۞ الانتخابات العراقية، وأمريكا

شخصيًا أتوقع بقوة أن الأمريكان سيزورون نتائج الانتخابات وسيحافظون على «علاوي» رئيسًا للحكومة.. لأنهم ببساطة لحد هذه الساعة غير واجدين لشخص يخدمهم بكل نذالة ورُخص مثله، ولتاريخه الطويل الموثوق لديهم في العمل معهم، ولأنه يملك نسبة لا بأس بها من التأييد الشيعي، ولأن البديل له إما تكتّل السيستاني والحكيم والجلبي، وهؤلاء لا تودهم أمريكا كثيرا لقربهم من إيران ولوجود «دين» عند بعضهم وانتسابهم للإسلام، مهما كان ذلك مزيفا ومحرّفًا..

وإما «الباجه جي» وهو وإن كان يخدمهم أيضا وما يقصّر لا بارك الله فيه! وفيه ميزة أخرى وهو أنه سنيُّ الانتساب، لكن هذه الميزة هنا في هذه المرة لعلها عيب وليست ميزة لأنه لو أن أمريكا زوّرت الانتخابات لصالحه «الباجه جي»؛ فإن هذا التصرف سيكون مفضوحًا جدًا، وسيؤدي إلى اتهامات واسعة لها بالتزوير وعدم النزاهة وسيزيد من مشاكلها على المستوى السياسي والثقافي والرأي العام العراقي والعالمي، وفي ظني أن الأمريكان الآن يحذرون من شيء كهذا، مع احتمال أن يقدموا دائما على أي حماقة!

أما «الياور» فهو واحد «خرطي مرطي»، ما أظن حتى الأمريكان يعتمدون عليه، والله أعلم.

هذا من ناحية.

من ناحية ثانية: المتوقع أن الوضع في العراق من الناحية السياسية والأمنية سيزداد تعقيدًا وسوءًا على رأس الأمريكان ومن والاهم.

وأن الانتخابات هذه ستقوّي احتمال اندلاع حرب بين السنة والشيعة، وستكرّس وتعمّق الافتراق على أساس طائفي «سني - شيعي».

بالنسبة لوضع الحركة الجهادية وإخواننا المجاهدين، وهم قرة عيوننا وسواد أفئدتنا ورأس مالنا نصرهم الله وقوّاهم وسددهم وألهمهم الحكمة في كل تصرفاتهم؛ فالمتوقع أن لا يضرّهم أي نتيجة للانتخابات سواء زوّرها الأمريكان كما توقعته أو لم يزوّروها.

إلا في حالة واحدة فقط؛ أن تصرّ أمريكا على تزوير الانتخابات لصالح مرشّح سني وهو «الباجه جي» على الأرجح في هذه الحالة.

ص 1337

فإن ذلك لا شك سيلقي بظلاله على علاقة المجاهدين بالوسط السني العراقي: العشائر، والمشايخ، والإخوان المسلمين وقواعدهم، وهيئة علماء المسلمين وما شابه ذلك.. وسيظهر من يقول: خلاص القيادة الآن في يد السُّنة ولننتظر حتى تقوم هذه القيادة بحل مشكلة الاحتلال سلميا، ولندعم جهودها وو.. الخ كما يقوله الشيعة الآن.!

يعني في هذه الحالة -لو وقع هذا الاحتمال-؛ فإن المجاهدين لا بد سيدخلون في حالة علاقات مختلفة بكثير من الأطراف، ونخشى أن تنطلي اللعبة على بعض الأطراف التي تعدّ الآن مؤيدة للمجاهدين وللمقاومة فتنقلب مثبّطة لهم أو حتى مناوئة لهم.. نسأل الله السلامة.

طبعا إخواننا إن شاء الله لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، والجهاد ماضٍ بحول الله وقوته إلى أقصى غاياته التي يعرفها ويفهمها قيادات المجاهدين وشيوخهم وأهل الحل والعقد والفك والربط فيهم.. والله وليّ التوفيق.

لكنَّ شريعة الأخذ بالأسباب تلزم المجاهدين أن يبذلوا ما يمكن من الدعوة والبيان للناس ويحسّنوا علاقاتهم بمن أمكن من الأطراف السنية الشعبية والعشائرية ويحتووا من يمكن ويتألفوا الناس ويستميلوهم ويرغّبوهم في الكون معهم وفي مواصلة الكفاح والجهاد وأنه شرف الدنيا وعزّها وكرامة الآخرة ورفعتها.

ونسأل الله تعالى بمنه وكرمه أن يبرم لهذه الأمة أمر رشد.. آمين.

وواضحٌ أن الأمريكان يتجهون نحو الانسحاب وسل اليد من العراق وإيكال المهمة للعملاء المحليين، وقواتهم التي سيدعمونها، ويصبون معظم جهودهم القادمة في خانة بنائها وتقويتها لتقوم بالمهمة جيدا، وهذا السبب الرئيسي -والله أعلم- في حرصهم الشديد على إجراء الانتخابات في موعدها، مع ما يرجونه من نجاح سياستهم ونموذجهم.

ولكن أرجو على كل الاحتمالات ألا يكون هناك كبير ضرر على المجاهدين

أنا ذكرت أن أسوأ احتمال يتضرر منه الإخوة هو أن تنتج عن الانتخابات حكومة سنية (على الأرجح بالباجه جي هنا) وغالبا لو تم ذلك فسيكون بتدخل آلة التزوير الأمريكية.

أما في حال أنتجت الانتخابات حكومة شيعية سواء علاوي كما أتوقعه أو تكتل السيستاني؛ فإن الضرر على المجاهدين لن يكون كبيرا إن شاء الله.

شوية ضرر ممكن يحصل، ولا بد منه وفيه الكثير من المصالح بالمقابل: فيه تميز الصفوف وخلوص الجهاد من المدّعين والنفعيين والطفيليين!

لكن الظن عندي أنه ليس بالدرجة التي يقال فيها إنه كبير وإن المجاهدين مثلا سيصعب عليهم مواصلة العمل وسيتخلى عنهم المعين والمتعاطف من الشعب العراقي أولا ثم من المسلمين

هذا بعيد إن شاء الله، والله أعلم.

ص 1338

ستظل عملية تكوين جيش عراقي وقوات أمن للحكومة مسألة صعبة جدًا ومعقدة ولن تتحسن ظروفها كثيرا بالنسبة لهم.

وسيتعمّق بلا شكّ ولا ريب الخلاف الشيعي السني في اتجاه حربٍ أنا أراها آتية لا محالة، وإذا وقعت فإنها ممكن أن تؤدي إلى انفجار في المنطقة بشكل غير مسبوق!

ونسأل الله أن يجعل عاقبتها خيرا ورشدًا للمسلمين.

أخي لم أفهم إشارتك إلى ما حصل بعد الانتخابات الأفغانية، فالمعلومات التي لدي أنه ما حصل شيء يذكر من التأثير السلبي على جهاد الإخوة هناك من طالبان وأنصارهم ومن معهم.

أمور الجهاد والمجاهدين ماشية بشكل عادي ولله الحمد.

والتعاطف الشعبي الأفغاني والباكستاني مستمر ولم يتغير.

أما محاولة المجاهدين إحباط العملية الانتخابية في العراق فهو تصرف صحيح ولا بد منه.

من أجل منع أي شبهة «شرعية» للدولة والحكومة القادمة سواء كانت شيعية أو سنية الانتساب -وهذا يندرج فيه ما أشرت إليه أنت-، ومن أجل تحطيم النموذج الأمريكي المراد فرضه، وإفساد أي فرصة للنجاح على الأمريكان يمكنهم التفاخر بها واستغلالها دعائيا وسياسيا، ومصالح كثيرة.

فليس للمجاهدين إلا محاولة إحباط وإفساد العملية الانتخابية وإفشالها والنهي عنها والتحذير منها ومنع الناس من المشاركة فيها.. هذا هو الصحيح لا شك بمقاييسنا.

وأما موقف هيئة علماء المسلمين فأنا خائف منه!! ولله الأمر من قبل ومن بعد؛ نسأل الله أن يلهمهم رشدهم ويبصّرهم بالصواب. ونسأل الله أن ينصر عباده المجاهدين ويقوّيهم ويمدّهم بمددٍ من عنده وأن يلهمهم الحكمة وفصل الخطاب، آمين.

وما كل هذا الذي قلناه إلا الظنون، و﴿لَّا يَعۡلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلۡغَيۡبَ إِلَّا ٱللَّهُۚ﴾ [النمل: ٦٥].

وهو وحده الذي له الخلق والأمر سبحانه، وقد يحدث من أمره ﷻ ما ليس في حسباننا!

اللهم أبرم لأمة محمد ﷺ أمرَ رشدٍ يا رحمن.. آمين.

[كُتبت هذه المشاركة بتاريخ: 24/ 1/ 2005م]

•••