الجواب وبالله التوفيق:
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على عبده ورسوله المصطفى، وآله وصحبه ومن لنهجهم قفا..
أما بعد:
فاعلموا إخواني أن الهداية والتوفيق إلى الإيمان والسداد والتقوى والعمل الصالح مِلكٌ محض لله ﷻ؛ يهبه سبحانه لمن يشاء بمنّه وكرمه وفضله، ويحرمه مَن يشاء، كما قال تبارك وتعالى لنبيه محمد ﷺ وهو أكرم الخلق عليه وأحبهم عنده: ﴿إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ٥٦﴾ [القصص]، وقال: ﴿فَمَن يَهۡدِي مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ﴾ [الروم: ٢٩] قال: ﴿إِن تَحۡرِصۡ عَلَىٰ هُدَىٰهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَن يُضِلُّۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٣٧﴾ [النحل: ٣٧] ﴿يُهۡدَىٰۖ﴾ بالبناء للمفعول في قراءة نافعٍ وغيره، وقال: ﴿ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٍ ٢٣﴾ [الزمر: ٢٣]، ﴿وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٦ وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّضِلٍّۗ﴾ [الزمر: ٣٦ – ٣٧] ﴿وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَأٓمَنَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ كُلُّهُمۡ جَمِيعًاۚ أَفَأَنتَ تُكۡرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ ٩٩ وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تُؤۡمِنَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَجۡعَلُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ ١٠٠﴾ [يونس: ٩٩ – ١٠٠] ﴿وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ١٣﴾ [السجدة].. وهذا كثيرٌ في القرآن.
فهذا من أول ما ينبغي اعتقاده والاعتراف به لله ﷻ واطمئنانُ القلبِ به، فإذا حصل من العبدِ ذلك اقتضى منه أن يتوجه إلى مولاه ويلجأ إليه طالبًا الهداية ملحًّا في طلبها بحرص شديدٍ وطرق دائمٍ للبابِ، خائفًا وجِلًا متواضعًا مستشعرًا عجزه وفقره وضعفه وجهله وظلمه وحيف نفسه، مستحضرًا قول الله تعالى في الحديث القدسي: (يا عبادي كلُّكم ضالٌّ إلا مَن هديتُهُ، فاستهدوني أهدِكم)٦٩٦صحيح مسلم (6737).، ولسان حاله قبل مقاله: اللهم إن لم تهدني فمن يهديني، اللهم إن لم تتداركني برحمتك وتشملني بفضلك وترزقني الهداية ضللتُ وهلكتُ.
ثم ليعلم العبدُ المؤمن الذي هداه الله إلى أوائل مقامات الهداية، أن الهداية درجاتٌ ومقامات تسمو، كما قال الله ﷻ: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ زَادَهُمۡ هُدٗى وَءَاتَىٰهُمۡ تَقۡوَىٰهُمۡ ١٧﴾ [محمد] ﴿وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ هُدٗىۗ﴾ [مريم: ٧٦]، ولهذا أوجب الله ﷻ علينا أن نسأله الهداية كل يومٍ عددًا من المراتِ، وذلك هو الدعاءُ الواجبُ على كل مسلمٍ وذلك حين أوجب الله علينا قراءة الفاتحة في صلواتنا وفيها هذه الآية: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ٦﴾ [الفاتحة] وهي لبُّ فاتحة الكتاب، إذ ما قبلها مقدمة وتوطئة لها بحمد الله والثناء عليه وتمجيده ثم التوسل إليه، وما بعدها تكميل للدعاء بإظهار معنى الصـراط المستقيم وإدماج التحدث بنعمة الله تعالى على عباده المصطفين الأخيار الذين هداهم الله ومنّ عليهم وأنجحهم.
وإن لتحصيل الهداية وتكميلها أسبابًا؛ فمن أهمّ أسبابها -بعد توفيق الله وما ذكرتُهُ من اللجوء إليه ودعائه سبحانه- هو أن يطلب العبدُ العلمَ النافع ويتفقه في الدين، على طريق صحيحٍ وقصدٍ مليح، ويحرص على الخيرِ ويطلب الفضل (يطلب أن يكون أفضلَ دائمًا)، وأن يحسن الظن بالله الجليل ويعتقد أن الله تعالى سهّل الأمرَ ويسـّره لنا كما قال ﷻ: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ﴿وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ٤٠﴾ [القمر] ودل اعتبارُ مجموع فروع دينه وشريعته سبحانه على أنها يسرٌ وسهلةٌ لا تعقيد فيها ولا تعنيتَ، ولا تشديد ولا تنطُّع، كما قال ﷻ: ﴿وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعۡنَتَكُمۡۚ﴾ [البقرة: ٢٢٠] أي لأوقعكم في العنتِ، وهو المشقة والضيق، أي ولكنه لم يفعل ﷻ رحمة بكم، بل يسّـر عليكم وسهّلَ ووسّع. وكما قال النبي ﷺ (هلَكَ المتنطِّعون) قالها ثلاثًا رواه مسلم وغيره٦٩٧صحيح مسلم (2670)، مسند أحمد (3655)، سنن أبي داود (4680).، وهم المتعمقون المبالغون المجاوزون للحدود في الأقوال والأفعال المتكلِّفون البحثَ عن دقائق المسائل على طريقة أهل الكلام، فليوقن العبدُ أن الدين والعقيدة بحمد الله سهلة ميسورة، لا كما أرادها وصوّرها أصحابُ علم الكلامِ والفلسفات الفاسدة الحائدين عن سنن الشرع قديمًا وحديثًا.!
فما يجب علينا معرفته واعتقاده في حق الله سبحانه وتعالى وتقدست أسماؤه، وفي حق ملائكته، وفي حق رسله، وفي حق كتبه ودينه وشرائعه، وفي حق سائر المغيبات الماضية والحاضرة والآجلة الأخروية)، وفي حق سائر الخلق وأطوارهم، من مطيعين وعاصين، وفيما يتعلق بقضائه وقدَرِه سبحانه؛ فكله قد بيّنه الكتاب والسنة على الإجمال وعلى التفصيل.
فمن حصَّل الإجمالَ وحَصَل منه التسليمُ فهو بحمد الله ناجٍ مفلحٌ.
ومَنْ منَّ الله عليه بالتفاصيل فهو أزكى، ومعرفة المكلفين بالتفاصيل بحسب ما يفتح الله عليهم من العلم والمعرفة والانقياد والتوفيق.
ثم ما هو حد تفاصيل الاعتقادات -فروع ومسائل العقيدة- التي يجب على العبدِ طلبُ معرفتها والسعي إلى أن يعلمها، هذا مجالٌ يدقّ فيه المسلك ويصعب ضبطه بعبارة يسيرة محكمة، فالله أعلم.
إلا أننا يمكن أن نذكر خطوطًا عريضة تعين على فهم المطلوب هنا فنقول:
معلومٌ أن العلمَ النافع بإطلاقٍ منه ما يجب تعلّمُه على كل أحدٍ فهو فرضُ عينٍ، ومنه ما هو فرضُ كفاية، وقد فصّل العلماءُ رحمهم الله ذلك، وضابطُ ما يجب على المرءِ تعلّمُه: أن يكون مما لا يصح الإسلامُ والإيمانُ إلا به، وما يتوقّف عليه تأدية الواجبات وتصحيحُ ما يعمَلُه من الأعمال، وفي الجملة قد أمر الشـرعُ بالتفقّه في الدين وحثّ عليه ورغّبَ فيه، ومن أهمه وأعلاه رتبة علم العقيدة والإيمان والتوحيد.. والنفوس الكاملة متطلعة إلى العِلم أشدّ تطلع ولا سيما علمُ العقيدة، قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: «من في قلبه أدنى حياة وطلب للعلم أو نهمة في العبادة يكون البحثُ عن هذا الباب والسؤال عنه ومعرفة الحق فيه أكبرَ مقاصده وأعظم مطالبه، أعني بيان ما ينبغي اعتقاده لا معرفة كيفية الرب وصفاته، وليست النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر»٦٩٨مجموع الفتاوى (5/ 8). اهـ.
لا ريبَ أن هنالك مسائل من العقائد يجب على كل مسلمٍ العلمُ بها، ويجب على الجاهِلِ تعلّمُها وبها يحصُلُ الإيمانُ الجمليّ وتحصُل النجاةُ من النفاق، كما أشرتُ، كما ألّف الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله كتاب الأصول الثلاثة وقال فيه: «اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة، تعلم هذه الثلاث مسائل، والعمل بهن..» اهـ ثم ذكرها، وقال: «فإذا قيل لك: ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها؟ فقل: معرفة العبد ربه، ودينه، ونبيه محمدًا ﷺ» اهـ٦٩٩الأصول الثلاثة -مطبوعا ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب- (1/ 186 - 187).. والمقصود: المعرفة الإجمالية، وقد قال الله تعالى: ﴿فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مُتَقَلَّبَكُمۡ وَمَثۡوَىٰكُمۡ ١٩﴾ [محمد]، وقال ﷻ: ﴿وَٱلۡعَصۡرِ ١ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ ٢ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ ٣﴾ [العصر].
إن تعلّم المرء لجميعِ ما يقوّي إيمانه ويزيدُهُ ويصححه ويجعله في مأمنٍ من الوقوع في الآفات والأخطاء والانحرافات والضلالات في جانب توحيد الباري ﷻ وتعظيمه وتقديسه.. مطلوبٌ في الجملة ودائرٌ بين الاستحباب والوجوب.
فالمسلم إذن يدرس «علم» التوحيد والعقيدة والإيمان لمقاصِدَ: لتصحيح عقيدته التي بها تصح الأعمالُ ويصح الإيمان ويزيد، وليحقق التوحيد بمعنى الإتيان بكل كمالاته الواجبة والمستحبة، وليأمَنَ من الوقوع في الضلالات أو الشرك والكفرِ والعياذ بالله.. ولذلك نصّ كثيرٌ من العلماء على أن علوم «التوحيد» و«العقيدة» و«مسائل الإيمان»، أي من حيثُ هي فنونٌ علمية، من أشرف العلوم وأعلاها رُتبةً، وهذا صحيحٌ ظاهرٌ؛ فتعلّم مسائل وفروع علم العقيدة والتوحيد إذن منه ما هو واجبٌ ومنه ما هو مستحبٌّ.
لا ريبَ أنه لا يجوز اعتقادُ الباطلِ، وأنه يجب إزالةُ المنكرِ بحسب الإمكان، وأن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والبيئات، فمن تلطخ بالشّبهات غيرُ من كان في العافية، ومن تهيّأ للمراتب العالية وتصدّر للعلم والتعليم والدعوة والقيادة ونحوها غير من ليس كذلك من العوامّ.
ونسأل الله تعالى أن يلهمنا وسائر إخواننا الهُدى والسداد، وأن يجنبنا مضلات الفتن.
فائدة: قال الشيخ الإمام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله في جواب من سأله أن يرشده إلى ما ينفعه من الكتب: «وقد أوعبت الأمةُ في كل فن من فنون العلم إيعابا؛ فمن نور الله قلبه هداه بما يبلغه من ذلك، ومن أعماه لم تزده كثرةُ الكتب إلا حيرةً وضلالا، كما قال النبي ﷺ للبيد الأنصاري: (أو ليست التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى، فماذا تغني عنهم؟)٧٠٠سنن الترمذي (2653) وصححه الألباني. فنسأل الله العظيم أن يرزقنا الهدى والسداد ويلهمنا رشدنا ويقينا شر أنفسنا وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا ويهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب»٧٠١مجموع الفتاوى (10/ 665). اهـ.
وبعد هذه المقدمة التي أرجو أن تكون معينة على الحق.. أدرج إلى الجواب على السؤال؛ فأقول وبالله أستعين:
الإخوة المجتمعون في «جماعة قاعدة الجهاد» اجتمعوا بحمد الله تعالى على دين الإسلام وعقيدته ومنهجه، وهي الإيمانُ بما جاء به محمدٌ ﷺ، واتِّباعُهُ محبةً وإجلالًا وتعظيمًا، والانقيادُ لحُكمه والكون معه ومِن أوليائه؛ وهي الإسلام والإيمان، وقد بني الإسلام على خمس؛ شهادةِ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت مَنِ استطاع إليه سبيلا، والإيمان هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
وأما في التفاصيل التي يسأل عنها الناسُ، وأظن السائل يقصدها، إذ قد وقع في أمة الإسلامِ الاختلافُ والتنازُع والتفرق في الدين كما حصل في الأمم قبلهم، مصداقَ ما أخبر الصادقُ المصدوق ﷺ في حديث افتراق الأمة وهو حديث صحيحٌ ثابتٌ وله طرق وألفاظ في السنن، ومنها قوله: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة وسبعون في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار، قيل يا رسول الله من هم؟ قال الجماعة) رواه ابن ماجه وغيره وصححه الألباني٧٠٢سنن ابن ماجه (3992) وصححه الألباني..
فإننا بحمد الله نرجو ونسعى ونجتهد أن نكون من الفرقة الناجية، التي جاء وصفها في الحديث المتقدم بأنها هي الجماعةُ، والمقصود بها الجماعة الأولى والجماعة قبل أن تفسد؛ كما قال بعض علماء الصحابة وهو ابن مسعود h للتابعيّ المخضـرم عمرو بن ميمون رحمه الله: «يا عمرو بن ميمون قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية؛ تدري ما الجماعة؟ قلت لا، قال: إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، وإن الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك». وفي رواية: فقال ابن مسعود -وضرب على فخذي-: «ويحك إن جمهور الناس فارقوا الجماعة وإن الجماعة ما وافق طاعة الله تعالى». قال نعيم بن حماد: «يعني: إذا فسدت الجماعةُ فعليك بما كانت عليه الجماعةُ قبل أن تفسد وإن كنت وحدك فإنك أنت الجماعة حينئذ». ذكره أبو شامه في «الباعث على إنكار البدع والحوادث»، وقال: أخرجه الحافظ أبو بكر البيهقي رحمه الله تعالى في كتاب «المدخل»٧٠٣الباعث على إنكار البدع والحوادث (1/ 22)، وينظر: تهذيب الكمال (22/ 264)..
وجاء وصفها أيضا بأنها «على ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه» وهو مطابق للوصف السابق؛ كما في رواية الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما مرفوعًا: (ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذوَ النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمَّهُ علانيةً لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة؛ كلهم في النار إلا ملة واحدة. قالوا ومن هي يا رسول الله؟ قال ما أنا عليه وأصحابي)؛ قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب مفسر لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه. وصححه الشيخ الألباني وغيره٧٠٤سنن الترمذي (2641)..
ونرجو ونسعى ونجتهد أن نكون من الطائفة المنصورة التي أخبر عنها رسول الله ﷺ في الحديث المتواتر المرويّ بألفاظٍ متنوعةٍ، في الصحيحين والسنن وغيرها من دواوين الحديث، ومنها ما في صحيح مسلم من حديث ثوبان h مرفوعًا: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك)٧٠٥صحيح مسلم (5509). ومن حديث جابرٍ h مرفوعًا: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة).
وأما تفاصيل مجمل الاعتقاد على الأبواب كما فرّعه الناسُ وكتبوا فيه؛ فإننا على مذهب أهل السنة والجماعة وأهل الحديث النبوي الشريف المتبعين سنة رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه وسنة أصحابه المرضيين وخلفائه الراشدين المهديين، فما بان في نصوص الكتاب والسنة وأجمعوا عليه فهو ذاك ولا محيد عنه، وما احتمل ووقع فيه الاختلافُ بين العلماء رجّحنا بحسب الدليل والحجة والبرهان على طريقة أهل العلم رضي الله عنهم.. والحمد لله رب العالمين.
هذا وينبغي أن يُعلَمَ أن تصحيحَ الاعتقادِ واجبٌ، كما سبقَ، لكنه لا يُغني عن تصحيحِ أعمال القلوبِ، فكمْ قد رأينا في الناسِ من هو عارفٌ باعتقادات أهل السنة حافظٌ لها نظريًّا، مناظِرٌ عنها، وهو مع ذلك رقيق الدين قليلُ الأمانة قاعدٌ عن أداءِ الواجبات المتحتّمات من الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصـرة الحق وإقامة الدين، مرتمٍ في أحضان السلاطين الزنادقة الطغاة، والغٌ في موائدهم متضلّعٌ من صِلاتهم وزقّومهم، منافِحٌ عنهم وهو يعرِف حالهم، حبًّا في الدنيا وزُخرفها من المكاسب من مالٍ وجاهٍ، فلم ينتفع حقَّ الانتفاع.. فمعرفته بعقائد أهل السنة والجماعة نظريًا والانتساب إليها وحفظِ ألفاظها وكُتبها. والسبب في ذلك هو إيثار الدنيا واللَّذة العاجلة الكدِرة الفانية على الآخرة الباقية الكاملة، وذلك لضعفِ ما في القلبِ من الإرادة وقلةِ اليقين وقلة الصبرِ، وبالجملة فإن ذلك من خذلان الله تعالى له وتخلّيه عنه وعدم توفيقه إياه.. نسأل الله السترَ والعافية.
ولذلك فالواجبُ أن يكون تصحيح الاعتقادِ وأن تكون دراسةُ العقيدة مؤديةً إلى صحة القلبِ وحياته وعِمارته بحقائق الإيمان من معرفة الله تعالى وإجلاله وتقديره حق قدره، وتعظيمه تعالى وتعظيم أمره ونهيه وتعظيم شعائره، والخوف منه والرهبة له وخشيته ﷻ ومراقبته، ومحبته تعالى ورجائه وتعلّق القلب به، والذلة له والخضوع والتسليم والانقياد باطنا لحكمه، وشكره وذكره تبارك وتعالى، والصبر على طاعته وعن معصيته والصبر على أقداره، والتوبة والأوبة إليه والإنابة، والتوكل والاعتماد عليه والثقة به، وحسن الظن به ﷻ، والتفويض والتسليم له، والرضا بقسمته وقضائه وقدره، والتصديق الجازم لخبره ووعده ووعيده وكل ما جاء به نبيّه ﷺ، والإخلاص في عبادته وتمحيض القصد والتوجه إليه سبحانه، وغير ذلك من أعمال القلوب التي هي قاعدة التقوى والأمانة وصلاح السريرة والباطن الذي يتبعه صلاح الظاهر، فإن التقوى هي كما قال التابعيّ طلق بن حبيب رحمه الله: «العملُ بطاعة الله على نورٍ من الله رجاءَ ثواب الله، وترك معاصي الله على نور من الله مخافةَ عذاب الله» ٧٠٦مصنف ابن أبي شيبة (30356)..
إن مقصد الشرائع وتعلّمها والعمل بها هو تحصيل التقوى، ليكون العبدُ من المتقين الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٢٧﴾ [المائدة] وقال ﷻ: ﴿أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٢ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ٦٣ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ لَا تَبۡدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٦٤﴾ [يونس]، وَقال تعالى: ﴿وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلتَّقۡوَىٰ ١٣٢﴾ [طه]، ﴿وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ ٨٣﴾ [الأعراف]، وأخبر أن الجنة التي عرضها السموات والأرض ﴿أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ ١٣٣﴾ وقال: ﴿تِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنۡ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّٗا ٦٣﴾ وقال: ﴿أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ ١٣٣﴾ [آل عمران]، ﴿وَٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُتَّقِينَ ٣٥﴾ [الزخرف] وقال: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخۡشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقۡهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٥٢﴾ [النور] وأخبر أنه ﴿يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٧﴾ ، وأنه ﴿مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ١٢٣﴾ ، وقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحۡسِنُونَ ١٢٨﴾ [النحل] وهذه هي المعيّة الخاصة التي معناها النُّصرة والتأييد والإمداد والعون والتوفيق، وهي تتضمّن أو تستلزم المحبة والرضا.
وأصل التقوى ومركزُها في القلبِ؛ فإذا عُمِّرَ بها القلبُ صلُحَ، وإذا صَلُح القلبُ صلحت الأعمال وحصلت الاستقامة، كما قال النبي ﷺ في الحديث الذي في صحيح مسلم وغيره: (التقوى ههنا، التقوى ههنا، التقوى ههنا) وأشار إلى صدره ﷺ٧٠٧صحيح مسلم (2564).، وكما في حديث النعمان بن بشير h الذي في الصحيحين وغيرهما عن النبي ﷺ: (ألا وإن في الجسدِ مضغةً إذا صلحت صلح الجسدُ كله، وإذا فسدت فسد الجسدُ كله، ألا وهي القلب)٧٠٨صحيح البخاري (52)، صحيح مسلم (1599)..
ومن أهم الأسباب المعينة على ذلك باختصارٍ:
عبادة التفكّر، وهي من أجلّ العباداتِ التي أمر الله بها وحث عليها، وأكثرُ الناسِ عنها غافلون وفيها مقصّرون.
الاهتمام بقراءة كتب الرقائق والتربية والتزكية، التي تعتني بأحوال القلب والنفس ومعالجة أمراضها، وكيفية تقويمها وتحليتها بالأخلاق الحسنة والفضائل والآداب الطيبة.
أخذ النفس بحظٍ من العبادةِ، بالاهتمام بالفرائض والواجبات ثم الاجتهاد في الإكثار من النوافل والقُرُبات، والاجتهاد في أن يكون للإنسان عبادةٌ أو عبادات في السرّ.
معرفة أحوال الصالحين من سلفنا وأئمتنا وأخيار الأمة، بقراءة سِيَرهم وتراجمهم وأخبارهم، ليحصل الاقتداء والتشبّه بهم.
الاهتمام بمعرفة أسماء الله الحسنى وحفظها ومعرفة معانيها والتأثر بها، وذلك بطلب هذا العلم والقراءة فيه، وفيه كتبٌ مصنفة قديمًا وحديثا، ومن أحسنها للمعاصرين كتاب «شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة» للقحطاني٧٠٩يعتبر هذا الكتاب من أحسن كتب شرح أسماء الله الحسنى، حيث شرح فيه تسعة وتسعين اسما مع ذكر أدلتها، وقسم كتابه إلى خمسة عشر مبحثًا آخرها في شرح هذه الأسماء؛ وبلغت عدد صفحاته قرابة 260، في طبعة مؤسسة الجريسي بالرياض.، مع ما في كتب التفسير وشروح الحديث وغيرها من ذلك وهو كثيرٌ جدًّا.
عَمَلُ الإنسان بما يعلَمُ؛ فمهما علِم من العلم النافع من الفقه ومن الأخلاق ومن سنن المصطفى ﷺ ولو كان قليلًا -بعد أن يتثبّت منه ويتلقاه صحيحًا- فإنه يعمَلُ به ليفتح الله عليه مزيدًا من العلمِ والعمل.
فإذا اتضح للسائلين ما تقدم من عقيدتنا -عقيدة التنظيم- فقد تبيّن أننا نعتقد ما هو من أصول أهل السنة والجماعة من أن «الدينَ والإيمانَ قولٌ وعملٌ؛ قولُ القلبِ واللسانِ، وعملُ القلبِ واللسانِ والجوارحِ، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية»، وإننا نبرأ من الإرجاء بجميع أنواعه وصوره.
والحق أن الإرجاءَ مفهومٌ خبيثُ يتلوّن في صورٍ وقوالبَ شتّى ويتخذ أشكالًا وعبارات مزوّقةً، يظهر منها في الأعصُر والبيئات نماذج متعددة، متفاوتة الخطورة، ولكنْ من عرفَ الحقَّ الذي جاء به القرآن والسنة وما كان عليه السلفُ الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسانٍ، وفقُه في الدين، فإنه يكون في حِرزٍ منه إن شاء الله.
وإذن فأنواع الإرجاء وأقسامُهُ وصوره كثيرةٌ قد بيّنها علماؤنا قديمًا وحديثًا وحذروا منها وهي درجاتٌ في القُبْح والفسادِ، فأنا أذكُرُ منها ما تيسّر الإحاطة به تبيينًا لها لتحذر وتنكر:
فمنها -وهو أخبثها وأكثرها غلوًّا-: القولُ بأن الإيمان هو المعرفة فقط، أي المعرفة بالقلبِ، أي أن من عرفَ الله بقلبه؛ حتى لو لم يحصل عنده تصديقٌ (مع أنه من الصعبِ جدًا إن لم يكن مستحيلا التفريق بين المعرفة والتصديق)، فهو المؤمنُ. فعندهم أن التصديقَ الجازِمَ والإقرار والنطق بشعارِ الإسلام والإيمان والأعمال، كلها لا تدخل في مسمّى الإيمان.. وهذا هو قول الجهمية، ومعنى هذا أن مَن وُجِدت منه هذه المعرفة فهو مؤمن بغضّ النظر عما يظهر بلسانه أو جوارحه، فحتى لو أظهر الكفرَ بلسانه فما دام قد عرفَ أن الله هو الإله الحق فهو مؤمن، ولازم مذهبهم أن الشيطانَ وفرعون وقارون وهامان وأبا جهل وأمثالهم مؤمنون.. نعوذ بالله من الكفر والضلالة.
فهذا المذهب كفرٌ وخروج من ملة الإسلام ومضادّة صريحةٌ بيّنةٌ للقرآن ولما جاء به محمدٌ ﷺ.
ومنها: القولُ بأن الإيمان هو الإقرار باللسان فقط، فمَن أقرّ بلسانه بالإيمان فهو مؤمنٌ، بغضّ النظر عما في قلبه والعياذ بالله؛ وهذا هو قول قومٍ عُرفوا بالكرّامية (نسبة إلى شخصٍ اسمه: محمد بن كرام السجستاني).. وعند هؤلاء أن المنافقين مؤمنون كاملو الإيمان في الدنيا لأنهم يقرون بالإيمان بألسنتهم، ولكنهم مخلّدون في النارِ في الآخرة.
نسأل الله العافية والسلامة، ولا شك أن هذا المذهب فاسِدٌ متناقضٌ وأنه خلافُ الحق الذي جاء به الكتابُ والسنة، ولا شك أن المنافقين كفّارٌ في الباطن غيرُ مؤمنين، وإن كانوا معدودين مسلمين في الظاهرِ تجري عليهم أحكام الإسلام، فهم مسلمون عند مَن لم يتبيّن له نفاقُهُم (كفرُهم في الباطن) بالدليل القاطع. وهذا من المواضع التي يظهر فيها الفرقُ بين الإسلام والإيمان.
ومنها: القولُ بأن الإيمان هو التصديق بالقلبِ فقط. أي وليس منه الإقرارُ باللسان ولا عملُ الجوارح، وهو قول كثيرٍ من المتكلمين من الأشاعرة والماتريدية.
وهؤلاء احتاجوا إلى أن يقولوا: إن الإقرار باللسان شرطٌ لإجراء أحكام الإسلام في الدنيا فقط، وليس هو من حقيقة الإيمان.
ولا شك في بطلان هذا أيضا ومخالفته الصريحة لأدلة القرآن والسنة وإجماع السلف.
وكل هؤلاء الطوائف يقولون: لا يضرّ مع الإيمان ذنبٌ، وينكرون أن الإيمان يزيد وينقصُ، نعوذ بالله من الضلالة.
ومنها: القولُ بأن الإيمان هو الاعتقادُ (أي التصديق) بالجنان (أي بالقلبِ) والإقرارُ باللسان، فقط، وليست الأعمالُ (أعمال الجوارح) داخلةً في حقيقة الإيمان (في مسمى الإيمان)، ولكن قالوا: إن أعمال الجوارح لازمة للإيمان.
وهذا هو ما عُرِف عند علمائنا بإرجاء الفقهاء، ونُسِبَ القولُ به إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله وشيخه حمّاد بن أبي سليمان رحمه الله، وغيرهما.
ولا شك أنه خطأٌ ومخالفٌ لما دلتْ عليه نصوص الكتاب والسنة وإجماعُ السلف أيضا قبلهم.. ولكن مخالفته للحق أخفّ من كل ما قبله، حتى قال جماعةٌ من علماء أهل السنة إن الخلاف بينهم وبين أهل السنة والجماعة خلافٌ صوريّ لفظيّ٧١٠كتب جملة من العلماء في باب الإرجاء، وبيان أقوال الناس فيه ونقض كلامهم تفصيلا، وممن كتب في ذلك من المعاصرين: سفر الحوالي في كتابه: «ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي»، وأبي معاوية علي أحمد سوف في كتابه «التبيان لعلاقة العمل بمسمى الإيمان»، والكثيري في «براءة أهل الحديث والسنة من بدعة المرجئة»، والشثري في رسالته المختصرة: «حقيقة الإيمان وبدع المرجئة في القديم والحديث»، وأبو عبد الله التونسي في رسالته: «مجمل أقوال السلف في ذم الإرجاء وأهله»، وقد نقض أهل العلم الإرجاء المعاصر في عدد من الرسائل من أهمها: «حول مرجئة العصر» لأبي قتادة الفلسطيني، و«إمتاع النظر في كشف شبه مرجئة العصر» لأبي محمد المقدسي، و«تأسيس النظر في رد شبه مرجئة العصر حول الحاكمية والجهاد» لأبي عبيدة عبد الكريم الشاذلي.. الخ..
ومن صور الإرجاء وألوانه الخبيثة المتجددة التي هي مظهرٌ لتلك الاعتقادات الرديّة للمرجئة الجهمية وأضرابهم مما ذكرتُه أعلاه، والتي تم إحياؤها وبثُها وتزيينها هو ما ظهر به علينا أقوامٌ من المبتدعة أهلِ الأهواء في هذه الأزمان، وغالبُهم من المتزلفين للطواغيت من السلاطين، وأصحابِ دين الملوك كما عبّر بعض السلف عن الإرجاء قديمًا بأنه دينٌ تحبه الملوك.
ومن ذلك قولهم:
لا كفر إلا بالجحود.
لا كفر إلا كفر التكذيب؛ أي أن الكفر منحصرٌ في هذا النوع فقط (كفر التكذيب).
لا كفر إلا مع الاستحلال (استحلال العمل الذي هو كفرٌ بنص القرآن أو السنة أو بالإجماع).
لا كفرَ إلا بالاعتقادِ؛ وإن الكفرَ محصورٌ في الاعتقاد فقط، وليس شيءٌ من أعمال الجوارحِ كفرًا أكبر مخرجًا من الملة بنفسه، إلا أن يكون معه الاعتقاد، والاعتقاد الذي يكون معه هو: تكذيبٌ وجحود، أو استحلال الكفر.
لا كفرَ إلا أن يقصد الإنسانُ الكفرَ، أي يقصد ويريد أن يَصِيرَ كافرًا، وحتى يُعلَمَ انشـراحُ صدره بالكفر.
أنه ليس شيءٌ من الأعمالِ كفرًا أكبرَ بنفسه، بل حيثُ ثبتَ الدليلُ الشـرعيّ على أنه كفرٌ أكبر فمعناه أنه دليلٌ على كفرِ القلبِ.!
فهذه كلها من صورِ وألوان الإرجاء الخبيثة التي نبرأ إلى الله منها.
وأما أهل السنة والجماعة نصرَهم الله وأعزّهم وكثَّر سوادهم فإنهم يعتقدون ويقولون كما سبق: إن الإيمان هو قول وعمل ونيّةٌ، يزيد وينقص، وإن ضدّه وهو الكفرُ يكون: بالاعتقاد، والشكّ، والقول، والفعلِ، والتَّرْكِ، فيكون كفرَ تكذيبٍ، أو كفرَ جحودٍ، أو كفرَ شكٍّ، أو كفرَ إباءٍ واستكبارٍ، أو كفرَ إعراضٍ، أو كفرَ جهلٍ. ويقولون: إن ما ثبتَ بالدليل الشرعيّ أنه كفرٌ مخرجٌ من الملة فهو كفرٌ يقال هو كفرٌ، ويُقالُ: من فعله فهو كافرٌ، ثم الشخص المعيّنُ (الفاعل) يُحكَمُ بكفرِه إذا توفّرت شروطُ الحكم وانتفتْ موانِعُهُ. ولا يُقالُ فيه (أي فيما ثبتَ بالدليل الشرعيّ أنه كفرٌ): لا، حتى ننظر إلى الفاعلِ هل اعتقدَ الكفرَ أو لا، أو ننظر هل استحلّ فعلَ هذا الكفر أو لا، أو ننظر هل هو مكذّب وجاحدٌ أو لا.
نسأل الله أن يثبّنا على الهُدى وأن يعيذنا من مضلات الفتن.
تنبيه مهم: مما ينبغي أن يُعرَف أن بعض العلماء من أهل السنة قد يقول قولًا يوافق بعضَ ما تقدّم من الأقوال التي فيها إرجاءٌ، من الدرجات الخفية والأقل وضوحًا، وهو في الجملة على عقيدة أهل السنة والجماعة، لكن أخطأ وأداه اجتهادُهُ إلى قولٍ ظنّه الحقَّ وافقَ قولًا للمرجئة، فمثل هذا لا نسارع بوصفه بالإرجاءِ، فإن كان لا بد من الكلام عليه لبيان زلته والتحذير منها فيقال مثلا: أخطأ ووافق المرجئة في كذا، وقال قولًا مؤدَّاه إلى قول المرجئة وهو كذا وكذا. وإنما ينسَبُ الإنسانُ إلى أظهر وأكثر ما عنده. وبالجملة يجب التثبّت والاحتياط والورع في نعتِ أحدٍ بالبدعةِ، ولا سيما العلماء ومن ظهرَ فضلُهُ وكثُرَ صوابُهُ وخيرُهُ وعُرِفَ التزامه بالسنة منهم، وظهر حرصه عليها وذبُّه عنها، وشدَّة تحرِّيه في اتِّباعها.
وأما قول السائل: وما قولكم في مسألة التكفير؟
فالجواب بحمد الله تعالى: أن مسألة التكفير هي فرعٌ عن مسألة الإسلام والإيمان؛ إذِ الكفرُ ضدُّ الإيمان، ومن الكفرِ الشـركُ بالله وهو ضد التوحيد. ونحن بحمد الله تعالى على مذهب أهل السنة والجماعة كما ذكرنا في كل الأبواب، ومنها مسألة الإيمان حدّه ومسمّاه ومعرفة ما يناقضه ويضادّه، ومعرفة التوحيد لله رب العالمين في ربوبيته وألوهيته وفي أسمائه وصفاته سبحانه، ومعرفة ما ينقض ذلك ويفسده، ومعرفة ما يدخل به الكافر في الإسلام فيصير مسلمًا، وما يخرج به المسلم من الإسلام فيصير كافرًا مرتدًا والعياذ بالله.
في كل ذلك نحن على مذهبِ علمائنا وأئمتنا من أهل السنة والجماعة.
ومسألة التكفير والكلام فيها يؤخذ من مجموع كلام العلماء في كتب العقائد والإيمان والتوحيد، وكتب الفقه في الأبواب التي يعقدها الفقهاء للردّة -أعاذنا الله وإياكم منها- وأحكامها وأحكام المرتد.. ولهذا ننبّه دائمًا على خطأ من يعتمد في فهم أحكام مسألة التكفير على ما في كتب التوحيد والعقيدة فقط، يشدو منها طرفًا ثم يظل يطلق الأحكامَ بدونِ معرفة بـ «الفقه» وأقوال الفقهاء وطرائقهم وشروحهم.
وفي عصرنا كُتِبت عدة مؤلفات في هذه المسألة وفي بيان نواقض الإسلام القولية والعملية وغيرها، منها الجيّد ومنها دون ذلك، وطالبُ العلم يستفيد منها، ويسترشِدُ العلماء الأمناء ويراجعهم في مواطن الإشكال، ويتذكر الفائدة التي مرت عن شيخ الإسلام ابن تيمية في كثرة الكتب٧١١يعني قول شيخ الإسلام المتقدم قبل وُريْقات: «وقد أوعبت الأمةُ في كل فن من فنون العلم إيعابا؛ فمن نور الله قلبه هداه بما يبلغه من ذلك، ومن أعماه لم تزده كثرةُ الكتب إلا حيرةً وضلالا».، ويكثِرُ من الدعاء الذي كان النبي ﷺ يدعو به في افتتاح صلاته من الليل: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السمواتِ والأرض، عالمَ الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإذنِكَ، إنك تهدي مَن تشاء إلى صراط مستقيم)٧١٢سنن أبي داود (767)، سنن الترمذي (3420)، سنن النسائي (1625)، وصححه الألباني.، والتوفيق بيد الله وحده.
وأذكر هنا جملا مفيدة في هذه المسألة (مسألة التكفير):
أولا: التكفير هو الحكمُ بكفرِ الشخص.. هذا هو الاستعمالُ الأكثر، وقد يستعمَلُ لتكفير «الفعل» ومعناه حينها الحكمُ بأن الفعل الفلاني من أفعال المكلفين -فعلٌ أو ترْكٌ، أو قول، أو اعتقادٌ ومنه الشك- محكومٌ عليه في ديننا وشريعتنا بأنه كفرٌ وخروجٌ من دائرة الإسلام، وهو التكفير المطلق في الاصطلاح.
ثانيًا: التكفير سواءٌ كان مطلقًا -وهو الحكم بأن الفعل أو الترك، أو القول أو الاعتقاد ومنه الشك، كفرٌ-، أو كان معيّنًا -وهو الحكم بأن الشخص المعيّن الفلاني قد انطبق عليه الكفرُ فهو كافرٌ خارج من ملة الإسلام، غيرُ مسلمٍ- هو حكمٌ شرعيّ، ككل الأحكام الشـرعية؛ لا يجوز القول به إلا ببرهانٍ من الله ﷻ، بمعنى أن تدل الشريعة المطهرة عليه دلالة بيّنة.
فما صح الدليل من القرآن والسنة وما في معناهما على أنه كفرٌ فنقول هو كفرٌ.
ونطلِقُ فنقولُ: مَن فعل كذا فهو كافرٌ؛ لبيان الحُكمِ وللتخويف والزجر والردع.
ثم الشخص المعيّن، أي فلان بن فلان الذي وقع منه هذا الفعلُ نحكُمُ عليه بأنه كافرٌ إذا توفرت شروط التكفير ولم توجدْ موانِعُ تمنَع من إيقاع الكفرِ عليه، وهذا هو: تكفيرُ المعيّن.
ثالثًا: إذا عرفنا أنه حكم ٌشرعيّ فسبيلُهُ سبيل سائر الأحكام الشرعية من حيث درجةُ ثبوتِه، فمنه ما هو مستيقن مقطوعٌ به، مثالُهُ: كون اليهود والنصارى كفارًا وكذا الوثنيون عبّاد الأصنام والأوثان كما كان عليه حالُ مشـركي العرب الذين بُعث رسول الله ﷺ فيهم، وكما عليه حالُ عبّاد البقر من الهندوس في الهند حاليًا وكذا عبّاد بوذا «البوذيون»، وأشكالهم من كلّ أصحاب الأديان والمللِ غير ملة الإسلام، ومن لم يدخل في الإسلام ولا انتسبَ إليه في وقت من الأوقات، نعوذ بالله من حالهم.
فهؤلاء كفرُهُم -أي كونهم كفارًا- مقطوعٌ به وهو معلوم من الدين بالضـرورة، ويجب على كل مسلم عرفهم أن يعتقد أنهم كفارٌ.
ومنه ما هو ملحقٌ بذلك كالمرتد الذي صرّح وأعلن بالانتقال إلى ملة أخرى غير ملة الإسلام، كمن يتنصّرون والعياذ بالله ويُعلنون كفرهم بدين الإسلام ورفضه والانتقال إلى دين النصارى.
وقريبٌ منه كفرُ مَن اتبع مدّعي نبوّةٍ كأتباع مسيلمة الكذاب لعنه الله، وأتباع الدجاجلة المتنبّئين الكذابين، ثم قريبٌ منه -وهذا كله في المرتد- من يجاهِر بالكفر الصـريحِ ويسبّ الدين ويستهزئ به بشكلٍ واضح لا لبْسَ فيه، ولا سيما مع التكرر، ومن هؤلاء من يكون كفره أعظم وأوضح من كفر اليهود والنصارى.. وهكذا.
ومنه ما هو دون ذلك؛ حكمٌ اجتهاديّ يحكم به الفقيه المؤهّلُ كالحكم على حاكمٍ بأنه كفرَ لأنه لم يحكم بالشريعة، فإن ذلك درجاتٌ تتفاوتُ: كمن نبذها رأسًا ولم يحكم بشيء منها، أو من حكم ببعضها دون بعضٍ بحيث يمكن أن يدّعي أو يُدّعى له أن له عذرًا وتأوّلًا فيما لم يحكم به، ومن هو متصوّرٌ فيه شبهةٌ وتأويلٌ، ومَنْ لا، وغير ذلك من الأمثلة وهو كثيرٌ جدًا.
وكمن كفر بفعلٍ مكفّر وقع الخلاف بين العلماء في التكفير به، وترجّح عند البعضِ التكفيرُ به، كلبْس الصليب، وكترك الصلاة تركًا تامًّا بالكلية.. وهكذا.
قال الشيخ محمد أنور كشميري: «مأخذ التكفير أي دليله الذي أخذ منه وبُني عليه قد يكون ظنيًا، ونظيره العمل بالظن في حالة الجهاد إذا تردد في شخص أهو مسلم أم لا، ولا ينبغي أن يظن أن التكفيرَ ونفيه ينبغي أن يدرك قطعًا في كل مقام؛ بل التكفير حكمٌ شرعي، يرجع إلى إباحة المال وسفك الدم والحكم بالخلود في النار؛ فمأخذه كمأخذ سائر الأحكام الشـرعية؛ فتارةً يُدرَكُ بيقينٍ، وتارةً بظنٍّ غالبٍ، وتارةً يُتَرَدَّدُ فيه، ومهما حصل ترددٌ فالوقف فيه عن التكفير أولى» اهـ، من «إكفار الملحدين في ضروريات الدين»، مستفيدًا من الغزالي في «التفرقة»٧١٣إكفار الملحدين في ضروريات الدين (ص 116، 117)..
رابعًا: وكما يقع الاختلافُ من الفقهاء الـمُفتين، ويقعُ الترددُ من الفقيه الواحد في الحكم بأن شيئًا من أفعالِ المكلّفين كفرٌ أو لا، كذلك يقع الاختلافُ والترددُ في إيقاع الكفر على الفاعلِ، أي تكفير المعيّن، بسبب الاختلاف في النظر في الشروط والموانع وتطبيقها.
خامسًا: وبناءً على ما سبق؛ فإنه لا يجوز الإقدامُ على تكفير أحدٍ من أهلِ الإسلام، أي ممن سبق أن حُكِم بإسلامه وثبتَ له عقدُ الإسلام، إلا ببرهانٍ من شريعة الله تعالى، ولأن الحكم بالتكفير حكم شرعيّ تتفاوت درجاتُ وضوحه وثبوته كما أشرنا:
فإن الواضحَ منه جدًا يعرفُهُ المسلمون أو أكثرُهم ومتوسّطوهم، وربما استوى العالِم والعامّيُّ في معرفته، كبعض الأمثلة المبيّنة أعلاه، وكمن يسبّ الله ﷻ وسبحانه وتعالى وتقدس، ويسبّ دينه، ويستهزئ به بشكل صريح واضحٍ لا لبسَ فيه، ولا سيما مع التكرر مثلا؛ فإن هذا لا يحتاجُ إلى أن يُفتِي فيه عالِمٌ لأن كل الناسِ علماءُ بأن هذا العمل كفرٌ أكبر مخرجٌ من ملة الإسلام، فمَن رأى من يفعل ذلك ولم يكن مُكرَهًا -كأن يكون طاغيةٌ يُكرِهُهُ على فعل ذلك في سجنٍ ويعذبه مثلا-، ولا كان مجنونًا -فإن المجنون المسلمَ محكومٌ بإسلامه ولا تصحُّ ردّتُهُ- فإنه يحكم بكفره.
أما غيرُ الواضح جدًا، مما قد يقع الخلاف بين أهل العلم فيه من الأعمال هل هو كفرٌ أو لا، أو يقع الخلافُ والتردد في تكفير فاعِلِهِ بناءً على: هل له عذرٌ أو لا، أي هل توفرت في حقه الـشروط وانتفت الموانع للحكم عليه بالكفرِ أو لا.. فهذا يجبُ أن يُترَك للعلماء ولا يتكلم فيه مَن ليس من أهل العلم؛ لأنه مظنة الخطأ، والخطأ في هذا البابِ على وجه الخصوص خطيرٌ وأمرُه صعبٌ، لما ورد في الشريعة من التحذيرِ من الإقدام على تكفيرِ مسلمٍ بغير حق والمبادرةِ إليه، والوعيد على ذلك، فيخشى المؤمنُ الحريصُ على دينه والنجاة في آخرته أن يكفّر مَن لا يستحق التكفير فيبوء بالوعيد الشديد.!
والله أعلم، ونسأل الله تعالى أن يرزقنا وإخواننا الهدى والسداد..
وأما الكلام على تركيا وواقعها؛ فيحتاجُ إلى تفصيل، ولا بد من النظر إلى كل مسألة نظرًا خاصًا.
وعلى ضوءِ ما ذكرتُ فيما سبقَ فإن الواجبَ على عمومِ الإخوة أن يسألوا العلماء ولا يتسـرّعوا في تكفيرِ الناس، بمجرد ما يقرأون ويفهمون من عبارات المؤلفين في الكتب، فإن هذا من أسباب الغلط الفاحشِ؛ لأن الأخ «العامّيّ» يطبّق ما يفهمُهُ من تلك الكتب، فربما أخطأ في الفهم، وربما أخطأ في التطبيق، وربما أخطأ في كليهما، فيحصل فسادٌ كبير.!
ولذلك نكرر ونوصي بأن تُترك مسائل التكفير للعلماء، وعلى الشباب أن يعلموا أنها -أكثرها- مسائل اجتهادٍ يُحتمل فيها الاختلافُ، فلا يتعصّب أحدٌ لقولٍ ولا لشيخٍ ولا لجماعةٍ، ولا ينصبوا العداء من بعضهم لبعضٍ بسبب الاختلاف في تكفير شخصٍ أو أناسٍ أو طائفة، ممن سبيلُ تكفيرهم الاجتهاد، بل من بانَ له الحق بنفسه وبحثه ونظره من طلبةِ العلم فاطمأن له فليعمل به، ومن لم يتبيّن له فليحتطْ، وليعذر كلُّ أحدٍ مَن خالفه في شيءٍ من ذلك.
هذا هو السبيل الصحيحُ، وإلا فلن يكون هناك صلاحٌ ولا إصلاحٌ وقد يُفسِد الشبابُ وينفِّرون عن الدين ويصدّون عن سبيل الله وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا وأنهم ينصرون دين الله؛ فيكونون معرّضين للوعيد الشديد.. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ فَتَزِلَّ قَدَمُۢ بَعۡدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَكُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٩٤﴾ [النحل] قال ابن كثير رحمه الله: «حذر تعالى عباده عن اتخاذ الأيمان دخلًا أي خديعة ومكرًا، لئلا تَزل قدم بعد ثبوتها، مَثَلٌ لمن كان على الاستقامة فحاد عنها وزلَّ عن طريق الهدى بسبب الأيمان الحانثة المشتملة على الصد عن سبيل الله، لأن الكافرَ إذا رأى أن المؤمنَ قد عاهده ثم غدر به لم يبق له وثوق بالدين فانصدَّ بسببه عن الدخول في الإسلام» اهـ. فإذا كان هذا الصدّ عن سبيل الله وهذا الوعيد الشديدُ عليه يقع بسبب التلاعب بالأيمان واتخاذها للخديعة والمكر، فإن ما يقعُ من التنفيرِ عن دين الله والصدّ عنه بسبب «التلاعب» بأحكام التكفير والتصرف فيها بجهلٍ وغلوّ وتعصّبٍ واستعجالٍ، أكبر من ذلك بكثيرٍ، كما هو معروفٌ، فليحذر الشباب المجاهدون والدعاة إلى الله من ذلك أشدّ الحذر. والله وليّ التوفيق.
بقي أن أشير إلى أشياء:
فأما كتب الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز المشار إليها، فهي تتمثل في كتاب «الجامع في طلب العلم الشـريف» وقد بيّنا من قبلُ وبيّن غيرُنا بعض ما في هذا الكتاب من أخطاء منهجية وجزئية، فلتُراجع، وأنا أنصح الإخوة الأتراك على وجه الخصوص باجتنابِ هذا الكتاب، فإنه (الكتاب) على فائدته لا يكاد يستفيد منه الاستفادة المأمونة من الخطل والشطط إلا طالبُ علمٍ درس العلوم ونهل منها وأسس لنفسه قاعدةً جيدة فيها. وأما من لم يكن من طلبة العلم فالكتاب مضرّ له وخطِر في حقه.
وقد بلغني أن بعض الإخوة الأتراك يريدون ترجمته إلى التركية، وأنا أحذّرُهم من ذلك لسببين: الأول هو ما تقدم، ولأن الكتاب لا يستفيدُ منه إلا طالبُ علمٍ درس فنون العلم وتمرّس، وطالبُ العلم هذا إذا وُجِد فالأفضلُ أن يقرأ الكتابَ بالعربية كما هو، أي بدونِ ترجمةٍ. والسبب الثاني: أن ترجمة كتابٍ كهذا غايةٌ في الصعوبة، فإن الترجمة علمٌ وفنّ له أهله ومؤهّلاته، وترجمة كتابٍ كهذا تحتاجُ إلى عالمٍ باللغة العربية وبالفقه والشريعة متضلّعًا منهما، ويندر وجود هذا، وأما أن يُقدِم بعضُ الإخوة ممن عرفَ شيئا قليلا أو متوسّطًا من العربية ولا إلمامَ له جيّدٌ بالفقه وعلوم الدين فيترجمه فإنه يضلّ ويفسِدُ من حيثُ يظن أنه يُحسِنُ، فلا يجوزُ الإقدامُ على هذا بدون التأهّل اللازمِ الذي يضمَن صحة الترجمة ودقتها وسلامةَ وكمالَ نقلها للمعنى إلى اللغة المعنيّة، والغالبُ أن يحتاجَ مثلُ هذا إلى مترجمين ومراجعين قادرين متعددين.. ثم في كتب الدعوة والعقائد والفقه والتربية ما هو أجدَرُ وأولى بالترجمة وبأن يُنشَرَ بين الناس ويوفّر لهم بأسعارٍ هيّنة، والحمد لله.
وأما الإشارة إلى كتب الشيخ أبي محمد المقدسي، فلا أدري أيّ كتابٍ المقصود، ولكن من أحسن كتب الشيخ أبي محمد المتأخرة، في هذا الباب كتابُ: «الرسالة الثلاثينية»؛ فأنصح بقراءتها.
وأما المشاركة في الانتخابات فالأصلُ أنها لا تجوزُ، لأنها: دعمٌ وتقوية للتطبيق لما يسمى بالنظام «الديمقراطي»، بل هي -ولو في الصورة- تطبيقٌ لهذا النظام الكفريّ، ولأنها في الغالبِ أو في كل الأحوال في الواقع التركي وما شابهه تستلزم تأييد حزبٍ من الأحزاب الكافرة، أو ترشيح رئيسٍ أو عضوِ برلمانٍ كافرٍ، وإذا كان الانتخابُ لأعضاء البرلمان فإن ذلك اختيارٌ ودعمٌ وتأييدٌ لمن يشاركُ في المجلس الشركيّ الذي يشرّع ما لم يأذن به الله، وذلك كفرٌ.. فلا تجوزُ المشاركة في الانتخابات.
وقد طرح بعض العلماء المعاصرين مسألة للبحث وهي: أن يكون هناك تنافُسٌ بين مرشّح للرئاسةِ منتمٍ للإسلامِ (إلى ما يسمى ويزعم أنه حزب إسلاميّ مثلا)، أو حزبٍ وطنيّ لا يظهِرُ عداوة للدين أو عداوته غير شديدةٍ، ويلايِنُ أهل الدين، ومرشّح آخر شيوعيّ علمانيّ بيّن الكفر والعداوة للإسلام والشريعة شديد الولاء للكفّارِ من اليهود والنصارى.. وهكذا أيضا في حالِ الأقليات المسلمة في بلاد الكفر، فيقال: هل للمسلمين أن يعطوا أصواتهم للأقل ضررًا على الإسلامِ وأهله، دفعًا للضـرر، مع علمِهم أن جميع أولئك المرشحين كفارٌ ولن يحكموا بما أنزل الله وأنهم لا يرضونهم ولا يقبلونهم للحكم، وإنما صوّتوا للأخف ضررًا دفعًا للضرر الأكبرِ.؟
والذي نراه أقوى وأقرب للصوابِ: أنه لا يجوز لهم التصويتُ، لأننا إذا قررنا أن التصويت للكافر هو دعمٌ له وتأييدٌ لبرنامجه الحزبي الكفريّ، وأن ذلك كفرٌ لو قصده القاصدُ؛ فإنه لا يجوز الإقدامُ على الكفر لمثل ما ذكر من إرادة دفعِ الضـرر.. ولأن ما قيل من أن هذا لدفع الضـرر الأكبر غيرُ مسلّمٍ، بل هو محل شكّ، فما يدرينا أن ضرر نجاح مدّعي الإسلام المنتسب إلى حزب يزعم أنه إسلامي.. أن ضرره أكبر، وأن نجاح المرشح الأكثر والأوضح كفرًا وعداء للإسلام وأهله مرحليًا قد يكون خيرًا في العاقبة للإسلام وأهله بتهيئة الناس للتحدّي والاستعداد للدخول في الصراع، وإتاحة الفرصة للدعاة والمجاهدين لتعبية الشعب وتوطّد أحوال الناس للجهاد في سبيل الله.
لكن بكل حالٍ لا يكفّر من تلبّس بهذا التأويل وهذه الشبهة، وهذا هو المقصود من ذكر هذه المسألة.. فعلى الشباب المجاهدين أن يحذروا من تكفير مثل هذا، فإنهم إن فعلوا ارتكبوا إثمًا وأفسدوا وفشِلوا وصدّوا عن سبيل الله. إنما من علِم وتفقّه في الدين عليه أن يبيّن للناسِ الحق ويدعوهم إلى الصوابِ ويشرح لهم، وبالله التوفيق.
وأما دخول الجيش في تركيا وما شابهها من دول الكفر والردة؛ فلا يجوز، لأنه جيش الدولة المرتدة، فمن شارك في هذا الجيش وكان جنديًا فيه فهو جنديّ من جنود الكفارِ مُعَدٌّ لهم مكثِّرٌ لسوادهم محضَرٌ لنُصرَةِ وحماية دولتهم ونظامهم ودستورهم، ولأنه في الغالبِ يتضمّن الدخول إلى هذه الجيوش ارتكابَ بعض أمور الكفر الأخرى سوى مناصرة القوانين الوضعية، ويؤدي إلى الوقوع في الكثير من المعاصي والذنوب والمخالفات الشرعية، فيسمع الجندي كلامَ الكفر، وربما أرغم على قولِ أو عمل الكفر كتعظيم الطواغيت الكفار كأتاتورك اللعين وكتعظيم دولة تركيا ودستورها وعَلَمِها والإقسام على حمايتها والموت من أجلها، وغير ذلك.
فدخول هذه الجيوش غيرُ جائز.. بل الأصلُ أنه كفرٌ، والعياذ بالله.
لكن هل نكفّر كل من دخل الجيش؟ الجواب: أما في حال العافية والسعةِ فلا، بل حتى ننظر في حاله، ثم نحكم عليه على وَفق ما هو مقررٌ في باب الردة ومسألة التكفير، كما تقدم الإشارة إلى أصولها؛ لأنه يُتصَوّر أن يكون للناس أعذارٌ تمنع تكفيرهم في دخولهم الجيش، كالتأول وظن أنه جيش البلد بغض النظر عن الدولة والسلطة الحاكمة، مع زعم الداخل أنه يحفظ دينه ولا يشارك في الكفر ولا في المعصية. أو كمن دخل وهو عارفٌ بأنه جيش الدولة المرتدة، ولكن دخل مريدًا العمل للانقلاب على السلطة بواسطة الترقي في مراتب الجيش، أو للوصول إلى غرضٍ جهاديّ، بغضّ النظر عن الكلام في هذه المسألة وهل هذا الفعل جائزٌ أو غيرُ جائز. أو كمن كان معذورًا بالإجبار (الإكراه المعتبر شرعًا)، أو تأوّل هو أنه مكرَهٌ الإكراه المعتَبَرَ شرعًا. والله أعلم.
أما عند القتالِ، في حال دخلنا في حربٍ وقتالٍ مع دولةٍ من دول الردة، فإننا نقاتِلُ جيشها قتالَ المرتدين والممتنعين عن شرائع الإسلام.. فالأفرادُ مَن لم نعلَم أن له عذرًا ينجّيه من الحكم عليه بالكفر، اعتبرناه كافرًا وعاملناه معاملة الكافر في أحكام القتال وأخذ المالِ. إذن فالأصلُ حينئذٍ معاملة جنودهم معاملة المرتدين، باستثناءِ مَن عرفنا حاله وأنه معذورٌ في الكون معهم، وهذا قليلٌ كما هو مجرّبٌ معروف.
هذا مع أننا ننبه هنا إلى أن هذه المسألة مما كثُر فيها الكلام، وتعددت صور طرحها ومناقشتها، وأثيرت فيها جزئيات وتفصيلات بعضها مفيدٌ مؤثِّرٌ في الحكم، وبعضُها قد يكون ضربًا من ضروب الجَدل، وبابًا من أبواب الانشغالِ بالقولِ عن العملِ، ونحنُ نعلمُ ما يطرح غالبًا بين شباب المجاهدين ويخوضون فيه خوضًا مستمرًا: هل هؤلاء طائفة مرتدة على العموم أم هو مرتدون على التعيين؟ وبما أن كلامنا هنا مرتبط بأحكام الجهادِ، فلا نرى كبيرَ فائدة تتعلق بهذا التفصيل والاستفسار سواء قيل بهذا أو ذاك، فعلى كلا الحالتين فهم يعاملون معاملة المرتدين في القتال وأخذ المالِ، وهذا ما يقتضيه المقام هنا من الاختصار.. والله أعلم.
وأما السؤال: كيف تنظرون إلى شعب تركيا؟
فنحن ننظر إلى الشعب التركي كشعبٍ مسلم في الجملة، فنطلق في كلامنا عبارة: الشعب التركي المسلم، ونحوها، وهم كسائر شعوبنا المسلمة.. وذلك بناءً على الأصلِ والغالبِ، فأما الأصل فلا يخفى أن الأصل في شعبِ تركيا أنهم مسلمون أبناءُ مسلمين وينطقون بالإسلام (بالشهادتين) منذ نشأة الناشئ منهم، ومع الدوام، ودعواهم الإسلامُ.
وأما الغالب فلأننا نظن أن غالبَ الشعب بحمد الله مسلمٌ حقًّا، فإنه مهما كان هناك في شعب تركيا من الكفار الأصليين من نصارى (من الأرمن وغيرهم) ويهودٍ وزنادقةٍ مرتدين من العلمانيين والإباحيين المنسلخين عن الدين بالكلية ومن الفرقِ الكافرة المنتسبة للإسلام كالنصيرية وكغلاة الصوفية عُبَّاد القبور والملحدين وأمثالهم، فإنه تبقى الأغلبية من عوامّ الشعب التركي في المدنِ والقرى ودواخل البلاد وأطرافها وأعماقها يبقون هم الأكثرية وهم أهل العافية الباقون على الإسلام في جملتهم وأغلبيتهم، والله أعلم.
ولو قُدّر أنهم ليسوا بأغلبيةٍ؛ فليس من الحكمة ولا من الحصافة أن ندقّق في الإحصاءِ حتى نخرج بنتيجةٍ تغلّب حجم وعدد الكفّارِ، بل نكتفي بالظاهر الذي ذكرناه من تغليب الأصل والغالب معًا، مع تغليبِ الفأل والميلِ إليه.
على أن عبارة «الشعب المسلم» حتى في أسوأ الاحتمالات يمكن حملها على «اعتبارِ ما كان»، فلا يُعتَرَضُ في «الأدب» والسياسة عليها.
والله أعلم وأحكم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وأما قولكم: بمَ تنصحون العلماء والشعب في تركيا؟
فـإننا ننصح العلماءَ ونذكرُهم بالقيام بواجبهم كما أمرهم الله في قوله: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، ونحذرهم من أن يكونوا ممن قال الله فيهم: ﴿۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٣٤﴾ [التوبة]، وأنْ يعلموا أن الناس تنظر إليهم؛ فإن استقاموا استقام الناسُ وإن فسدوا فسدَ الناسُ.. وهذه أمانة جسيمة؛ فعليهم أن يجاهدوا في سبيل الله بالعلم والدعوة واللسان والكلمة والقلم، وينصروا الحق وأهله، ولا يخافوا في الله لومة لائم.
ولْيعلَم كلُّ منتسِبٍ إلى العلم أن العلماء أصنافٌ كما دلّت عليه دلائل الشرع والاعتبار:
- علماء دينٍ وآخرة، يؤثرون ما عند الله، ألجمتْهم الخشية من الله، وقادهم العلمُ إلى القيام بحق الله، وهم الفائزون المفلحون، المتعلّقون بالله الناصرون لله الراجون ما عنده.
- وعلماء ُدنيا، همّتُهم أن يطلبوا بعِلمهم هذه الدنيا وحُطامَها، يستخدمون العلم والدين لأغراضهم العاجلة من تحصيل الأموالِ والتمتّع بملذاتِ المآكل والمشارب والمساكن والمناظر وغيرها، أو تحصيل المناصبِ والعلوّ في الأرض.
ومن هذا القسم الثاني: علماءُ جُمهورٍ، همّهم إرضاءُ الناسِ ونيلُ الوجاهةِ عندهم والشهرة والمكانة الاجتماعية.
فعليهم أن يختاروا أن يكونوا من القسم الأول المفلحين، ويؤثروا ما عند الله على ما يفنى.
وأما ما ننصح به الشعب في تركيا، فهو أن نذكّرهم أن الله لم يخلقهم عبثًا ولا همَلًا، وأنهم مسؤولون أيضًا ومكلّفون؛ فعليهم أن يحققوا العبودية لله وحده ويستقيموا على طاعة الله ﷻ، ويعلموا أنهم لن ينفعهم يوم القيامة حين تبلى السرائر ويوم يأتي كلُّ عبدٍ ربَّه فردًا وحيدًا.. لن ينفعهم ولن ينفعَ أحدًا أن يقول إنني أَطَعْتُ فلانًا أو عِلّانًا من الكبراء والسادات والزعامات أو الأشياخ أو الآباء والأجداد، إذا ضلّ وغوى وحاد عن طريق الحق وسلك طريق الردى؛ فإن الله أقام الحجة على الناسِ بهذا الرسول والدين والقرآن وأعذَرَ عز وجل إلى خلقه أجمعين.. فليتعلّموا العلم الدينيّ، وليختاروا أهل الصدق والصلاح المستمسِكين بالكتاب والسنة وليكونوا معهم، وليسألوا عن مراد الله تعالى وأحكامِه ويطلبوا معرفتها وفقهها.. وليكونوا أنصارًا لله ولدينه ولأوليائه.
وإن الشعب التركيّ أمّةٌ عظيمة أعزها الله بالإسلام حين دخلت فيه وبارك الله عليها بسببه، ولن يكون لهم عزّ بين الأمم إلَّا بالعودة من جديد إلى الإسلام والتمسّك به، لا بالارتماء في أحضان الغرب ولا الشرق، ولا باتّباع مناهج الكفار من الديمقراطية والعلمانية وغيرها، فذلكَ كلّهُ في شقّ والإسلامُ دينُ الله دينُ الحرية والعزة والكرامة والمجد والسعادة في الدنيا والفوز في الآخر في شقّ آخر.
والله يهدي مَن يشاء إلى صراطٍ مستقيم.
وأما قولكم: ما رأيكم في قول أبي محمد المقدسي حفظه الله في كتابه «الرسالة الثلاثينية» في التحذير من الغلو في التكفير، في التحذير من تكفير عموم المشاركين في الانتخابات دون تفصيل: «ولذلك فلا تحل المبادرة إلى تكفير أمثاله إلا بعد إقامة الحجة وتعريفه بحقيقة عمل النواب المشرعين، وما يرتكبونه من مكفرات تناقض دين الإسلام وتوحيد رب العالمين، فإن أصرّ على انتخابهم مع ذلك كفر» اهـ؟
نقول: إننا نتفق مع هذا القول ونراه صوابًا، وهذا على العموم والإجمال، أما من يقيم الحجة على هذا المنتخِب، ومتى يقال بأنها قامت عليه وزالت شبهته، وهل مثله أصلا يفقه ويدرك ما يقال له حولها؛ فهذه أمور لا بد من مراعاتها تمام المراعاة، ولا يكتفى بمجرد الزعم بأن فلانا أو فلانا قد أقيمت عليه الحجة، وصار مصرا مستكبرا كأن لم يسمعها، ثم يُبادَر إلى تكفيرِه فإن هذا مجازفة واندفاع لا سيما في مثل هذه المسألة الدقيقة والتي يفتي كثيرٌ من العلماء بجواز أو وجوب انتخاب «الأصلح» كما هو معلوم مشهورٌ، والحمد لله.. ونسأل الله ﷻ أن يوفقنا وسائر إخواننا لكل خيرٍ وأن يبرم للمسلمين أمرَ رشدٍ يعزُّ فيه أهلُ طاعته ويَذِلُّ فيه أهل معصيته ويؤمَرُ فيه بالمعروف ويُنهى فيه عن المنكر.
والحمد لله رب العالمين أولًا وآخرًا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وآله وصحبه.
كتبه: عطية الله
شعبان 1432هـ
•••
لقد أتممت قراءة كتاب: ما ليس عنه انفكاك.. في أجوبة المجاهدين الأتراك
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.