وإن كان من نصـيحة أخرى قبل الختام فأقول:

إن كثيرًا من المسائل التي يكثر سؤال إخواننا عنها ومنها مسائل التكفير وغيرها.. ترجع في إصدار الحكم فيها إلى نظر الحاكم فيها مفتيًا كان أو قاضـيًا، ولا تنحسم كثيرٌ من المسائل والقضايا إلا بذلك، كما نبهت عليه في «النقطة السادسة عشـرة» عند الكلام على مسألة العذر بالجهل٣٢٠بعد أن ذكر الشيخ أن الجهل -المعتبر مثله شرعًا- قليلٌ جدا هذا الزمان؛ قال رحمه الله: «لكن مع ذلك كله يوجَد من أهل الدواخل والبوادي والأقاليم البعيدة من هم في غاية الجهل والبُعد عن العلم وأهله، ففرقٌ بيـن هؤلاء وأولئك، وهذه صورٌ وقضايا يرجع تقديرها إلى المفتي الناظر في المسألة، وبالله التوفيق.. ونسأل الله العافية والسلامة، ونعوذ بالله من الشـرك وأهله»..

وهذا الأصل كثير في كلام الفقهاء، ومما وجدته من الأمثلة الآن:

ص 524

ما قاله «أبو حامد الغزالي» رحمه الله في «إحياء علوم الديـن» في بابٍ عقده في التحرّي عند اختلاط الحلال بالحرام ونحوه، وهو: الباب الثالث في البحث والسؤال والهجوم والإهمال ومظانها؛ قال فيه: «فأما إن كان الحرام هو الأقل واحتمل أن لا يكون الأكل حرامًا وإن تحقق وجوده في الحال‏؛ كما في مسألة اشتباه الذكية بالميتة‏، فهذا مما لا أدري ما أقول فيه وهو من المتشابهات التي يتحير المفتي فيها لأنها مترددة بيـن مشابهة المحصور وغير المحصور‏، ‏ والرضـيعة إذا اشتبهت بقرية فيها عشـر نسوة وجب الاجتناب، وإن كانت ببلدة فيها عشـرة آلاف لم يجب‏، وبيـنهما أعداد ولو سئلت عنها لكنت لا أدري ما أقول فيها، ولقد توقف العلماء في مسائل هي أوضح من هذه إذ سئل أحمد بن حنبل رحمه الله عن رجل رمى صـيدًا فوقع في ملك غيره أيكون الصـيد للرامي أو لمالك الأرض فقال: لا أدري فروجع فيه مرات فقال‏: لا أدري‏، وكثيرًا من ذلك حكيـناه عن السلف في «كتاب العلم» فليقطع المفتي طمعه عن درك الحكم في جميع الصور‏‏» ٣٢١إحياء علوم الدين (2 / 122). اهـ.

وقال شـيخ الإسلام ابن تيمية: «والعلماء قد تنازعوا في تكفير أهل البدع والأهواء وتخليدهم في النار، وما من الأئمة إلا من حكي عنه في ذلك قولان؛ كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وصار بعض أتباعهم يحكي هذا النزاع في جميع أهل البدع وفي تخليدهم، حتى التزم تخليد٣٢٢في الأصل: تخليدهم، وما أثبتناه هو الصواب. كل من يعتقد أنه مبتدع بعيـنه، وفي هذا من الخطأ ما لا يحصـى وقابله بعضهم فصار يظن أنه لا يطلق كفر أحد من أهل الأهواء وإن كانوا أتوا من الإلحاد وأقوال أهل التعطيل والإلحاد»٣٢٣مجموع الفتاوى (7 / 618، 619). اهـ.

وقال: «وسبب هذا التنازع تعارض الأدلة فإنهم يرون أدلة توجب إلحاق أحكام الكفر بهم ثم إنهم يرون من الأعيان الذيـن قالوا تلك المقالات من قام به من الإيمان ما يمتنع أن يكون كافرًا، فيتعارض عندهم الدليلان، وحقيقة الأمر أنهم أصابهم في ألفاظ العموم من كلام الأئمة ما أصاب الأوليـن في ألفاظ العموم في نصوص الشارع، كلما رآهم قالوا: من قال كذا فهو كافر، اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله ولم يتدبروا أن التكفير له شـروط وموانع قد تنتفي في حق المعيـن وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعيـن إلا إذا وجدت الشـروط وانتفت الموانع، يبيـن هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذيـن أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعيـنه»٣٢٤مجموع الفتاوى (12 / 487، 488). اهـ.

ص 525

نقله الباحث المحقق الشـيخ أبو قتادة فرج الله عنه في رسالته المسمّاة «أهل القبلة والمتأولون»، ثم علق عليه بقوله: «وهذا الذي قاله الإمام رحمه الله في غاية النفاسة في كشفه لتردد الأئمة في تكفير بعض الأعيان مع وجود القاعدة التي أصلوها؛ فإن القاعدة التي لديهم هو تكفيره فلما أرادوا الحكم عليه امتنعوا من ذلك حيـن رأوا ما فيه من صلاح ذاتي- أعمال صالحة، ذكر الله، صلاة الليل، صدقات..- وما رأوا من هم لديه ورغبةً في خدمة ديـن الله تعالى فوقعوا في الحيرة فعادوا على القاعدة بالتغيير، وهذا يقع مع الكثيريـن وإلى يومنا هذا ولولا مخافة الإطالة لذكرت صورًا متعددة لهذا الذي قاله الإمام، وهو يبيـن لك كذلك أن المرء لا تحكمه القاعدة فقط في الحكم والفتيا بل لا بد من اطمئنان نفسه في الحكم على المعيـن، وسمي هذا التعارض بيـن القاعدة والواقع من تعارض الأدلة، فاهتم لهذا جدًا واعذر أخاك بما يرى في الحكم على المعيـنيـن ولا تراه أنت، مع التنبه أن الفتوى والأحكام هي لأهل العلم وليس للجهلة والأغمار.. والله الهادي»٣٢٥أهل القبلة والمتأولون (ص 23، حاشية 93). اهـ.

ثم قال أبو قتادة أيضا: «.. ثم تبيـن لك الفرقان بيـن الزنادقة كالإسماعيلية والقرامطة والدرزية ومن شابههم في هذا العصـر ممن يقولون إن القرآن «إفراز» واقعي أو إن القرآن كتاب مواعظ لا أحكام أو كتاب أدب لا كتاب هداية، أو يقولون إن أمر النبي ﷺ غير ملزم لنا بل هو ملزم لعصـره فقط، أو يقولون إن حكم الله تعالى لا يـنفع اليوم وليس له قيمة في إصلاح الحياة، وبيـن المتأوليـن الذيـن وإن قالوا ما هو كفر من المقالات، وقالوها متأوليـن آية أو حديثًا، أرادوا متابعة الرسول ﷺ ففاتهم المراد، فهم وإن كانوا ضلالًا وقالوا كلمة الكفر إلا أن تكفير الواحد منهم لا بد من إعمال قواعد قضائية فيه وذلك من تحقق شـروط وانتفاء موانع، ثم هذا لا يعني أبدًا أن لا يكفر المتأول أبدًا فقد يغلب على نظر العالم والناظر والمفتي زندقة الواحد منهم مع قوله بعدم كفر آخر يقول بقوله وليس هذا من التعارض والاضطراب في شـيء وإن بدا هذا اضطرابًا وتعارضًا عند من لا يعرف هذا الباب من العلم»٣٢٦أهل القبلة والمتأولون (ص 24، 25)..

انتهى كلامه جزاه الله خيرا، وهو كلام نفيس.

وكلام الفقهاء في الإحالة على اجتهاد ونظر الحاكم والمفتي والقاضـي في أبواب النفقة وفي العقوبات التعزيرية وفي كثير من الأحكام معروف مشهور.

ص 526

ثم اعلموا إخواني أننا نحن أنصار الجهاد يـنبغي أن نكون دعاة إلى الله تعالى في المقام الأول.. فالجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، غايته الكبرى الدعوة إلى الله تعالى، ولهذه الغاية الأساسـية التي يمكن إرجاع جلّ المقاصد الأخرى إليها: شـرع الجهاد، وهكذا فهمه الصحابة رضوان الله عليهم، كما قال ربعي بن عامر h في كلمته المشهورة مخاطبا رستم قائد الفرس وجنده: «نحن قومٌ الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضـيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة» ٣٢٧تاريخ ابن كثير (9 / 621، 622) وقال: «رواها سيف عن شيوخه» وسيف هو ابن عمر التميمي صاحب «كتاب الردة والفتوح» وهو متروك الحديث، اتهمه جماعة بالوضع، لكن قد يُستأنس بمثل هذا الحديث خاصة مع وجود شواهد على حوادث مثله، مع الأخذ بالاعتبار أن العلماء يتسامحون في نقل الروايات التاريخية والاستفادة منها، وهذا هوا الصواب؛ في تفصيل ليس هذا محله..

فنحن دعاة هدىً ودعاة خيرٍ ورحمة وإحسان وعدلٍ وسلامٍ حقًا.! كل ذلك على وَفق ما أمرنا ربنا وشـرع لنا وأحب منا، كما بيـن لنا ذلك مفصّــلا في كتابه العزيز وفي سنة نبيه ﷺ، وعلى ما فهمه سادات الأولياء من الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعيـن، والتابعون لهم بإحسان من العلماء وقادات المسلميـن ممن شهدت لهم الأمة بالصلاح والخيرية.

ولأننا دعاة إلى الله.. فإن أول مراتب الدعوة هي الدعوة بالحال والقدوة وحسن معاملة الخلق والتحلي بمحاسن الأخلاق والفضائل والآداب.

وليعلم كل واحد منا أنه يمثل الإسلام ويمثل المجاهديـن والجهاد في كل منتدى ونادٍ، فإن الناس يـنظرون إلى الديـن وإلى الجهاد والمجاهديـن من خلالنا ومن خلال أخلاقنا ومعاملتنا، وليس شـيء أكثرَ تأثيرا في الناس من حسن الخلق والأدب وحسن المعاملة.

وإن الحق الذي مع الإنسان كثيرا ما يَـشـيـنـه ويـُلغي تأثيرَهُ سوءُ الخلق وقلة الأدب.! والذي يحمل همّ الإسلام ويشعر بالمسؤولية لا بد أن يجعل نصب عيـنيه دائما واجب هداية الخلق وعدم تنفيرهم، وواجب السعي في جرّهم إلى الخير والإتيان بهم إلى أبواب البرّ والصلاح.

أيها الإخوة الأحباب: إنه لا تعارض بيـن صدعنا بالحق وأخذنا بالعزائم ومعالي الأمور وبيـن التواضع لله والذلة للمؤمنيـن، والردّ على المخالف وبيان خطئ المخطئ.

إن هذه الأشـياء كلها مطلوبة، ولله محبوبة.. فلنروّض أنفسنا على استيعابها والعمل بها جملة، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ﴾ [العنكبوت: 69].

اللهم إنا نسألك أن تفقهنا في الديـن وأن تجعلنا من عبادك الصالحيـن.

اللهم ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب عليـنا إنك أنت التواب الرحيم.

اللهم ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وكفر عنا سـيئاتنا، وتوفّنا مع الأبرار.

اللهم فرج عنا وعن أمة محمد ﷺ فرجًا عامًا قريبا.. في غير ضـراء مضـرة ولا فتنة مضلة، بلطفك وعفوك ورحمتك يا أرحم الراحميـن.

اللهم فرج عن عبيدك المؤمنيـن المسجونيـن في سجون القوم الكافريـن، واربط على قلوبهم وثبّتهم وانصـرهم، ويسـر لهم الخير حيث كانوا.

اللهم فرج عن عبدك المحتسب «أبي مصعب» وسائر إخوانه المسجونيـن يا رب العالميـن.

اللهم انصـر عبادك المجاهديـن في كل مكان، وخذ بأيديهم إلى الهدى والسداد، وأمدهم بمددك يا مَن لك جنود السماوات والأرض، وافتح عليهم يا فتاح يا عليم.

اللهم أبرم لهذه الأمة أمرَ رشدٍ يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصـيتك، ويؤمر فيه بالمعروف ويـنهى فيه عن المنكر، برحمتك وقوتك يا أرحم الراحميـن يا قوي يا متيـن.. آميـن..

والحمد لله رب العالميـن حمدًا كثيرا طيبا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضـى.

وصلى الله وسلم وبارك على عبد الله ورسوله ونبيّـه وخليله محمد وآله وصحبه وأزواجه وذريته وإخوانه إلى يوم الديـن.

عطية الله

السبت 9 شعبان 1427هـ

2 سبتمبر 2006م

•••

ص 527