• مسلاة البساط:

كان من اللافت للنظر منذ وقتٍ مبكر من عُمر الثورات العربية وبالتحديد مباشـرة بعد نجاح الانتفاضة الشعبية المصرية في الإطاحة بالطاغية حسني الـ«لا مبارك»..

ص 892

تلك الأحدوثة التي تقول إن هذه الثورات سحبتِ البساط من تحت أقدام القاعدة، وكان من أهم مطلقي هذه الفكرة ومن تولى كبَرها العجوزُ النصراني «روبرت فيسك» الذي أفنى عمرَهُ يجوب أقاصـي الأرض، ويدون لحروب البشـر وجَمَع من الأخبار وحكايات الناس وأوعى وتَخَصّصَ في شأن الشـرق الأوسط؛ ولكنه للأسف لم يهتدِ إلى أهم شـيءٍ وأشـرفه وأغلاه وأعزه في الشـرق الأوسط وهو دينُ الله ورسالته الخاتمة وشـريعة الله الناسخة للشـرائع السماوية التي سبقتها.

دين الله الذي هو التوحيد الذي لا يقبل الله تعالى دينا سواه، ومن لم يدخله ويأتِ به يومَ القيامة فهو هالكٌ معذَبٌ خاسـر الخسـرانَ العظيم الدائم.

دين الله الذي هو عبادةُ الله وحده لا شـريك له واتباعُ رسوله محمدٍ خاتم الرسل ﷺ، وبه ينتظم الإيمان برسل الله الكرام أجمعين؛ لم يهتدِ روبرت لهذه القيمة العظيمة ولا رفعَ بها رأسًا، ولا يزال متخلّفًا سادرًا في متابعة دين قومه وجاريًا مع تيارهم الخاطئ الجامح في ضلالته، ولم يملك -للأسف- الشجاعة- التي قد يبدو لبعض من يقرأ له أنه يتصف بها- لكي يتخذ قرارَ تحقيق غاية وجوده وإنجاءِ نفسه وتحديد مصيره الأخروي بنجاح!! وإن لم تدركه رحمة الله ويهدِهِ الله ليندمنَّ ندامةً لا فسحةَ بعدها ولا مردّ، وليكونن مصيرُه بعد هذا التطواف في العالم وبعد تلك الكتابات الرائقة والمقالات الشاقة والتصويرات البديعة والتشبيهات البليغة أن يردَّ النارَ الحامية والعذابَ الأبديّ مع الكافرين المكذِّبين لله ورسله.!

وتلقف تلك الأحدوثة بعده صحفيّون ومتحدثون آخرون ممن يسمون بـ «المحللين» وتلقاها منهم بألسنتهم بعضُ الصحفيين والمذيعين في قنوات فضائية وغيرها ممن هم أقربُ إلى السطحية وأبعدُ عن التحقيق، وممن يتلقون الفكرة المزوّقة ويفرحون بها ويظلّون يرددونها، بالإضافة إلى أناس آخرين ممن يسمون بـ «الإسلاميين» كأن الأحدوثة وقعت منهم موقعًا مستلذًّا!

وعقد الإعلامي «محمد كريشان» في «قناة الجزيرة» حلقة خاصة للترويج للفكرة، واستضاف ثلاثةً ممن أيدوا الفكرة تحصيلَ حاصلٍ، منهم النصراني خاوي الوفاض: «جهاد الخازن»؛ فبالله عليكم ما دخلُ النصرانيّ المثلِّثِ في أن يفتي في شأن التغيير الإسلاميّ والجهادِ.. ويحكم هل سُحب البساط من تحت القاعدة أو لم يُسحب؟! وقد ظهر في الحلقة تهافته وسخافة تصوره وسطحية نظره وضحالة إلمامه وتخبّطه وضعفُ معلوماته!، وثانيهم ولعله أمثلُهم طريقة في المسألة؛ الأستاذ الكاتب: «فهمي هويدي»؛ فإنه أنصف بعض الإنصاف واعترف بدورٍ للقاعدة والمجاهدين في المشاركة في التأسـيس لهذه الثورات من خلال إحياء روح التحدي والجهاد والمقاومة للطغيان، وثالثهم الأستاذ: «محمد الأحمري»؛ الذي وافق على ما سموه «موت فكر القاعدة»! ودعاة السّلم والسلمية واللاعنف من المفكرين الإسلاميين وممجدو مذهب غاندي وفلسفات مالك بن نبي ومذهب ابن آدم الأول وخزعبلات جودت سعيد والمخذول خالص جلبي وغيرهم.

ص 893

معروفون معروفةٌ أفكارهم وهي قديمة، ونقدُهم والرد عليهم قد أخذ مجاله وتجاوزتهم الحركة الجهادية وراءها منذ مراحل، إنما قد يتجدد للفكر المتأثر بهم بهذه الثورات نبتٌ غيرَ أنه لا يلبثُ أن يذبُلَ إن شاء الله لأن مصادمته للشـرع والقدر مصادمة كلية، وبالمناسبة وللحق؛ فالأستاذ «الأحمري» له نقدٌ في السابق لبعض هذه الفلسفات من دعاة الخيال المسمى اللاعنف أجاد فيه، وليس هو من دعاة هذا المذهب بإطلاق؛ إنما قد يوافقهم بعض الموافقة، ووافق قولُهُ -على خجلٍ- رأيَ التيار في هذه الأحدوثة المطروحة، وحريٌّ به أن يتأمل المقام وينصف.

وقد تجنى المذيعُ «محمد كريشان» وأجحف وما أنصف، خلع عن نفسه ثيابَ الموضوعية حين زعم زورًا وبهتانًا أن القاعدة لم تدعُ يومًا إلى إزالة هذه الحكومات والإطاحة بها ولا تحدثت عن فسادها، غافلًا في زيغةِ حاله وانبهارِه بما حصل عن حقيقة دعوة المجاهدين وأدبياتهم المتكاثرة؛ بل ومحاولاتهم المتضافرة في محاربة هذه الأنظمة الطاغوتية وكشف فسادها وظلمها وتجبرها وتبيين خروجها عن دين الله وخيانتها وعمالتها وإجرامها، ودعوة الأمة إلى الخروج عليها ونبذها ومنابذتها وتغييرها بالطرق المشـروعة.. غفل كريشان وغيرُه كثير عن أن هذا هو بمثابة الركن في فكر القاعدة وعموم المجاهدين، كيف وهم أعداء هذه الأنظمة «رقم واحد»، وهم الثوار الأوائل والأواخر عليها؟! فسبحان الله ما أصعب توضيح الواضحات.!

هل سبب كلام هؤلاء هو ظن ظنّوه ورأي ارتأوه مبنيّ على أساس من التفكير صحيح؟ أو هو قولٌ وفكرةٌ انقدحتْ لهم للطعن في منهج القاعدة منهج الجهاد غذَّاها هوىً قديم وميلٌ متعدد الاتجاهات؟ الله أعلم، ولا نريد أن يقولوا -وما أسـرع أن يقولوا-: إننا ندخل في النيات؛ ولو فقهوا لعلموا أن النوايا إذا كان عليها علامات وأمارات ظاهرة أمكن التكلم فيها بحسب ما يظهر من الأمارة والدلالة، وأحوال المتحدثين بهذا الكلام لا تخفى؛ وما الظن بكافرٍ نصرانيّ يتحدث عن المجاهدين وعن القاعدة؟! والأهواء مسـيطرة فيما دون ذلك، وانظر إلى الحلقة كيف أنه لم يذكر الله ﷻ فيها ولا اليوم الآخر إلا قليلا!

وغالبُ ظني أن كثيرًا من المتحدثين بهذه الفكرة وجدوا فيها مَسْلاةً لهم ولضمائرهم عمَا غمّهم زمنًا طويلًا من حجج منهج الجهاد وقوة منطقه ووضوح رايته ونصاعة مطلبه وغايته، فهي أقربُ إلى أن تكون حركة نفسـية تمظهرت في فكرة وتحليل -زعموا-.