بعض الإفادات في مسألة مهادنة المرتدين ومفاداتهم

وبعد.. فهذه بعض الإفادات حول مسألة الهدنة مع المرتدين ومبادلتهم بالمال والرجال... فإني كنت حررت سؤالًا وجهته لبعض المشايخ، وهذا نصه:

مسألة الهدنة مع المرتدين وما في معناها من مبادلة أسراهم ومفاداتهم بالمال ونحوه..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ حفظ الله مشايخنا وعلماء المسلمين أهل التقى والفهم عن رب العالمين، وبعد: فقد وقع كثيرًا بين الإخوة المجاهدين في أقطار من الأرض النزاعُ في مسألة الهدنة مع المرتدين هل هي جائزة كما هي مع الكفار الأصليين أو لا، وكذلك مسألة مبادلة أسراهم بأسرانا، أو مفاداتهم بالمال، لأنها كلها بابٌ واحدٌ والله أعلم.

ولمَّا يحصل الثلج بتحرير المسألة وتحقيق الحق فيها، حتى يكون المجاهدون على بيّنة وبصيرة فيها.

وقد احتج بعض المشايخ وطلبة العلم المانعون لها بأنَّ في المسألة إجماعًا حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية حين تكلم عن الفرق بين الكفار المرتدين وبين الكفار الأصليين، وقرر كما هو معلوم عند جميع العلماء أن المرتدين أغلظ كفرًا وأشد من الكفار الأصليين، فكان من جملة ما قال: «وهؤلاء أعظم جرمًا عند الله وعند رسوله والمؤمنين من الكافر الأصلي من وجوه كثيرة: فإن هؤلاء يجب قتلهم حتمًا ما لم يرجعوا إلى ما خرجوا عنه، ولا يجوز أن يُعقد لهم ذمة، ولا هدنة، ولا أمان، ولا يُطلق أسيرهم، ولا يُفادى بمالٍ، ولا رجالٍ، ولا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم، ولا يسترقون مع بقائهم على الردة بالاتفاق» ١٬٤٠٩مجموع الفتاوى: (28/413). [المؤلف] انتهى كلامه رحمه الله.

واحتجوا بعموم حديث: (من بدل دينه فاقتلوه)١٬٤١٠صحيح البخاري (3017، 6922).، واحتجوا بأشياء أخرى...

ص 2351

وأجاب بعض من أجازها مَن المشايخ وطلبة العلم بإن هذا الاتفاق الذي حكاه شيخ الإسلام -إذا سُلِّم-؛ فإنما محلُّه المرتدون الذين يخرجون على دولة الإسلام المتمكنة، كما لو ارتدت طوائف أو قبائل أو أهل إقليم من بلاد الإسلام؛ فهؤلاء الذين لا يجوز للإمام أن يقبل منهم إلا أحد شيئين: إما الرجوع إلى الإسلام أو السيف، لا غير..

ولا يحل له أن يعقد لهم صلحًا ولا ذمة ولا أن يعطيهم أمانًا.. فلو طلبوا منه أن يقرّهم على كفرهم الطارئ ويقبل منهم الجزية -يكونوا أهل ذمة- لم يحلّ له قبول ذلك منهم.

ولو طلبوا كذلك أن يعقد لهم عهد موادعة «صلح، هدنة» ويكونون في أرضهم وبينهم وبين المسلمين الموادعة، لم يحل له «الإمام المسلمين» أيضًا أن يقبل منهم.

وبالجملة؛ فهؤلاء لا يقبل منهم إلا: الرجوع إلى الإسلام، فإن لم يرجعوا فالقتل.

قالوا: وأما الآن في أوضاعنا الحالية فإن الحال مختلفٌ، فإن المسلمين أي جماعاتهم وطلائعهم المجاهدة، هم الأقلون والطرف الأضعف، وإنما يحاربون في الغالب على شكل ما يُعرف بحرب العصابات، وهي حربٌ المستضعفين، وحرب الطرف الضعيف الصغير للطرف القوي الكبير، وهي نظام حربيّ وفنّ مختلف كثيرًا جدًا عن الحروب العادية، ومكامن القوة وعوامل ومقوّمات الغلَبَة فيها مختلفة جدًا عنها في الحروب النظامية العادية.

قالوا: فالمرتدون الآن دولٌ متمكِّنة ثابتة راسخة، وحاجة المجاهدين في كثير من الأحيان إلى مهادنة أطراف منهم وتحييدهم أكيدة شديدة، والمصلحة في مبادلة أسراهم أحيانًا كبيرة جدًا ظاهرة لا خفاء بها ألبتة، والهدنةُ باب من أبواب الجهاد الحاجة إليه كبيرة في الجملة.

قالوا: وهؤلاء المرتدون الآن -من أجل ما ذكرنا وغيره- أشبه بالكفار الأصليين.. ومعلومٌ أن كل حكم عُلِّق بوصف الكفر؛ فإنه يستوي فيه الكافر الأصليُّ والكافر الطارئ وهو المرتدُّ، إلا حيث اقتضى الدليل التفريق.

قالوا: والدليل المفرِّق -الناقل عن الأصل- عند من يقول به؛ هنا هو مجموع أشياء، أهمها:

ص 2352

- حديث (من بدل دينه فاقتلوه)، قالوا وهذا يُحتمل أن يقال: إنما هو في المقدور عليه، وهو في القتل لا في القتال؛ أما نحن ففي حال حربٍ، والحربُ بحاجة إلى توسعةٍ في المهادنة والمبادلة وأنواع المعاملة!

أو يقال: المراد: (من بدّل دينه فاقتلوه)؛ أي حيث لا مانع.. وقد وُجد المانع، وهو الضرر الكبير أحيانًا بتفويت مصالح كبيرة جدًا يعرفها أهل الحرب والسياسة ولا يختلفون فيها!

- إجماع الصحابة على وجوب قتال المرتدين؛ قالوا: وهذا إنما هو -كما تقدم- في حال القدرة على قتالهم وإرجاعهم إلى حوزة الدين أو معاقبتهم بالقتل، وهذا غير ممكن الآن في أحوالنا، ومختلف عن صورة وضعنا بلا شك! فإننا نقاتل عدوًا معيّنا نقدر على قتاله والحرب بيننا وبينه سجال، لكننا نحتاج إلى أن نحيِّدَ جيرانه من الدول القريبة والأنظمة المرتدة الأخرى، ولا يمكن في حكم العادة نصب القتال للجميع، هذا فيما يتعلق بالهدنة، وأما فيما يتعلق بمبادلة الأسرى فإن المصلحة فيها في بعض الأحيان كبيرة جدًا للإسلام والمسلمين، كما لو أمسك الإخوة بعض المرتدين ولو واحدًا أحيانًا من مسؤوليهم الكبار، وعرضت الدولة مبادلته بعشرات أو مئات، بل ربما آلاف أحيانًا من إخواننا الأسرى المسجونين المعذبين عندهم.

فإن المصلحة للدين -للإسلام ولأهل الإسلام- هنا كبيرة جدًا.

مثال: الإخوة المجاهدين في الجزائر في سنوات أربعة وتسعين وما حولها كانوا في أوج قوَّتهم هو تمكُّنهم حتى كادت الدولة تنهار في أي وقت، ما قبل أن تنكسر الحركة الجهادية من ذاتها ويحصل في الجماعة الإسلامية المسلحة هناك الانحراف، بسبب انقلاب بعض الفاسدين على الإمارة فيها.. وأسباب أخرى، ولله الأمر من قبل ومن بعد...!

كانوا في ذلك الأوان نُصِحوا من قبل بعض الناصحين أن يعقدوا مع نظامي تونس -بن علي- وليبيا -القذافي- معاهدات «حسن جوار» وهي صورة من صور الصلح والعهد كما هو معلومٌ، وقد كان ذلك متاحًا؛ بل إن نظام تونس قد ألمح للمجاهدين إلى ذلك وأرسل مبعوثًا يبحث في إمكان ذلك.. ولكن المجاهدين رفضوا بحجة أن الهدنة مع المرتدين غير جائزة، واحتجوا بالاتفاق المذكور الذي نقله شيخ الإسلام!!

ص 2353

واحتج المجيزون أيضًا ببعض ما ورد في معاملة أبي بكر الصديق h للمرتدين؛ حين أعطى خالدٌ h أمانًا لوفد بزاخة على أن ينزلوا إليه، ولنفر من المرتدين، وأقرَّه أبو بكر أو نحو ذلك، أو أنكر عليه فعله، لكنه لم ينقضه -يُحرَّر-.

وقال المجيزون أيضًا: قصارى ما في المسألة ترك قتل من وجب قتله، من أجل مصلحة الإسلام والمسلمين الكبيرة الظاهرة، ودرأً لمفسدة كبيرة ظاهرة أيضًا.. فقد تعارض في مسألة المبادلة مصلحة ومفسدة، فالمصلحة تخليص المسلم وهو واجبٌ، والمفسدة ترك قتل بعض المرتدين، وإن شئت فقل تعارض فيها واجبان: واجبُ تخليص المسلم، وواجب قتل المرتد... والله أعلم.

فهذا تقرير موجز للرأيين عند المجاهدين، أرجو أن يكون واضحًا وافيًا بالمقصود.. وجماعات المجاهدين منهم من يعمل بهذا ومنهم من يعمل بهذا.

فالمرجو من مشايخنا الكرام أعزَّ الله بهم الإسلام ونصر بهم الدين، أن يحرروا لنا هذه المسألة، ويفتونا فيها مأجورين بإذن الملك الرب الرحمن الرحيم المنّان الوهاب الكريم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. انتهى نص السؤال.

وقد تلقيت إجابات من اثنين من العلماء من الجزيرة أحدهما من كبار العلماء -وسأذكر لك اسمه في فرصة أخرى إن شاء الله- والثاني من الطبقة الوسطى الثانية من العلماء، وعرضت عليهم أيضًا جواب أبي يحيى:

فأما العالم الكبير فقال ما معناه: «مسألة المهادنة: المرتدون فيها كالكفار الأصليين، وأما مسألة المفاداة، والمبادلة؛ فهذه مسألة تحتاج إلى نظر».

قال الناقل: «وأعجب الشيخ جواب أبي يحيى؛ أعجبه استدلاله على المسألة، وقال: المسألة في المفاداة تحتاج نظر، وقال: أمهلني فترة» اهـ.

قلتُ: وأنا في انتظار جواب مفصل منه وتحرير أكثر للمسألة، وطبعًا كما تعرف الاتصال بهؤلاء المشايخ ليس من السهولة بمكان، والناس خائفة ومضطهدة، والله المستعان.. وإنما أتصل بهم بواسطة بعض الإخوة من أصحابنا القدامى جزاهم الله خيرًا، وعلى حذر شديد.

وأما الشيخ الآخر فقال: «يجوز مبادلتهم بأسرى المسلمين، واحتج بعدم قتل النبي ﷺلمن علم حالهم من المنافقين الذين أطلعه الله عليهم، وأطلع هو عليهم بعض الصحابة كحذيفة، والذين تبيَّن في بعض المناسبات نفاقهم الأكبر، فترك قتل من استحق القتل أو وجب عليه لمصلحة كبيرة للإسلام هذا مقرر.. قال: والمصلحة في تخليص أسرى المسلمين كبيرة جدًا، فنرجحها على قتل أسراهم.. والله أعلم» اهـ.

قلتُ: وأنا الآن أنتظر الجواب من مشايخ آخرين.. لكي يحصل التحرير الجيد لهذه المسألة، ويرينا الله فيها الصواب بمنه وكرمه.

وذكرت لك من قبل أني سألت بعض كبار العلماء في الجزيرة عن مهادنة المرتدين فقال لا ينبغي للمجاهدين أن يختلفوا في هذه المسألة.. الهدنة جائزة مع المرتدين.. هكذا كان جوابه ليْ باختصار.

وأنت كما ترى: العلماء قليل منهم من حرَّر هذه المسألة تحريرًا شافيًا؛ بحيث يحصل فيها الثَّلَج، ولذلك عندما يُسألون فكثير منهم يجيب بجواب مختصر جدًا.

وذكرت لك أن الشيخ علي بلحاج -فرج الله كربه- يرى جواز عقد الهدنة مع المرتدين متى ما احتاج المسلمون المجاهدون إليها، ورأوا فيها مصلحة الإسلام والمسلمين؛ كما هي مع الكفار الأصليين، وقد كتب الشيخ علي -حفظه الله- رأيه هذا في مذكرةٍ كتبها في السجن في أوائل التسعينات، وقد قرأتها أنا في الجزائر.. فهذا بعض ما أمكنني جمعه لك الآن، ولو توفر لدي شيء آخر من تحريرات أهل العلم أو الفتاوى والبحوث أنقله لك إن شاء الله... والله المسؤول أن يهدينا ويسددنا ويأخذ بأيدينا لما فيه الخير والصلاح.. آمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ملاحظة: بعد كتابة ما تقدم أرسلنا السؤال أيضًا للشيخ عبد الله السعد -المحدث- حفظه الله وسدده؛ فأجاب مختصرًا: بأن المفاداة بأسارى المسلمين جائزة، ولكن بالمال: لا.. وعلل بأن تحرير أسارى المسلمين واجب، بخلاف أخذ المال... والله أعلم. كذا قال.

ثم جاءني جواب آخر مختصر من الشيخ الكبير الذي تقدمت الإشارة إليه -الذي قلت لك: سأذكر لك اسمه في فرصة أخرى -قلت «عطية»: وهو الشيخ عبد الرحمن البراك، حفظه الله وثبته وبارك فيه-، والذي كان قد قال: امهلوني حتى أنظر أكثر في مسألة المبادلة بالمال، والجواب المختصر هو: «يجوز مبادلتهم بالرجال وبالمال.. يجوز».

ص 2354

كذا نقل لي صاحبي تلميذه الوسيط.

قال: ورفض الشيخ أن يكتب شيئًا.

لأني كنت ألححتُ على الأخ صاحبي أن يستخلص من الشيخ شيئًا مكتوبًا، فحاول معه لكنه أبي أن يكتب.

فهذا ما تحصل لدي إلى الآن من إجابات بعض الشيوخ والله الموفق.

كتبتها للفائدة ولمزيد التحرير والتنوير، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد.

والسلام عليكم ورحمة الله

محبكم «عطية»

2006 م [1427 هـ]

•••

ص 2355

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: بعض الإفادات في مسألة مهادنة المرتدين ومفاداتهم

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا