فصلٌ؛ ولْيُعلَم أن الناس في هذه المسائل -كما هو الشأن في سائر المسائل غالبا- طرفان ووسط:
فطرفٌ استخف بهذه الحرمة الكبيرة وبهذه النصوص المتضمنة لأعظم الوعيد والتهديد؛ فأراقوا دماء المسلمين واستهانوا بها، ولم يعرفوا لها حرمةً ولا خافوا الله فيها ولم يرجوا لله وقارًا، وهؤلاء منهم الطواغيت أئمة الكفر الفراعنة لعنهم الله، ومنهم الزنادقة، ومنهم الفُجّار الجبابرة، ومنهم الفسقة المنحلون من أهل الدنيا وأهل اللصوصية وقطاع الطرق وأهل جاهلية العشائر والقبائل في بعض البلاد ونحوهم، ويلحَق بهم مارقو الخوارج كما حدث في بعض البلاد.
وهؤلاء هالكون والعياذ بالله، إلا من تداركه الله برحمته.
وطرفٌ آخرُ صدّتْهُ هذه النصوص وحملَهُ تعظيم هذا الوعيد على تركِ القتال والقتل حيث أذن اللهُ فيه بل وأوجبه؛ فصدّته عن الجهادِ الواجب؛ جهاد المرتدين وجيوشهم والطوائف الممتنعة عن شـرائع الإسلام الظاهرة، بحجة الخوف من إراقة الدماء واحترام أملاك وأموال المسلمين وتحريم إذايتهم وترويعهم.
وهؤلاء منهم قومٌ من مخنثي العزائم؛ ممن يرون القتلَ والموتَ في الحروب سُبَّةً، لم يعرفوا النزال ولا الطعان، ولا مصاولة الفرسان، رقَّت أجسادُهم ونعُمت جلودهم من رغد العيش وترفِ المقام ولذيذ الراحة والهناءة في أوطانهم ومشاريعهم الرخوة المبنية على ثقافة معايشة الكفار و«الولاء الطبيعي» -زعموا- وتعظيم حب الأوطان واختيار الحياة الدنيا وحبِّ السلامةِ والسلام والأمن والأمان والاستقرار ولو على حساب ذهابِ الدين وانتقاضِ عُراه؛ فما أشبههم بمن قال الله فيهم: ﴿أَوَمَن يُنَشَّؤُاْ فِي ٱلۡحِلۡيَةِ وَهُوَ فِي ٱلۡخِصَامِ غَيۡرُ مُبِينٖ ١٨﴾ [الزخرف]، وهؤلاء الذين كتب بعضُ غلاة الزائغين منهم في أحد أشهر مواقعهم على شبكة المعلومات أن الأمن مقدَّمٌ على التوحيد وأهم منه؛ مستدلا -قاتله الله- بقول الله تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنٗا وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ ٣٥﴾ [إبراهيم] فزعم الكاذِبُ على الله أن تقديم إبراهيم سُؤالَ الله ﷻ أن يجعل هذا البلد آمنًا على سؤاله أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام دالٌّ على ذلك.!
فهؤلاء وأمثالهم منَ الذين قال فيهم رسول الله ﷺ: (فَإِذَا رأيتُم الذين يَتِّبُعُونَ ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فَاحْذَرُوهُمْ) رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها في تفسـير قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ﴾ [آل عمران]٦٧٩صحيح البخاري (4547)، صحيح مسلم (2665)..
ومنهم أقوامٌ أهل أهواء مختلفة غير ذلك.. فنعوذ بالله من سوء حالهم جميعا.
وهدى الله أهل الجهاد في سبيل الله على علمٍ وبصيرةٍ وفقهٍ لِما اختلف الناسُ فيه من الحق بإذنه عز وجل؛ فحققوا الحق وأعطوا كل مقامٍ حقه، فحققوا الولاء والبراء وأقاموا الدين كله وأحاطوا به من كل جوانبه حسبَ استطاعتهم باذلين وسعهم مستعينين بمولاهم، وقاموا بواجبِ الوقت وهو التصدَّي لفتنة الردة الكبرى الطاغية المعاصرة؛ كما جاهدوا أعداء الله الكفار الأصليين الغزاة من الصليبيين واليهود والهندوس وغيرهم، واجتهدوا في حفظ دماء وأموال المسلمين وتعظيمها واحترامها والتحرز من إصابتها جُهْدَهُم، مع الاستمرار في الجهاد الواجب؛ فالله مولاهم، وعليه عز وجل أجرهم ونصرُهُم.
❖❖❖