[النصيحة لمن يقرأ للشيخ «عبد القادر عبد العزيز» ولا يحيد عن كلامه ألبته، والرد عليه في مسألة: «تكفير أعوان الطواغيت»، وذكر بعض المؤاخذات على كتابه: «الجامع في طلب العلم الشريف»، والقول في من انتخَب أو انتُخِبَ أو دعا لذلك من العلماء، وحكم تَقَصّد الشيعة عمومًا بالقتل، والتفصيل في مسألة «العذر بالجهل»، وحكم مفاداة المرتدين بالمال عند الحاجة إليه]

أولا: بعض المجاهديـن كثيرا ما يجعل كلام الشـيخ «عبد القادر بن عبد العزيز» حجة ومرجعا لا يكاد يحيد عنه؛ فهل من كلمة توجهها لهؤلاء الإخوة؟.

ثانيا: بعض المجاهديـن -وهم قلة- اتخذ من كلام الشـيخ «عبد القادر» حجة في تكفيره لأعوان الطواغيت وأن فيهم إجماعًا قطعيًا ومن خالفه فقد كفر؛ فهل ترى أن من اتخذ ذلك أصاب أم أخطأ؟ وهل ترى أن الشـيخ أصاب في حكمه هذا أم أخطأ؟.

ثالثا: هل يمكن أن تتحفنا ببعض مؤاخذاتك عن كتاب «الجامع في طلب العلم الشـريف» للشـيخ عبد القادر إن وجدت، أم أنت مقر لكل ما ورد فيه؟؛ فإن بعض الإخوة الخيريـن يجعل هذا الكتاب مرجعا له لا يحيد عما جاء فيه ويخطئ المخالف بل ويشنع عليه وربما يصفه بالإرجاء أو الكفر بناءً على قناعته بصحة قول الشـيخ في تلك المسائل التي منها تكفيره لأعوان الطواغيت، وأن من لم يكفرهم فهو كافر؛ لأن فيهم إجماعا قطعيا من خالفه فقد كفر.

خامسا: كيف نحكم على المشاركيـن في الانتخابات التشـريعية والبرلمانية والبلدية؟ وهل في الحكم عليهم تفصـيل أم هم فيه سواء؟ وما حكم أعضاء البرلمان من الإسلامييـن كالإخوان وغيرهم الذيـن دخلوا البرلمان بدعوى المصلحة وتخفيف المفاسد وإبلاغ صوت الحق لهم والسعي للحكم بالإسلام من خلال الانتخابات والبرلمان وغيرها من المبررات التي يذكرون.. وأنت بها أعلم، وما حكم من يدعو للمشاركة في الانتخابات كالشـيخ «عبد الرحمن عبد الخالق» والشـيخ «سلمان العودة» وغيرهما؛ أي هل هؤلاء الداعيـن للانتخابات كفار، أم مسلمون مبتدعون ضالون، أم مسلمون صالحوـن مصلحون، أم مسلمون مخطئون معذورون، أو غير ذلك.

ص 663

ثامنا: هل ممكن أن تبسط لنا القول في مسألة «العذر بالجهل» وتفيدنا فيها ولو ببعض الأساسـيات؛ لعل الله أن يحفظنا بها من الزلل والضلال؛ لأنها تهمنا جدا في الحكم على عموم المسلميـن ممن يرتكب الشـركيات والكفريات، وتهمنا جدا في الحكم على أعوان الطواغيت كالشـرطة والجيش في البلاد الإسلامية التي يحكم الحكام فيها بغير ما أنزل الله، وهل هم معذورون بالجهل أم لا؟ وكيف نقيم عليهم الحجة إن كانوا معذوريـن وهم طائفة ممتنعة، ولو قلت أننا لا نحكم عليهم بالكفر عيانا وقلت أنهم طائفة كفر وردة يقاتلون مقاتلة المرتديـن فكيف التصـرف مع من قتل منهم بأيدي إخواننا المجاهديـن من حيث الميراث وغيره.

الثامن عشـر: هل ترى جواز مفاداة المرتديـن ممن يقع في أيديـنا بإخواننا المأسوريـن في أيدي الطواغيت أو بمال نحن في أمس الحاجة إليه في جهادنا لأعدائنا؟ أم هو كما قال شـيخ الإسلام: «لا يجوز مفاداة المرتد بمال أو بغيره» ونقل عليه الإجماع؟

[السائل: مع الحق]

الجواب:

جزاك الله خيرا أخي «مع الحق»، وحفظك الله، وغفر الله لنا ولكم.

ونأخذ الأسئلة فقرة فقرة، وبالله نستعيـن:

«أولا: بعض المجاهديـن كثيرا ما يجعل كلام الشـيخ «عبد القادر بن عبد العزيز» حجة ومرجعا لا يكاد يحيد عنه؛ فهل من كلمة توجهها لهؤلاء الإخوة؟.»

الشـيخ «عبد القادر بن عبد العزيز» من أهل العلم والتحقيق والفضل جزاه الله خيرا وفرّج الله عنه، وكتبه فيها خيرٌ وعلم نافع، وفيها تحريرات مهمة لطالب العلم، ومساهمته في إثراء المكتبة الجهادية المعاصـرة كبيرة غير خافية، نسأل الله تعالى أن يجعلها في ميزان حسناته وحسنات من ساعده وكان سببا في ذلك.. ولكن كل إنسان يؤخذ من قوله ويردّ إلا النبي ﷺ، وكل عالم وكاتب يخطئ ويصـيب، ومهما يبلغ الإنسان من التحقيق والتحرير وقوة الحق في الجملة لا بد أن يـناله نصـيبه من الخطأ والنقص المكتوب على بني آدم، واعتبر بشـيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وأمثاله من الأئمة المسدديـن الخيّريـن.

والجيل المسلم يحتاج إلى مَن يتصدى من أهل العلم للمسائل الكبيرة المعاصـرة ويكون من أهل الجهاد والهجرة في سبيل الله وممن عانى الأمور وجربها وذاق حلوها ومرها، وهذا ما توافر في الشـيخ «عبد القادر» فرج الله عنه.. فساهم جزاه الله خيرا مساهمة فعالة حقا في هذا.

ص 654

وكون الكثير من الشباب يعتمدون على كتاباته وتحقيقاته في المسائل الجهادية ومسائل البلاء المعاصـر بالدول المرتدة وفتنتها، فهذا طبيعي غير مستغربٍ، لكن يجب أن يعرف شبابنا أن بعض المسائل التي بحثها الشـيخ عبد القادر في كتبه كـ «الجامع» و«العمدة» وغيرها، ومنها مسائل حساسة وشائكة، قال الشـيخ فيها رأيه وقد يخالفه غيره فيها، وهي مسائل اجتهاد، مثل مسألة «أعوان الطواغيت المعاصـريـن» (جيوش وشـرطة الدولة المرتدة المعاصـرة) ومثل مسألة «العذر بالجهل»، ومثل بعض مسائل «الحكم بغير ما أنزل الله»، ومثل بعض الكلام في «مسألة الموالاة»، وغيرها..

فيـنبغي لشبابنا أن يتربوا على الاستفادة من كل عالم من أهل العلم الموثوقيـن المحققيـن، لكن لا يتعصبوا لأحدٍ، ويعلموا أن كل أحدٍ يخطئ ويصـيب، وأن يعرفوا معنى المسائل الاجتهادية ويعرفوا فقه التعامل معها وآدابه، ويجب أن يعرف كل إنسان قبل ذلك مستواه وقدره، فلا يتسوّر على ما لا يستطيعه وما لا يليق به.! فبعض الشباب قرأ بعض المسائل في «الجامع» فظن أن هذا هو الحق الذي ليس بعده إلا الضلال، وجعله كالقرآن المنزل، وجعل نفسه بمنزلة المحيط بالحق المستولي على ما هنالك!! وهذا هو مكمن الخطأ، في حيـن أن الحق أن الكثير من تلك المسائل فيها تفاصـيل كثيرة محل بحث ونظر واجتهاد، والشـيخ قال قوله باجتهاده وقد يخالفه غيره كما قلنا في بعضها.

والحق أيضًا أن طبيعة أسلوب الشـيخ «عبد القادر» وقوة شخصـيته واعتداده بنفسه وعلمه، التي لها بصماتها وأثرها الواضح على كتاباته ساهمت في ذلك.!

وقوة الشخصـية والشجاعة العلمية محمودة في الجملة بلا شك، ولكن لا شـيء أحسن من اعتدال الأخلاق، وهو فضل الله يؤتيه مَن يشاء، والموفق هو مَن يوازن بيـن هذه الفضائل: بيـن شجاعته في الحق وقوة شخصـيته وبيـن إعطاء المسائل قدرها من البحث والنظر، والمعرفة بقدرها وعمقها وخطرها وطول ساحلها، وبيـن فضـيلة الاحتياط والورع.. والشجاعة كما عرّفها الحكماء هي: «الإقدام في محل الإقدام والإحجام في موطن الإحجام».

والعالمُ الكبير المتبحّــر في العلم تراه يتردد في مواضع لو عرضت على كثيريـن من الطلبة الصغار لأسـرع الفصل فيها!! ويخال الضعفاء ذلك ضعفا، وإنما هو دليل القوة ومحض الفضـيلة، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وهذا معروف مبسوط في كتب آداب العالم والمتعلم، والله هو وليّ التوفيق، والعاقبة للتقوى، فالله ﷻ هو الذي يضع القبول لمن يشاء من خلقه على وَفق الأسباب التي بيـنها الله في شـرعه وخلاصتها التقوى والصلاح (مجموع العلم النافع والعمل الصالح)، ولا يصح إلا الصحيح كما يقال، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ ١٧﴾ [الرعد].

ص 645

ولا شك أن الشـيخ «عبد القادر» له حظ طيب من كل الفضائل المذكورة وغيرها، بارك الله فيه، لكن قد غلب عليه -في نظري- في بعض الأحيان الاندفاع وشـيء من التفرّد من فرط قوة الشخصـية والاعتداد بالنفس وما آتاه الله من المهارة والملكات البارعة؛ فتراه جزم في مواضع كان يـنبغي فيها التردد والاحتراز أكثر، وأن يقول: يظهر لي كذا، ويُــحتَـمَـل كذا، ولا يخرجها مخرج المسألة المقطوع بها، فيظن الجاهل الغرُّ أنها الحق المعلوم من ديـن الله الذي ليس وراءه إلا الضلال!! فيتربى الشباب على التشدد وتحصل مفاسد كثيرة، في حيـن أن الواجب هو تربية شبابنا ونشئنا على سعة الأفق وتحقيق الحق والعدل والإنصاف والتدقيق والورع والاحتياط، ونبذ العجلة والتسـرع المذموم، ومعرفة كل إنسان بقدره، وتربيتهم على أدب العلم وأدب الخلاف وفقهه؛ فإننا في زمن فوضـى وتقصـير من العلماء على الجملة، فإذا مَنّ الله عليـنا برجلٍ مسدد موفق مجاهد شجاع، فإن كمال التوفيق والسداد أن يكون متزنا معتدلا مربّيــًا الناس، ربَّانيًّا، قال بعض السلف: «هو مَن يربّي الناس بصغار العلم قبل كباره»٢٩٦ذكره البخاري في: صحيحه، باب: العلم قبل القول والعمل، بعد حديث (67)..

فالعلم لا بد أن يكون مقرونًا بالتربية ملازمًا لها، تربية النفوس وتكميلها بالفضائل والأخلاق، فإذا وقع الانفصام بيـن هذيـن المقصديـن وقع الخلل بقدره.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

والحاصل أن النصـيحة لشبابنا: ألا يستعجلوا في الجزم في سائر المسائل التي وقع فيها النزاع واختلفت فيها الاجتهادات، وأن يلازموا التثبّت والبحث، ويستعملوا الاحتياط في الديـن بأن يتشبّثوا برؤوس المسائل المقررة المتفق عليها ويذروا ما كان غير ناضج وغير متقرر بعد، وما كان غريبًا، وفيه مجال للنظر، يذروه لأهل العلم يحررونه ويـنضجونه، ويكتفوا هم (الشباب) بالمعلوم المتقرر، كما إليه الإشارة في قوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا ٦٥ وَلَوۡ أَنَّا كَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَنِ ٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ أَوِ ٱخۡرُجُواْ مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٞ مِّنۡهُمۡۖ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَشَدَّ تَثۡبِيتٗا ٦٦ وَإِذٗا لَّأٓتَيۡنَٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٦٧ وَلَهَدَيۡنَٰهُمۡ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ٦٨﴾ [النساء]..

وأرى أن من مثاله ما قدمتُـه مرارًا من النصح في مسألة جيوش وشـرطة الحكومات المرتدة المعاصـرة: النصح بالتمسّـك بالثابت البيـن الواضح المتقرر اتفاقًا مِن وجوب جهاد هذه الحكومات المرتدة، أن حكمهم (جيوشهم وكل أعوانهم) في الحرب أن يُقاتَـلوا قتال المرتديـن، وأما الحكم على أعيانهم بالكفر فهذه مسألة شائكة محتملة محل نظر ولمّــا تنضج بعدُ النضج الكامل المنتهي، وفيها صورٌ مختلفة في القوة والضعف، فعلى الإنسان أن يحتاط ولا يجزم في موضع الاحتمال، فإن هذا مزلة.!

ص 636

وإذا عمِــل الإنسان بما يعلم علّــمه الله تعالى علمَ ما لم يكن يعلم، كما جاء ذلك في بعض الآثار، وكما تدل عليه آيات النساء المتقدمة، وكما أخذه بعض أهل العلم من نحو قوله تعالى: ﴿إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا﴾ [الأنفال: 29]، وقوله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِۦ يُؤۡتِكُمۡ كِفۡلَيۡنِ مِن رَّحۡمَتِهِۦ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ نُورٗا تَمۡشُونَ بِهِۦ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٨﴾ [الحديد].

ومن صفة الإنسان الموفق: أنه يعمل بما علّمه الله من الحلال البيـن، ويجتنب الحرام البيـن، ويجتهد في اجتناب ما اشتبه، وما كان غريبا من مسائل العلم تفرّد به بعض الناس، فلا يسارع في اقتناصه والفرح به مهما بدا جميلا مزيـنا بالاستدلالات؛ بل يزيد من قوة التثبّت فيه، لأن الغرابة والانفراد علامة توجب مزيد التثبت.!

فإذا ما حصحص الحق وظهر وبان وحصل التثبت منه جدًا ووقف الإنسانُ على جليّته، فثمّتَ عزمَ الأمرُ، أمرُ العملِ، وهناك يـنزل المدد من الله تعالى على عبده الضعيف الخاضع المستجيب لأمره، كما قال النبي ﷺ في الإمارة -وهي أمانة ومسؤولية-: (إنك إن أعطيتها عن غير مسألة أعِـنتَ عليها، وإن أعطيتها عن مسألةٍ وُكِـلتَ إليها)٢٩٧صحيح البخاري (6722، 7146، 7147)، صحيح مسلم (1652)..

ومَن لم يقدر على طلب العلم والبحث، فليعرف قدر نفسه ودرجته، وليكثر من سؤال أهل العلم، ولا يظن أن أي شـيء قرره «عبد القادر بن عبد العزيز» أو غيره أنه هو الحق بالضـرورة وليس بعده إلا الضلال.!! وعلى أهل العلم أن يبيـنوا الأخطاء حتى لا يغتر بها الناس، وحتى يكتمل بحث ونضج المسائل ويصل الجيلُ فيها إلى التحقيق بإذن الله تعالى.. والله الموفق عز وجل.

«ثانيا: بعض المجاهديـن -وهم قلة- اتخذ من كلام الشـيخ «عبد القادر» حجة في تكفيره لأعوان الطواغيت وأن فيهم إجماعًا قطعيًا ومن خالفه فقد كفر؛ فهل ترى أن من اتخذ ذلك أصاب أم أخطأ؟ وهل ترى أن الشـيخ أصاب في حكمه هذا أم أخطأ؟».

أعوان وأنصار الطواغيت المقصود بهم: أفراد جيوش وشـرطة وسائر أجناد الدولة المرتدة المعاصـرة.. فهؤلاء هل يُــحكم عليهم بالكفر بإطلاق، أعني أعيانهم، كما قاله الشـيخ «عبد القادر»؟ أو يفصّــل فيهم كما ذكره غيره، وعليه أكثر مَن نعرف من المشايخ والعلماء الذيـن نظروا وتكلموا في المسألة؟

قدمتُ في أجوبة سابقة أن الصحيح هو التفصـيل فيهم، فليراجع في محور «الجزائر» من هذه الأجوبة، وفي غيره أيضا.

ص 628

وقول الشـيخ عبد القادر ومَن قال بقوله هو رأي في المسألة محتمل، وليس الخطأ الكبير هنا، فهذا اجتهاد في محله من أهله، لكن الخطأ هو أن الشـيخ ظن أن هذه المسألة مما لا يُـــحتَـمل فيها خلاف مخالفٍ، وأنها من المعلوم من الديـن بالضـرورة حكمُــها، وأن عليها إجماعا قطعيا، ورتّب على ذلك أن المخالف فيها مخالفٌ لإجماع قطعيّ، ومخالفُ الإجماع القطعي (أي المعلوم من الديـن بالضـرورة) كافرٌ كما هو متقرر عند العلماء، لأنه في قوة المكذب بشـرع الله تعالى المستبيـن.! فهذا هو الخطأ، وهو خطأ محضٌ لا شك فيه، وتوضـيحه يحتاج إلى شـيء من التطويل، والاختصار صعبٌ وقد يحصل فيه إخلال، ولذلك أحيل الإخوة إلى كتاب الشـيخ الباحث الناقد «أبي يحيى حسن قايد»: «نظرات في الإجماع القطعي»٢٩٨هو مبحثٌ نافعٌ في بابه، في بضع وثمانين صفحة، ردًّا على دعوى «الإجماع» في كفر أفراد جيوش طغاة هذا الزمان، وممن ناقش أفكار «سيد إمام» ورد عليه وبين حاله الأخير: أبو محمد المقدسي في «النكت اللوامع»، أبو قتادة الفلسطيني في «أهل القبلة والمتأولون»، و«حول تراجعات الجماعة الإسلامية وتراجعات سيد إمام» ومواضع من رسائله، د. أيمن الظواهري في «التبرئة»، أبو يحيى الليبي في «التبديد لأباطيل وثيقة الترشيد» وغيرها. فإنه بسط القول في نقد رأي الشـيخ «عبد القادر» المذكور.

وإذا كان لا بد من خلاصة للرد على دعوى أن تكفير هؤلاء العساكر محل إجماع قطعيّ، ومعلوم من الديـن بالضـرورة، فنقول:

قال الشـيخ عبد القادر: «إن الصحابة أجمعوا إجماعا معلومًا لا مطعن فيه على تكفير أتباع مسـيلمة الكذاب، وهم أنصاره وأعوانه».. وهذا صحيحٌ مسلّم لا إشكال فيه.

قال: «وهذه هي الصورة الواقعة اليوم: صورة أتباع وأعوان وأنصار الحكام المرتديـن، الذيـن هم جيوشهم وشـرطتهم وقوات أمنهم وسائر أعوانهم من الإعلامييـن ونحوهم».

فيقال له: لا نسلم أن هذه الصورة هي نفس صورة ما أجمع عليه الصحابة رضي الله عنهم، بل هذا محل نظرٍ.! فلمخالفٍ أن يخالفك ويدعي أنهما صورتان مختلفتان، بل الحق أنهما مختلفتان؛ فإن أتباع مسـيلمة وأنصاره اتبعوه على الإيمان به نبيّــًا آتيًا بوحي جديد، وناصـروه وأعانوه على ذلك، فهذا الذي أجمع الصحابة على كفر مَن فعله، ولو فعله اليوم فاعـــلٌ حكمنا بكفره قطعًا، وهي صورة ما أجمع عليه الصحابة رضي الله عنهم.

ص 619

لكن هؤلاء الحكام اليوم مسألتهم مسألة أخرى، يـنظر فيها نظرًا آخر، وهي مختلفة في قوة الحكم.. وأيضا صور أفرادها (من حاكم ودولة إلى حاكم ودولة أخرى) متفاوتة فليست على درجة واحدة، والحاصل أنه يقال للشـيخ «عبد القادر»: إن قلتَ إن صورة جيوش الدول المرتدة المعاصـرة هي نفس صورة أتباع مسـيلمة الكذاب، فهذا لا نسلّم به كما مرّ، بل هو خطأ.

وإن قلت: صورة اليوم مقيسة على صورة مسـيلمة الكذاب، رجع الأمر إلى الاستدلال بقياس، فعلى التسليم بصحة القياس على الإجماع، فيبقى النظر في صحة هذا القياس، وقد نظرنا فوجدناه قياسا مع فارق مؤثرٍ، فهو قياس غير صحيح.. والله أعلم.

فهذا شـيء، والشـيء الآخر مما يـنبّـه عليه تطبيق الشـيخ «عبد القادر» لقاعدة «مخالفة الإجماع القطعيّ»؛ فإنه بعد تلك المقدمات حكم بأن مَن خالفه في هذه المسألة مخالِــفٌ لإجماعٍ قطعيّ، ومعلومٌ أن المخالف للإجماع القطعي (المعلوم من الديـن بالضـرورة) يكفر.!

وهذا التطبيق غير صحيح.. لأن الذي خالفك لم يخالفك في حكم هذا الإجماع، وإنما خالفك في أن هذه الصورة المعاصـرة هي نفس صورة ما وقع عليه الإجماع، أو هي داخلة فيه، أو مما يقاس عليه.. فأنت تقول: هي نفس الصورة، ومخالفك يقول: لا، هي صوة مختلفة ويدّعي الفرقَ.

فهذا خلافٌ في تحقيق المناط، وليس مخالفة ً للحكم الشـرعيّ الثابت بالإجماع.!

ويُـتصور معنى المخالفة للإجماع هنا بأن يأتي إنسانٌ ويقول: إنه لا يكــفــّـر المؤمنيـن بالدجّــاليـن مدّعي النبوة بعد محمد ﷺ المتبعيـن لهم المناصـريـن لهم المعيـنيـن لهم؛ فهذا مخالفٌ للإجماع، وهذا الذي يقع تحت طائلة قولنا: مخالف الإجماع القطعي يكفر.

فمعنى المخالفة للإجماع المخالفة في اعتقاد الحكم الشـرعيّ الثابت بالإجماع.. فالخمر مثلا ثابت تحريمها بالإجماع القطعي، مع ثبوته بالنصوص الكثيرة.. فلو قال قائل بعدم حرمتها، قلنا له: كفرتَ.. ولكن مَن شـربَ الخمر فليس بكافر، إجماعًا أيضًا.

وكذلك من شـرب نبيذ الشعير المُـسكِـر كما هو مذهب جماعة من فقهاء أهل الكوفة من السلف، لأنه لا يراه خمرًا، فلا نقول إنه خالف الإجماع.

فالأول (القائل بحليّـة الخمر) هو المقصود بقول العلماء: مخالف الإجماع القطعي كافرٌ.

والثاني (شارب الخمر) ليس هو المقصود بهذه القاعدة، بل هو عاصٍ كسائر أصحاب المعاصـي.

فإذا استحلّــها (قال هي حلال) صارَ كافرًا لأنه خالفَ الحكمَ الشـرعيّ المقطوع به هنا، وهو معنى مخالفة الإجماع القطعيّ، ومخالفة النصّ القطعي الثبوت القطعيّ الدلالة.

ص 610

فقولهم: مخالِـفُ الإجماع كافرٌ، مبناه على تكذيب حكم الله تعالى المعلوم، والقائل بأن نبيذ الشعير المسكر ليس خمرًا لظنه أن الخمر خصوصُ ما عُـصـر من العنب، لا نقول إنه خالف الإجماع القطعي على حرمة الخمر.! لأنه يـنازع في كون هذه من الخمر.

هذا أرجو أنه مختصـر مفيد في المسألة.. وبالله التوفيق.

هذا وقد وقع بسبب هذا القول للشـيخ عبد القادر فتنة في بلاد «باكستان» وغيرها من طوائف من الشباب ممن قرأوا الكتاب عند أول صدوره، ولما يـنتشـر نقده من قبل العلماء وطلبة العلم بعد؛ فشذُّوا وشطّـوا وكفروا سائر إخوانهم ممن لا يوافقهم في هذه المسألة، وما زالت الفتن تتكرر في مواطن أخرى، رغم أنها قلت وخفت، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

والإنسان غير المتخصص في العلوم الشـرعية قد يظن عندما يقرأ كلام الشـيخ أن كل جزئية من جزئيات كلامه الدقيقة عليها دليل من الكتاب والسنة، لقوة استعماله للأدلة ونبذه للتقليد والرأي المجرد، ويترسّخ في ذهنه (الإنسان غير المتخصص) أن هذا هو الحق لا محالة وأن خلافه باطل، وذلك لأنه لا يدرك جيدا انطباق الأدلة على مدلولاتها، فحقيقة الحاصل له في مثل هذه الجزئيات والمسائل هو التقليد المحض، وهو يظن نفسه يتّــبع الدليل، ومن أجل هذا الملحظ رغب كثير من الفقهاء قديما عن ذكر الأدلة للعاميّ لأنه لا يفهم الأدلة، إلا أن يكون الدليل نصّـًا وهو الذي يقال فيه: «تأويله تنزيله»، والذي مجرد سماعه كافٍ في العلم والعمل لسامعه، أو ما يقاربه.

والله المسؤول أن يفقهنا في الديـن ويصلح أحوالنا جميعا.

«ثالثا: هل يمكن أن تتحفنا ببعض مؤاخذاتك عن كتاب «الجامع في طلب العلم الشـريف» للشـيخ عبد القادر إن وجدت، أم أنت مقر لكل ما ورد فيه؟؛ فإن بعض الإخوة الخيريـن يجعل هذا الكتاب مرجعا له لا يحيد عما جاء فيه ويخطئ المخالف بل ويشنع عليه وربما يصفه بالإرجاء أو الكفر بناءً على قناعته بصحة قول الشـيخ في تلك المسائل التي منها تكفيره لأعوان الطواغيت، وأن من لم يكفرهم فهو كافر؛ لأن فيهم إجماعا قطعيا من خالفه فقد كفر».

كتاب «الجامع» كتابٌ كثير النفع مملوء بالفوائد كما قدمنا، وكأي كتابٍ من وضع البشـر، فبالضـرورة القدرية وبحكم الطبيعة البشـرية، فيه ما يقال إن صاحبه أخطأ فيه.

ص 601

وقدمتُ إجمالا لذلك، وأنا الآن ليس عندي تقويم جاهز أفيدك والإخوة به حول كتاب «الجامع» لأنني قرأته منذ سنوات، وسجلتُ عليه حواشـي وهوامشـي كشأن طلبة العلم، لكني الآن لا أحتفظ بها، ومن مدة لم أراجعه، ولكن من أهم الانتقادات على الكتاب هو ما قدمت الإشارة إليه من مسألة «الإجماع القطعي» وهي التي تصدى لبيانها الشـيخ «أبو يحيى» جزاه الله خيرا، وللشـيخ «أبي قتادة الفلسطيـني» فرج الله عنه ملاحظات على الكتاب مختصـرة٢٩٩ذكر ذلك في عدة مواضع من رسائله، منها: أهل القبلة والمتأولون (ص 10).، وكنتُ سمعتُ من سنيـن أنه كان يـنوي إخراج نقدٍ كامل حافلٍ لكتاب «الجامع»؛ فلا أدري ما صار إليه هذا المشـروع، وكنت سألت صديقنا الشـيخ «أبا الوليد الفلسطيـني» حفظه الله عنه فذكر لي أن الشـيخ «أبا قتادة» سلك فيه مسلك التطويل، قال الشـيخ أبو الوليد: «ونصحته بأن يختصـر وقلت له إن هذا مما تفنى فيه الأعمار» اهـ، فالله أعلم؛ هل أكمل منه شـيئا يمكن أن يخرج ويـنشـر في وقت ما أو لا، وأما ملاحظاته -أبي قتادة- المختصـرة والإجمالية على الكتاب، فأضعها هنا إن شاء الله.

وأيضا للشـيخ أبي محمد المقدسـي ملاحظات على الكتاب ضمنها في رسالة بعنوان: «النكت اللوامع في ملحوظات الجامع»، لكنها تتناول الجزء الثاني من الكتاب فقط، وهو الأهم والأكثر حساسـية طبعا، وهي منشورة في موقعه، وهي طيبة ومفيدة جدًا، ومن أحسنِ ما فيها تعقبه للشـيخ «عبد القادر» في مسألة: الحاكم الملتزم بالشـريعة إذا حكم بغير ما أنزل الله مرة واحدة على سبيل الهوى لشهوة أو قرابة ونحوها.

ملاحظة: قال الشـيخ المقدسـي في مقدمة النكت اللوامع: «فإن كتاب «الجامع في طلب العلم الشـريف» لأخيـنا الشـيخ عبد القادر بن عبد العزيز حفظه الله تعالى، من الكتب المنهجيّة الطيبة، التي أنصح إخواني طلبة العلم الناشئيـن باعتماده في نهجهم الدراسـي، خصوصًا مع فقر زماننا من العلماء العامليـن المتجرديـن الرّبانييـن، الذيـن كان يفزع إليهم طلبة العلم فيما مضـى، فصاروا اليوم يعتمدون في الغالب على الوجادة والمطالعة، فأكثرهم تحصـيلًا أنشطهم في المطالعة، وأسدهم اختيارًا لما يدرس ويقرأ» ٣٠٠النكت اللوامع في ملحوظات الجامع (ص 2). اهـ.

وأرى من النصح لإخواني: القول بأنني لا أنصح بالكتاب لعوامّ الإخوة في الحركة الجهادية، فضلا عن غيرهم، ولا لطلبة العلم الناشئيـن المبتدئيـن، بل الكتاب مرجع مهم ونافع مفيد لطلبة العلم المتقدميـن أو المتوسطيـن على الأقل، الذيـن حصلوا قدرا من العلوم ومارسوا وعانوا مسائل العلم وخالطوا أهله وناقشوا وبحثوا؛ فإنه مفيد جدا، وهو كالفهرست لمعظم المسائل والنوازل المهمة المعاصـرة، لا يـنبغي أن يفوت طالبَ علم أو عالمًا مهتمّـًا، وأما طلبة العلم الصغار الناشئيـن، فضلا عن عوامّ «الإخوة» فلا أنصح به لهم، وأنصح بعدم تمكيـنهم منه.!

ص 592

وأشبّـه كتاب «الجامع» في ذلك بكتاب «المحلى» لابن حزم، وقد نصح الشـيخ نفسه في «الجامع» بألا يقرأه طالب العلم المبتدئ، وإنما المتقدم في التحصـيل والعالم لا يستغني عنه، وهذا صحيح.

وهذا ما اقتضاه النصح على حسب ما أبداه النظر والتأمل.. والعلم عند الله تعالى.

وهذه بعض تعليقات الشـيخ أبي قتادة على الكتاب، فإنه علق على الكتاب في مواضع من مقالاته وكتاباته، ومنها ما ذكره في رسالة «أهل القبلة والمتأولون» تحت فصل علاقة الحقيقة بالحكم، قال:

«روى الإمام أبو بكر بن أبي شـيبة في كتاب الإيمان بسند صحيح إلى أبي قلابة التابعي أنه قال: «حدثني الرسول الذي سأل عبد الله بن مسعود، فقال: أنشدك بالله أتعلم أن الناس كانوا على عهد رسول الله ﷺ على ثلاثة أصناف: مؤمن السـريرة مؤمن العلانية، وكافر السـريرة كافر العلانية، مؤمن العلانية كافر السـريرة؟ فقال عبد الله: اللهم نعم»٣٠١الإيمان لابن أبي شيبة (73)، مسند الشاميين للطبراني (1443) بإسناد جيد كما ذكره الألباني في: الضعيفة (1700)..

قال الشـيخ سفر الحوالي: «فلم يكن في واقع الجيل الأول ولا في تصوره وجود المؤمن السـريرة كافر العلانية، أي التارك للإيمان (أو من أتى بناقض) المؤمن بقلبه كما تزعم المرجئة.

وانطلاقًا من هذا يقول الخطّابي: «قد يكون المرء مستسلمًا في الظاهر غير منقاد في الباطن، ولا يكون صادق الباطن غير منقاد في الظاهر»٣٠٢معالم السنن (4 / 315).»٣٠٣ظاهرة الإرجاء (ص 440)..

وبهذا تعلم خطأ صاحب «الجامع في طلب العلم الشـريف» الشـيخ «عبد القادر بن عبد العزيز»، حيـن أوجد قسمًا رابعًا، وجعله محتملًا وهو الحكم على الرجل بالكفر والردة مع احتمالنا أن يكون مسلمًا؛ قال في حكمه على أنصار الطواغيت: «فحكمنا بكفرهم إنما هو على الظاهر ولا نقطع بكفرهم كممتنعيـن على الحقيقة لاحتمال قيام مانع من التكفير في حق بعضهم، مع التذكير بأنه لا يجب عليـنا البحث عن الموانع فالحكم عليهم إنما هو على الظاهر».

والشـيخ وقع هنا في خطأ جسـيم لأنه جوز تكفير الرجل مع احتمال أن يكون مسلمًا في الباطن، وهذا القول قول مبتدع لا يعرف له سلف، وقد وقع في هذا الخطأ لسببيـن:

أولهما: إعمال القواعد العامة من غير النظر إلى الاستثناء، والقاعدة التي أعملها هنا هي تبعض الأحكام، وقد رأيت أن لهذه القاعدة استثناء.

ص 583

ثانيهما: خلطه لكلام الأئمة في نوع القتال وبيـن الحكم على الأعيان والأفراد؛ فقد يقاتل القوم مقاتلة المرتديـن ونسميهم بطائفة ردة مع عدم تسمية أفرادهم وأعيانهم مرتديـن لوجود موانع في بعض أفرادهم، فمجرد وجود احتمال المانع يجب إعماله والاهتمام به، وهو ههنا أقر باحتمال وجود الموانع، بل إنها هي الأغلب في واقعنا، فإعمالها هو الواجب.

قال الشـيخ «عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب»: «لا يقال إنه بمجرد مجامعة ومساكنة المشـرك يكون كافرًا، بل المراد أنه من عجز عن الخروج من بيـن ظهراني المشـركيـن وأخرجوه معهم كرهًا فحكمه حكمهم في القتل وأخذ المال لا في الكفر»٣٠٤الدرر السنية في الأجوبة النجدية (8/ 456)..

فما ذكره الشـيخ «عبد القادر» -حفظه الله وهدانا الله وإياه- من كلام الأئمة أن حكم الجاهل هو حكم الطائفة، فالمقصود به حكمه في القتل وأخذ المال لا حكمه في الكفر، وقد اهتدى الشـيخ لهذه المسألة في رده على كتاب الشـيخ «عبد المجيد الشاذلي»: «حد الإسلام وحقيقة الإيمان» ٣٠٥انظر: الجامع في طلب العلم الشريف (ص 603). لكن فاتته ههنا، والكمال لله وحده.

وكتاب الشـيخ: «الجامع في طلب العلم الشـريف» فيه غلو في مواطن عدة، أذكر بعضها ذكرًا سـريعًا وإن كان الكتاب يحتاج إلى مناقشة واسعة للكثير من أبحاثه:

غلوه في عدم إعذار صاحب «الرسالة الليمانية» في خطئه في فهم الموالاة.

2- غلوه في تسمية الموالاة (موالاة المشـركيـن) قسمًا واحدًا لا تحتمل إلا الكفر الأكبر.

3- غلوه في تسمية بعض الجماعات الإسلامية العاملة للإسلام أنهم ليسوا من أتباع النبي ﷺ.

4- غلوه في تسمية من خالفه في بعض الحقوق الشخصـية بالمنافقيـن والضاليـن.

5- حكمه على من خالفوه في بعض الحقوق الشخصـية بأنهم يستحقون القتال كما يستحق المرتدون القتال سواء بسواء.

6- غلوه في إطلاق التكفير على عموم البرلمانييـن والمنتخبيـن دون قيود كان يـنبغي أن توضع باهتمام.

وهذا ليس تقليلًا من قيمة الكتاب لكن الله أبى أن يتم إلا كتابه»٣٠٦أهل القبلة والمتأولون (ص 9 - 11). انتهى كلام أبي قتادة.

ص 574

تنبيه: تعقب الشـيخ المقدسـي أيضًا الشـيخ عبد القادر في المسألة الأولى المتقدمة في كلام الشـيخ أبي قتادة، وهي مسألة إثبات قسم رابعٍ هو الكافر ظاهرًا المؤمن باطنا، واعتذر عنه بحمل كلامه على محمل حسن، فليراجع في «النكت اللوامع»٣٠٧انظر: الجامع في طلب العلم الشريف (ص 701) وفي الحاشية تعليق الشيخ المقدسي على كلامه، قال: «والصواب أن يقال: أن الأصل فيمن تلبّس بنصرة الشرك والمشركين أنه كافر بعينه على الحقيقة ما لم يظهر لنا بحقه مانع..» الخ كلامه. فإنه جيد.

والله أعلم، ومنه نستمد التوفيق والإعانة.

«خامسا: كيف نحكم على المشاركيـن في الانتخابات التشـريعية والبرلمانية والبلدية؟ وهل في الحكم عليهم تفصـيل أم هم فيه سواء؟ وما حكم أعضاء البرلمان من الإسلامييـن كالإخوان وغيرهم الذيـن دخلوا البرلمان بدعوى المصلحة وتخفيف المفاسد وإبلاغ صوت الحق لهم والسعي للحكم بالإسلام من خلال الانتخابات والبرلمان وغيرها من المبررات التي يذكرون.. وأنت بها أعلم، وما حكم من يدعو للمشاركة في الانتخابات كالشـيخ «عبد الرحمن عبد الخالق» والشـيخ «سلمان العودة» وغيرهما؛ أي هل هؤلاء الداعيـن للانتخابات كفار، أم مسلمون مبتدعون ضالون، أم مسلمون صالحوـن مصلحون، أم مسلمون مخطئون معذورون، أو غير ذلك».

قد تقدم شـيء مما يفيد في الجواب على هذا السؤال أثناء كلامنا على حركة حماس في المحور الخاص بها.. والحاصل أن البرلمانات الكفرية في الدول المرتدة، وهي التي لا تلتزم بديـن الله وشـرعه، بل تشـرع من دون الله، هي مجالس كفر وشـرك بلا مرية، ولا يجوز للمسلم المشاركة فيها تحت أي دعوى من الدعاوى المشار إليها أو غيرها.. وهؤلاء المشـرعون (أعضاء البرلمان الموصوف) هم كفارٌ لأنهم يشـرعون من دون الله ما لم يأذن به الله، فضلا عما يمكن أن يكون من كفريات أخرى يتلبسون بها في أثناء هذه المشاركة.

ولكن قد ابتليـنا بطوائف ممن يـنتسب إلى الحركة الإسلامية والدعوة والإصلاح، بل ومن العلماء استباحوا ذلك ولم يروا فيه غضاضة بدعوى تخفيف الشـر ودفع ما يمكن من الفساد، والإصلاح بما يمكن من الكلمة والمشاركة في استصدار القرارات والقوانيـن على وَفق الشـريعة.. كذا!، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإسماع كلمة الحق للناس من خلال هذا المنبر والمنصب.. الخ ما يذكرونه، وهو خطأ وباطل، ومناقشته تطول، وقد رد عليه علماء كثيرون وصنفوا فيه الرسائل والكتب، والمسألة بُحثت كثيرا وحصلت فيها المناظرة والمناقشة طويلا في ساحة العمل الإسلامي.

ص 565

ولكن ذلك أوجب لعلمائنا عدم التسـرع في تكفير هؤلاء المشاركيـن، لأجل التأويل.

ومَن يرى شـرعية ذلك من أهل العلم ويدعو إلى المشاركة فيه، فهو مخطئ ونرجو أن يكون معذورًا مغفورًا له ما دام هذا هو اجتهاده، أما كون ذلك إصلاحا وأهله مصلحيـن فلا، بل لا نرى ذلك إلا فسادًا وباطلا محضًا.!

والله المستعان، ونسأل الله أن يهديـنا جميعا للحق ويعيـننا عليه.. آميـن

هذا في الدول العلمانية المستعلنة بتحكيم القوانيـن الوضعية، وأما في دولة مثل «السعودية» فالأمر أخف بلا شك، والكلام فيه له وجوه أخرى، فالذي في «السعودية» هو مجلس شورى يلتزم علنا بالشـريعة الإسلامية، فلا يستوي الحكمان.!

ولهذا فيجب التفريق بيـن صور المسائل وإعطاء كل مرتبة حقها.

وأما الشطر الأول من سؤالك المتعلق بالمنتخِبيـن (المشاركيـن في انتخاب أعضاء البرلمان أو الحكام وغيرهم) فيجب فيهم التفصـيل أيضًا في الواقع، لأن مَن يـنتخب المشـرع من دون الله ليشتغل في التشـريع من دون الله فهذا كافرٌ.. هذا هو الحكم النظري، وكذلك الذي يـنتخب الحاكم المرتد ليحكم المسلميـن وبلاد المسلميـن هو كافرٌ كذلك.. لكن إذا نزلنا إلى الواقع فالمسألة ليست بهذه البساطة، والناس لا يرتكبون ذلك عالميـن مقرّيـن بأنهم يـنتخبون المشـرع من دون الله، أو يـنتخبون الحاكم المرتد.. والمقصود أن الواجب التفصـيل، فلا نكفر الناس بذلك على العموم، ومَن فعل ذلك ضلّ ضلالا مبيـنًا، وخرج عن أصول العلم والفقه، وآل به الحال إلى تكفير جماهير المسلميـن بما لا يقع به الكفر عليهم..! نسأل الله الستر والعافية. والله الموفق.

«ثامنا: هل ممكن أن تبسط لنا القول في مسألة «العذر بالجهل» وتفيدنا فيها ولو ببعض الأساسـيات؛ لعل الله أن يحفظنا بها من الزلل والضلال؛ لأنها تهمنا جدا في الحكم على عموم المسلميـن ممن يرتكب الشـركيات والكفريات، وتهمنا جدا في الحكم على أعوان الطواغيت كالشـرطة والجيش في البلاد الإسلامية التي يحكم الحكام فيها بغير ما أنزل الله، وهل هم معذورون بالجهل أم لا؟ وكيف نقيم عليهم الحجة إن كانوا معذوريـن وهم طائفة ممتنعة، ولو قلت أننا لا نحكم عليهم بالكفر عيانا وقلت أنهم طائفة كفر وردة يقاتلون مقاتلة المرتديـن فكيف التصـرف مع من قتل منهم بأيدي إخواننا المجاهديـن من حيث الميراث وغيره».

بعض فقرات هذا السؤال تقدمت الإجابة على مثلها.

ص 556

وكيفية التصـرف مع من قتل بأيدي المجاهديـن من جنود الدولة المرتدة في الميراث وغيره، فإن كنا نعرفه فبحسب ما نعرف من حاله: إن كان مسلما فأحكام المسلم، وإن كان كافرًا فمرتد فلا يُورث، وماله فيء للمسلميـن، وأما إن كان مجهولا فلا أدري، هو موضع تردد!! فيحتمل النظر في الغالب من حال الجنود، وإجراء أمره على غالب حالهم، ويحتمل غير ذلك، فيُسأل فيها العلماء، وصور الأحوال مختلفة.. والله أعلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وأما المسألة المعنونة بــ «مسألة العذر بالجهل»٣٠٨مسألة «العذر بالجهل» شائكة ولا شك، وقد كتب فيها المعاصرون مؤلفات كثيرة، وأفردوها بتصانيف ورسائل ما بين مطيل ومختصِر، وإتمامًا للفائدة ننقل بعض الكتب المختصة في هذه المسألة -بغض النظر عن الرأي الذي رجحه أصحابها فيها-، فمنها: الأجوبة الوفية عن الأسئلة الزكية في العذر بالجهل ومناقشة الحركة النجدية؛ لأبي محمد حسن الكتاني، الثلاثينية (الفصل الثالث التحذير من أخطاء شائعة في التكفير، الخطأ رقم 27)، كبوة فارس.. مناقشة قول أبي محمد المقدسي في مسألة العذر بالجهل والرد عليه؛ لأبي بصير الطرطوسي، العذر بالجهل وقيام الحجة؛ لأبي بصير الطرطوسي، العذر بالجهل تحت المجهر الشرعي؛ لمدحت الفراج، أسئلة وأجوبة حول العذر بالجهل، المُتممة لكلام أئمة الدعوة في مسألة الجهل في الشرك الأكبر؛ كلاهما لعلي الخضير، الرد السهل على أهل العذر بالجهل؛ للمجلسي، عارض الجهل وأثره على أحكام الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة؛ لأبي العُلا بن راشد، رسالة إصلاح الغلط في فهم النواقض (الغلط الخامس)؛ للطويلعي، إشكالية العذر بالجهل في البحث العقدي؛ لسلطان العميري. فالكلام فيها يطول، والحق أنه ليس عندي فيها تحرير كامل إلى هذه الساعة، ولكن قد كان سألني بعض الإخوان من أحبابنا عنها فكتبت له حولها نبذة قصـيرة أرى أن فيها فائدة؛ فأنا أثبتها هنا مع تعديل ما يلزم ليستفيد منها مَن شاء، مع الإقرار بالتقصـير وأن المسألة مسألة كبيرة حارَ فيها الكثير من أهل العلم وتوقف بعضهم عن الجزم فيها، والله الموفق لا إله غيره ولا رب سواه، نسأله تعالى أن يفتح عليـنا ما استغلق وأن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عيـن.. آميـن.

وهذه هي النبذة المشار إليها:

«

الأخ العزيز ………. حفظه الله ورعاه؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هذه نبذة مفيدة -إن شاء الله- حول مسألة العذر بالجهل، ريثما ييسـر الله تعالى لنا ولكم تحريرا للمسألة على الطريقة الفقهية، إن شاء الله..

وأنظم الكلام هنا في نقاط، وبالله التوفيق:

ص 547

النقطة الأولى: اعلم أن هذه المسألة من مسائل الاجتهاد التي سبيلها الاستنباط وطريق العلم بها الاستدلال؛ لأنها ليست منصوصا عليها في الشـريعة، والله أعلم، وقولنا «إنها ليست منصوصا عليها في الشـريعة» معناه: أنه لا نصَّ عليها بشكل عامٍّ وكقاعدة مثلًا، وهذا لا يـنافي أن يوجد في نصوص كلام الله ورسوله ﷺ ما يدل على عذر شخص في حالٍ أو أخرى، ثم تلك النصوص التي تحتوي تلك الدلالات هي التي يستخدمها الفقهاء ويستدلون بها، وفي الاستنباط من مجموع ذلك وقع الخلاف.

النقطة الثانية: من أجل ذلك اختلفت أفهام العلماء فيها وتنوعت اجتهاداتهم، وصدرت لهم فيها آراء مختلفة سنشـير إليها إن شاء الله تعالى، كغيرها من مسائل الاجتهاد والاختلاف.

النقطة الثالثة: ومن أجل ذلك أيضا فإن من يجعل من هذه المسألة مسألةً عقدية أصولية لا يسع فيها الخلاف، ويرى المخالف فيها مخالفا في أصول الديـن وقواعده الثابتة، ويبنى على ذلك عقد الولاء والبراء على هذه المسألة؛ فإنه جاهل ضالّ، قد ضل سواء السبيل، وافترى على الله وديـنه..!

النقطة الرابعة: وكذلك من يدّعي أن مذهب السلف هو القول الفلاني، أو أن مذهب أهل السنة والجماعة أو منهج أهل السنة والجماعة هو القول الفلاني -كما هو ديدن المولعيـن من أهل عصـرنا بكلمة «منهج» -، فهو قريب من ذلك..! فإن أئمتنا الذيـن صنّفوا في اعتقاد أهل السنة والجماعة ونظموا مسائل أصول الديـن في مذهبنا -أهل السنة والجماعة- لم يـنصّ أحدٌ منهم فيما نعلم على هذه المسألة، ولو نصّ بعضهم على شـيء من ذلك في بعض الفروع؛ فلا يوجد فيها حكاية إجماع ولا ما يقاربه، ولا القول بأنها من مسائل اعتقادهم التي يتميّزون بها أو ما شابه هذا.. وكذلك الحال في كتب الفقه، يـنصّ الفقهاء في بعض الفروع على أن الجاهل معذور أو أنه غير معذور ويفصّلون في مسائل، أما أن يكون هناك شـيء يمكن أن يسمّى «منهج أهل السنة والجماعة» في هذه المسألة فلا، أو أن يكون هناك إجماع على قول فصلٍ فيها مثلا فلا أيضا، والله أعلم.

النقطة الخامسة: اعلم أن هذه المسألة هي من مسائل الفقه -بمعناه الاصطلاحي: وهو معرفة الأحكام الشـرعة العملية المستنبطة من أدلتها التفصـيلية- وذلك لأنها عملية وسبيلها الاستدلال والاستنباط كما ذكرنا، وهي إما فتوى أو قضاء، وهي تدخل عند العلماء في «باب الردة»، وهو باب من أبواب «علم الفقه»، وهذا لا يعني أن لا تُـذكر في أبحاث علم العقائد والتوحيد، فإن لها به تعلّقا وثيقًا لا يخفى، وهذا من تداخل العلوم والفنون، كما أن كل حكم شـرعي عملي فله متعلق اعتقادي وهو اعتقاد ذلك الحكم، ولكن هي أخصّ بالفقه كما ذكرتُ، وسواء عددتها في مسائل هذا الفن أو ذلك، فهي من مسائل الاجتهاد.

ص 538

النقطة السادسة: فمن يزعم أنها من مسائل العقيدة والتوحيد، ويريد بذلك أن يهوّل ويشنّع على المخالف فيها، ويبني على ذلك الولاء والبراء كما تقدمت الإشارةُ، أو يدعي الانفراد بتحقيق التوحيد، ويـنتقص مخالفيه فيها ويرميهم بالتهم العظيمة وما شابه ذلك؛ فإنه قد جانب الصواب واستحق اللوم، وله من اسم الانحراف والضلال بحسبه!!

بل الحق الحقيق بالقبول والصدع به أنها كما تقدم القولُ: من مسائل الفقه والاستنباط وتدخل في مسائل باب الردة في علم الفقه، ويتكلم فيها الفقيهُ، وأنها مسألة اجتهادية.

النقطة السابعة: بيان ذلك أن صورة المسألة هي كالآتي:

مسلم ثبتَ له عقدُ الإسلام عندنا، ثم ارتكب مكفِّرًا أي ناقضا من نواقض الإسلام، من قول أو عمل أو اعتقاد جاهلا؛ أي حال كونه يجهل أن هذا الفعل أو القول أو الاعتقاد محرمٌ ومنافٍ للتوحيد.. هذه هي صورة المسألة.

فهل نكفّره -نحكم عليه بأنه كافر- مباشـرة بمجرد تلبّسه بذلك الناقض؟ أو نقول: لا نحكم بالكفر مباشـرة؛ بل نُبقي حكمه على الأصل وهو الإسلام، حتى نعرف أن الحجة قد قامت عليه فخالفها؟ أو أن هناك تفصـيلا في المسألة؟ وما هو هذا التفصـيل؟

النقطة الثامنة: إذا تقرر هذا فاعلم أن العلماء قاطبة -إلا من شذّ- على أن المسائل الخفية التي لا تنافي التوحيد -عبادة الله وحده لا شـريك له- منافاةً صـريحة، والتي سبيل معرفتها السمع أي بلوغ الدليل السمعي وهو الدليل من الوحي؛ فإن هذه المسائل يُعذَرُ فيها الجاهل المخالف، حتى تقوم عليه الحجة، ثم إذا قامت عليه الحجة فخالفها نحكم عليه بما يقتضـيه الدليل في تلك المخالفة، من تكفير أو تفسـيق، والخلاف في ذلك شاذّ منبوذٌ، ولله الحمد..

مثالها: الكثير من مسائل الأسماء والصفات، وما يتعلق بحقوق الأنبياء؛ ما يجب لهم أو يـنفى عنهم ونحو ذلك، وما يتعلق بإثبات الأحكام الشـرعية، وما يتعلق بالغيوب كأحوال اليوم الآخر والجنة والنار والثواب والعقاب، وسائر الأخبار، وإثبات أحرف القرآن والسنة الثابتة المعلومة، ونحو ذلك، والأمثلة كثيرة جدا.

النقطة التاسعة: قولنا «التي لا تنافي التوحيد -عبادة الله وحده لا شـريك له- منافاةً صـريحة» ما معناه؟ وهل هذا الكلام جامعٌ مانعٌ؟

ص 530

توجد بعض الفروع من أفعال المكلفيـن قد يتردد المرء فيها هل هي مما يـنافي أصل التوحيد أو لا.. لكن في الجملةِ: التوحيدُ الذي هو عبادة الله وحده لا شـريك له، واضح وما يـنافيه واضحٌ جدًا، والحمد لله.

النقطة العاشـرة: فإذا تجاوزنا بعض الفروع المحتملة، وقلنا: نأخذ بطرفِ المسألة الواضح ونترك ما تشابه واحتمَل، بمعنى: نتكلم فيما اتضح اتّضاحا بيـنا أنه يـنافي التوحيد بحيث يقول جميع العلماء والعقلاء لمن تلبَّس به إنه قد أشـركَ وأتى بما يـناقضُ التوحيد.

فنقول وبالله التوفيق:

للعلماء ثلاثة أقوال في المسألة فيما علمناه:

القول الأول: أنه غير معذور بالجهل، بل بمجرد أن يرتكب الناقض (المنافي للتوحيد، أي لأصل الديـن، أصل التوحيد) فهو كافرٌ خارج من ملة الإسلام، يجب دعوته واستتابته ليرجع إلى الإسلام، فإن تاب فذلك المطلوب والحمد لله، وإلا قُتِل (أي لو قدرنا على ذلك، وحيث لا مانع، وذلك في حال وجود دولة الإسلام أو ما يعادلها ويـنوب عنها)، والمقصود: استحق القتل شـرعًا لأنه مرتدٌ حيـنئذٍ.

القول الثاني: أنه معذور بالجهل حيث علمنا أنه جاهل، أي أنه ارتكب هذا الناقض وهو يجهل أنه منافٍ للتوحيد، بل يظن أنه لم يفعل ما يـنافي التوحيد، وهو ملتزم -بمقتضـى إعلانه الإسلام وقوله «لا إله إلا الله» - بالبراءة من الشـرك ومن كل ديـن غير ديـن الإسلام، وبـعبادة الله وحده لا شـريك له، لكنه لم يعلم أن هذا الذي فعله منافٍ لذلك.. فلا نحكم عليه بالكفر ما دام كذلك (أي جاهلا) حتى نعلم قيام الحجة عليه، فإن قامت عليه الحجة (أقمناها نحن أو غيرنا، أو علِـمنا أنها قد قامت عليه) ثم خالفها واستمر في ارتكابه ذلك الناقض، حكمنا عليه بالكفر والردة أي الخروج من ملة الإسلام.

القول الثالث: التفصـيل والتفريق بيـن مَن إذا كان يمكنه العلم فقصـر ولم يطلب العلم مع أن العلم مبذول معروض عليه وفي متناوله لو بذل أيسـر شـيء للوصول إليه، بأن يسأل ويتعلم ديـنه وما يلزمه من توحيد الله تعالى.. وبيـن ما إذا لم يكن كذلك بأن كان بعيدا عن العلم والعلماء يصعب عليه في العادة طلب العلم والتعلّم، والعلم ليس منتشـرا ولا مبذولا في محيطه بالقدر الذي وصفناه.

فنكفّره في الحالة الأولى ولا نعتبر جهله ذاك عذرا له.

ولا نكفّره في الحالة الثانية؛ بل نعتبر جهله في هذه الحالة، لأنه جاهل فعلًا ولم يتمكن من العلم، والظروف لم تساعده والعلم ليس مبذولا له، فالظاهر أنه لم يقصـر، بحيث إننا نظن أنه لو كان العلم مبذولا ميسورا منتشـرا عنده لكان يعرف خطأه ويمتنع عن ارتكاب ذلك الناقض.

ص 521

ملاحظة: هناك قولٌ آخر في المسألة لبعض العلماء يمكن جعله قولا رابعًا، كما يمكن جعله داخلا في القول الأول لأنه آيلٌ إليه في الحقيقة، وهو: القول بأن هذا مشـركٌ (أي نسميه مشـركًا وهو هنا بمعنى الخارج من الملة) ولا نسمّيه كافــرًا لأنه لم تقم عليه الحجة.

وهؤلاء فرّقوا بيـن إطلاق اسم «الشـرك» وإطلاق اسم «الكفر» في هذا الموضع، وهو اصطلاح، لكن حقيقة هذا القول هي القول الأول، لأن كلامنا إنما هو في أحكام الدنيا، أي حكمنا نحن على هذا الشخص في ظاهر الشـرع، لا في أحكام الآخرة أي مصـيره عند الله يوم القيامة.

النقطة الحادية عشـرة: تحرير المسألة، وذكر استدلالات أصحاب هذه الأقوال، والترجيح بيـنها بطريقة علمية فقهية هو ما نتمنّى أن ييسـره الله تعالى في فرصة أفضل بعونه ومدده ﷻ، وهو أمر ليس بالسهل فهي مسألة شائكة تكافأت فيها الاستدلالات وغمضت فيها المدارك، والله المستعان.

النقطة الثانية عشـرة: الإنسان العاديّ منا (العامّيّ)، وطالب العلم -وكذلك العالم- الذي لم يحرر المسألة تحريرًا شافيا يطمئن إليه ويعتمد على مثله، عليه أن يحتاط ويأخذ جانب الحذر، فالاحتياط هنا أصل أصـيل نلجأ إليه حيث لم يتبيـن لنا الصواب في المسألة.

والعامّي عليه أن يقلد العلماء على حسبِ ما هو مقرر في الأصول، وعليه أن يكفّ عن الكلام في هذه المسألة، ولا يقدِم على تكفير أحدٍ في الحالات المختلف فيها، بل يقول لا أدري، واسألوا العلماء، ويكفي معرفة أن الفعل كفرٌ وأن يجتنبه، أما الفاعل فلا يلزمه الحكم عليه في مثل هذه المسائل التي يختلف فيها العلماء وتشتبه، فعليه أن يعرف قدره ويحتاط لديـنه.

النقطة الثالثة عشـرة: فعلى الشباب ألا يتسـرعوا في تكفير الجهال ممن تلبّس بشـيء من شـرك القبور والأولياء ونحوها من قومنا ولا سـيما من كبار السنّ الجهلة، حتى يعرِفوا أنهم ممن قامت عليهم الحجة.. فهذا على العموم أسلم للشباب وأحوط، وليتركوا الحكم للعلماء.

ومن قلّد عالما في تكفيرهم أيضا فلا جناح عليه ولا لومَ فإنه آخذ بقول قوي معتبر في المسألة، ولكن عليه أن يضـيف إلى ذلك شـيئا آخر من العلم الفقه وهو: أن يعرف أن المسألة محل خلاف واجتهاد، وليعذر من يخالفه فيها ممن يحكم على أولئك بالإسلام لجهلهم حتى تبلغهم الحجة.

وبالجملة.. فمن أهم الأشـياء في هذه المسألة أن يعرف أنها مسألة اجتهادية اختلف فيها العلماء فلا يعنّف على من خالفه في الحكم على شخص أو جماعة وطائفة أو جنسٍ من أجناس وأوصاف الناس ممن وقع في مكفّرٍ، مع بقاء التناصح والتباحث برفق.

ص 512

فالرجلان قد يعيشان في واقع واحدٍ ويختلفان في الحكم على شخصٍ هل هو كافر أو لا، بناء على أسباب: إما لاختلافهم في كون الشـيء الذي وقع فيه كفرًا أو غير كفرٍ، وإما لاختلافهم في وقوع الكفر عليه (أي على الفاعل المعيـن) لاختلافهم في توفر الشـروط وانتفاء الموانع في حقه، واعتبار بعضها أو عدمه.. فلا ضـيرَ في ذلك حيث يكون بعلم وعدلٍ، وهم إخوة متحابون متعاصمون متوالون والحمد لله رب العالميـن.

النقطة الرابعة عشـرة: عندما ننزل إلى الواقع في ميدان الدعوة في أوساط الشعب والتعامل مع الناس، فسنجد أنفسنا اتفقنا في الحكم على أناس أو طوائف، وربما نختلف في الحكم على آخريـن، فليكن هذا منزّلًا على ما سبق، وليعذر الواحدُ منا صاحبه فيما خالفه فيه بناء على ما مرّ.. وهذا من الفقه الصحيح، والعلم النافع.

ثم عليـنا أن ننطلق إلى الواجب الأهم والأوضح وهو واجب دعوة هؤلاء الناس وهدايتهم وشـرح الإسلام لهم، والله الموفق.

النقطة الخامسة عشـرة: قول من يقول: «نحن دعاة لا قضاة» وإنه لا يلزمنا الحكم على الناس، ولا نشتغل بذلك.. هو هكذا بإطلاق خطأ مخالف للشـرع، بل يلزمنا ونحن مكلفون به؛ لأنه يـنبني عليه معاملتهم في الكثير من الأحكام، لكن ذلك بحسب حاجتنا إلى التعامل معهم، وبحسب علمِ كلٍ منا، فمن علم الصواب في مسألة وحققها من أهل العلم فليقل بها، ومن كان عامّـيا فكما مرّ يقلد من يثق في علمه وديـنه من العلماء من حوله.. إلى آخر ما بيـناه.

ومَنْ لم يحتج إلى معاملة أحدٍ من تلك الطوائف والأشخاص فليكتفِ بالاعتقاد والالتزام الجمليّ بالتوحيد ومحبة أهله وموالاتهم، والبراءة من الشـرك والكفر وأهله ومعاداتهم، وليكِلْ ما اشتبه عليه من تفاصـيل الأحكام على الأعيان إلى الله تعالى، وليطلب العافية والسلامة.

النقطة السادسة عشـرة: يـنبغي أن يُعلَم -بحسب ما يظهر واضحًا والله أعلم- أن أكثر أهل شـرك القبور والأضـرحة وما يسمّى بالأولياء لا سـيما أهل المدن الكبيرة قد قامت عليهم الحجة منذ زمن؛ فإن العلم بحمد الله قد انتشـر وبلغ معظم أنحاء بلاد المسلميـن في العقود الأخيرة، مع قوة الدعوة الإسلامية وجهود الدعاة إلى الله، ولا سـيما في السنيـن الأخيرة، فلم يبق إلا المعاندون المخالفون على بصـيرة السائرون على ما وجدوا عليه آباءهم ومشايخهم أهل الضلالة، فهؤلاء كفار مشـركون خارجون من ملة الإسلام، ولا كرامة.!!

ص 503

لكن مع ذلك كله يوجَد من أهل الدواخل والبوادي والأقاليم البعيدة من هم في غاية الجهل والبُعد عن العلم وأهله، ففرقٌ بيـن هؤلاء وأولئك، وهذه صورٌ وقضايا يرجع تقديرها إلى المفتي الناظر في المسألة، وبالله التوفيق.. ونسأل الله العافية والسلامة، ونعوذ بالله من الشـرك وأهله.

اللهم إنا نعوذ بك أن نشـرك بك شـيئا ونحن نعلم، ونستغفرك لما لا نعلم.

﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنٗا وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ ٣٥ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضۡلَلۡنَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُۥ مِنِّيۖ وَمَنۡ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٦﴾ [إبراهيم].

والحمد لله رب العالميـن أولا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا.. والصلاة والسلام على نبيـنا محمد وآله وصحبه والتابعيـن لهم بإحسان.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ربيع الأول 1427هـ / أبريل 2006م».

انتهت النبذة حول مسألة العذر بالجهل.

«الثامن عشـر: هل ترى جواز مفاداة المرتديـن ممن يقع في أيديـنا بإخواننا المأسوريـن في أيدي الطواغيت أو بمال نحن في أمس الحاجة إليه في جهادنا لأعدائنا؟ أم هو كما قال شـيخ الإسلام: «لا يجوز مفاداة المرتد بمال أو بغيره»٣٠٩يعني قول ابن تيمية في مرتدي التتار: «لَا يُطْلَقُ أَسِيرُهُمْ وَلَا يُفَادَى بِمَالِ وَلَا رِجَالٍ» انظر: مجموع الفتاوى (28/ 414). ونقل عليه الإجماع؟».

المسألة محتملة، والذي يقوى عندي جواز مفاداتهم بأسـرى المسلميـن، وجواز مبادلتهم بالمال أيضًا متى ما كان المسلمون في حاجة إلى ذلك.. وجواز المفاداة بالرجال أقوى وأظهر، من المبادلة بالمال.

وقد كنت سألت في هذه المسألة جماعة من أهل العلم فأفتوا بالجواز، والمسألة من المسائل التي وقع فيها البحث كثيرًا عند مشايخ المجاهديـن، فمنهم من يجيز ذلك ومنهم مَن لا يجيزه، والضـرورة تقدر بقدرها.. والمسألة من موارد النظر والاجتهاد، ولا تزال لم تقتل بحثا.

وكنت أتمنى من بعض المشايخ الفضلاء أن يتولى بحث هذه المسألة وتحريرها، ولعل الله ييسـر له أو لغيره ذلك؛ فيكفي المجاهديـن مؤونتها ويسد ثغرتها بإذن الله٣١٠بحثها أبو أحمد عبد الكريم الجزائري في رسالته: «إرشاد الكماة إلى حكم المفاداة» ولخص إلى جواز مفاداة أسرى المرتدين بأسرى المجاهدين..!

والله المسؤول أن يفتح عليـنا وعليكم وعلى جميع المسلميـن من بركات العلم والعمل.

•••