بعلم ما غاب عنا، وما منا أحد إلا وهو معرض لسوء الخاتمة نسأل الله تعالى السلامة، ولهذا كان النبي ﷺ يكثر من قوله في دعائه: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)١٬٠١٧سنن الترمذي (2140، 3522) وصححه الألباني. وما علينا إلا أن نفعل ما نقدر عليه من السعي لهذه القضية ودعوة الناس إليها، ولو قدر شخص أو طرف خرج من التحالف، فإن ذلك لا يضير «المحاكم الإسلامية» لأنها وإن كانت تصير جزءا من التحالف لكن يكون لها جهازها الخاص بها، فلا تتأثر بخروج أحد أو دخوله، ولو بقيت وحدها في الساحة فإنها تواصل رسالتها بإذن الله تعالى.

وكم من أناس دخلوا في الإسلام في وقت النبي ﷺ، وجاهدوا معه ثم ارتدوا على أعقابهم، وكم من أناس كانوا في الحركات الإسلامية، ثم انحرفوا كلية فصاروا علمانيين أو صوفيين خرافيين ينشرون الباطل ويدعون إليه، فهل توقفت مسيرة الإسلام بسبب هؤلاء.

وقبل أيام كانت «المحاكم» تخوض حربا مع القوات الإثيوبية في العاصمة فرأى مسؤولو المحاكم الموجودون في العاصمة أن يوظفوا شيوخ قبائل هوية من أجل توسيع دائرة الحرب مع الأعداء، لصالح القضية ليتكلموا بلسانهم كواجهة سياسية حتى لا تكون المحاكم الإسلامية وحدها في الساحة، ولا تكون مستهدفة ومنفصلة عن الشعب، وكانت هذه طريقة موفقة في نظر كثير من المراقبين، وتحقق على أيديهم مكاسب كثيرة.

ولم يمنع ذلك أن ينقلب بعض الشيوخ على المشروع، ويدخل في صف الحكومة كما فعل عبد إيمان وعبد الله شيخ حسن، وقد يكون غيرهم في الطريق، نسأل الله العصمة.

ولم يكن ذلك دليلا على خطأ مسؤولي المحاكم لأنهم بنوا الأمور على ما ظهر لهم من الصلاح وحسن النية في هؤلاء الشيوخ، فإذا ظهر من بعضهم عكس ذلك فليس عليهم من جناح لأنهم لا يعلمون ما في الصدور، ولا زالت الأكثرية حتى الآن ماضية في الطريق الصحيح، ولله الحمد.

هذا ما ظهر لي في هذه المسألة؛ فما كان فيها من صواب فمن الله وتوفيقه، وله على ذلك الحمد والمنة، وإن كان فيها خطأ فمني ومن الشيطان، والله أستغفر، وإليه أتوب.

كتب هذه الفتوى وحررها:

الشيخ/ عمر إيمان أبو بكر

النائب الأول لمجلس الشورى ورئيس لجنة المحاكم الإسلامية للتحضير في المؤتمر

•••

ص 1246

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: تعليقٌ على بيان.. في مسألة التحالف مع العلمانيين المعارضين للاحتلال في الصومال

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا