الشيخ أسامة بن لادن.. نسيجُ وحـدِهِ

[شذرات من سيرة الشيخ الإمام «أسامة بن لادن» رحمه الله، نُشِرَت في: «مجلة طلائع خراسان» العدد التاسع عشر، في: رمضان 1432، وقد نُشِرَ بلا اسم لكنه من كتابة الشيخ رحمه الله]

نعم، إنه جبلُ الفضائل، وسابقُ عصرِهِ..

ولا غروَ أن يتحيّر الكثيرون في وصفه والتعبير عنه، ولا عجبَ أن يكون مقتله إلهامًا لأجيالٍ كما كان ممن أحيا الله بهم جيلنا هذا.

ولا عجب أن يكون تأثيره مستمرًا في نصـرة الدين والنكاية في أعدائه حتى بعد مغادرته دنيانا.

يصعب الحديث عن الشيخ أسامة رحمه الله ورضي عنه؛ لتعدد جوانب شخصيته وقلة عهدِ الناس بمثله في أزماننا.

إنه جبلٌ في الصدق والإخلاص نحسبه كذلك، وجبلٌ في الأخلاق والسماحة والكرم والشجاعة والعفّة والصيانة والمروءة.. جمع بين أطرافٍ من الشمائل جمعًا بديعًا إيجابيًا، وكان هذا سببَ تحيُّرِ الكثيرين في أمره وتقييمه:

لِينٌ بالغٌ وحلمٌ وافرٌ وسماحة وتواضعٍ وهدوء ورزانة وحياء، مع شدَّة شكيمة وقوة إصرارٍ إلى درجة أن يصفه بعضُ الناس بـ«العناد».

ص 1268

[البحر: الطويل]

[البحر: الطويل]

هُوَ الْعَسَلُ المَاذِيُّ لِينًا وَشِيمَةً 

وَلَيْثٌ إِذَا لَاقَى العَدُوَّ غَضُوبُ١٬٠٢٧قاله: كعب بن سعد الغنوي، في رثاء أخيه أبي المغوار، انظر: العقد الفريد (3/ 227). والعسل الماذي: الأبيض الصافي.

[البحر: السريع]

[البحر: السريع]

وَلَيْسَ عَلَى اللهِ بِمُسْتَنْكرٍ 

أَن يَجْمَعَ الْعَالَمَ ِفِي وَاحِدِ١٬٠٢٨قاله: أبو نواس؛ في مدح الفضل البرمكي، انظر: ديوان أبي نواس ط 1884م (ص 22).

احتوى على صحة الديانة واستقامة السيرة وحُسنِ الطوية فهو دائمُ النيّة للخير، وسلامة الصدرِ؛ فلا يحمل الحقد والغلّ على مسلمٍ، ورفعة الأخلاق والشمائل وجميل المعاشرة، وحسن الصحبة، مع زهدٍ في الدنيا وترفعٍ عن سفاسف الأمور وبُعدٍ عن المزاحمة على الزخارف.. مع أخلاق الفروسية والشهامة، وما حباه الله من مواهب القيادة وأسرار مفاتيح السيادة والريادة، وبهاء الطلعة والصورة التي تأسر القلوب.

رحمه الله وغفر له.. إنه قدوةٌ من القدوات لما اقتدى بالنبي ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم؛ فقد كان شديد التعظيم للسنة والمحافظة عليها، ولسِيَرِ الصحابة، شديد العناية بالتنقيب عنها والتأمل فيها والتمثّل بها، وله ولوعٌ بسيرة سيدنا عمر بن الخطابِ h.

وقد رأينا أناسًا كثيرين تنكبوا سبيل القصد في الحديث عن الشيخ، وقسطوا في تقييمه والحكم عليه، بسبب تعدد شمائله ومواهبه وتنوع جوانب شخصيته، والحقُّ أن هذا كثيرًا مَّا وقع في حق المشهورين من الزعماء والقادة وسادات الناس، والله عليم حكيم، يحكم بين عباده يوم الدين، وفي هذه الدارِ ولو بعد حين.. وكفى الشيخ فخرًا وشرفًا إن أراد أن يفخر بأنهم يتباهون برؤيته أو السلام عليه أو حضور مجلس معه.

سمعتُ بعضهم يقول: «ابن لادن» لو نظر إليه طفلٌ صغيرٌ لطأطأ رأسه حياءً وخجلًا.

ص 1269

يشيرُ إلى وفور حيائه ولين خلقه وسماحته، يستدلّ بذلك على أنه -أي الشيخ أسامة- بعيدٌ عن العنفِ كما قال، وبعيدٌ عن هذا الفكر العنيف -الجهادي- وأن هذا الفكر كما قال هذا القائل المومَأ إليه دخيلٌ على ابن لادن، وأنه ما حملَه عليه إلا فلانٌ وغيرُه من المصريين وغيرهم!

فقلتُ: سبحان الله؛ رأوْا طرفًا من أخلاق الشيخ وتحيّروا في الجمع بينها وبين بقية أخلاقه وشمائله وصفاته، وعزّ عليهم استيعاب أحواله.

وسمعتُ معلقًا يعلّق على كلمة الشيخ الأخيرة الموجهة إلى الأمة الإسلامية المؤيدة المشيدة بثورات شعوبنا العربية، فيقول ما معناه: «لو علِمَ أعداؤه أي فكرٍ وصل إليه ابن لادن لما أقدموا على قتله». يريد هذا المعلّق أن ابن لادن قد آلَ إلى فكرة العمل السلميّ، فقلتُ: لعل الأعداء فهموا ابن لادن ودرسوه واستوعبوا خِلاله أكثر من هذا المعلّق الذي أضاء له جانبُ الرحمة واللين والرقة والحنان من شخصية الشيخ؛ فظن أنها كلّ شيءٍ وغفل عن تكامُل شخصية الشيخ وما درى أن هذا جزءٌ مما وفقه الله إليه وأكرمه به من تكامل الفضائل وقوة النفس وسعة أفقها ومدى حركتها.

وقال المعلق المشار إليه: «إن إشادة الشيخ أسامة بالثورات العربية وتأييده لها يدل على إخلاصه لقضية أمته»، ونحن نقول: إنه الإخلاصُ لله ﷻ؛ ونصـرُ الدين والسعيُ الصادق لإعلاء كلمة الله، عبادةً لله وحبًّا له وابتغاءً لمرضاته سبحانه والفوز بين يديه، لا غيرَ، والله حسيبه ولا نزكي على الله أحدًا، وذلك الذي فقده كثيرٌ من الزعامات حتى «الإسلامية» منها، والذي فاق فيه الشيخ، وذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء.

لم يتبرّم ابن لادن بالثورات، ولا توهّم أنها يمكن أن تزاحمه على زعامةٍ أو «تسحَبَ البساطَ» من تحت قدميه، كما يتوهّم أهلُ الدنيا حتى ممن ينتسبون إلى الدين، بل استبشر بثورات الشعوب وسُرَّ وأيّد والتحمَ معها بما استطاعَ وأمرَ بنصرها والوقوف معها.

لما قرأت كلماته رحمه الله في آخر رسائله وهو يتحدث عن هذه الثورات ويقول: «وإن ما نشهده في هذه الأيام من ثورات متتالية حدثٌ هائل وعظيم جدًا ويغلب على الظن حسب متابعة الواقع وتأمل التاريخ أنه سيشمل معظم العالم الإسلامي بإذن الله والأمور بفضل الله تسير وبقوة نحو خروج ديار المسلمين من الهيمنة الأمريكية.. فهذه الأحداث هي أهمُّ أحداث تشهدها الأمة منذ قرون فمنذ أن دخلتِ الأمةُ فيما هي فيه لم تشهد أي تحركاتٍ لإنقاذها بضخامة التحركات الشاملة التي انطلقت بفضل الله في هذه الأيام، ومعلومٌ أن التحركات الشعبية الشاملة تغير الأوضاع لا محالة فإن ضاعفنا جهودَنا لتوجيه الشعوب المسلمة وتفقيهها وتحذيرها من أنصاف الحلول مع الاعتناء بحسن تقديم النصح لها ستكون المرحلة القادمة للإسلام بإذن الله» اهـ.

لما قرأت هذه الكلمات أخذتني منها هِزّةٌ وتعجّبتُ -وما استغربتُ- إذ لم يذكر أحداث الحادي عشر من سبتمبر ولا أشار إليها كما يفعل من يعمَل لنفسه، وهو صانع تلك الأحداث وبطلها، بل قال بكل سهولةٍ ويسرٍ عن هذه الثورات إنها أهمُّ أحداثٍ تشهدها الأمة منذ قرون.

فلله درُّهُ، ولله محياه ومسعاه ومماتُهُ.. اللهم ارحمه واغفر له واعفُ عنه، وألحقه بالشهداء المرضيين عندك، وبارك في أثرِه وعقبه..

آمين

•••

ص 1270

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: الشيخ أسامة بن لادن.. نسيجُ وحـدِهِ

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا