فصلٌ

واعلم أن هؤلاء المفتونين يقولون للناس حسبَ ما بلغنا ممن سمع كلامهم في البالتوك: «إذا كنا نحن مخطئين فبينوا لنا بالأدلة، ولكن إذا كنتم أنتم مخطئين فأنتم في النار».

وهذا من الأدلة الخَطابية التي يُقصَد بها هنا التهويل على الخصم والتمويه عليه، لا سـيما وهم يخاطبون أناسًا يقل فيهم العلم والمعرفة، وقد قيل لي: إن الكثير منهم عجمٌ أيضًا فيصعُبُ عليهم فهم دقائق هذه المسائل بسبب مسألة اللغة.

فأقول لإخواني في جواب هذه الشبهة المخلفية: قولوا لهم: إذا كنتم أنتم مخطئين فأنتم لستم ناجين، بل أنتم خوارجُ مارقون من الدين تكونون كلابَ النار يوم القيامة، والعياذ بالله، وقد اختلف العلماءُ في تكفير أمثالكم، وكفى بهذا خطرا عظيمًا لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا..! وليس يلزم أن نعرَف الردّ على شبهاتكم ومخاصمتكم؛ فإن هذا من اختصاص أهل العلم، ونحن نتمسّك بالإسلام والتوحيد والإيمان الجُمليّ، وما علمناه -بتثبّتٍ ومن طريق علميّ صحيح- من التفاصـيل قلنا به وعملنا به، وما لم نعلمه فلا نتكلم به، بل نقول: الله أعلم.

وما نستمسك به -بفضل الله- هو الحقُّ المبين والصـراط المستقيم والمنهج الواضح الجلي، أما زوبعات شبهاتكم التي أعمتكم عن نور الحق فلا يلزم علماءَ المسلمين الاشتغالُ بردها كلها فضلًا عن أن يلزمنا اعتقادها ومعرفتها، وإن هوَّلتم الأمر وعظمتموه وفخّمتموه وأظهرتموه على أنه من قواطع الشـرع وضـروريات الإسلام، كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله في «شفاء العليل» في كلامه على منازعة بعض أهل البدَع بشبهاتهم للآيات الواضحات: «.. وهذا في القرآن أكثر من أن يذكر، والحسُّ شاهدٌ به، فلا تقبل شبهة تقام على خلافه، ويكون حكمُ تلك الشبهة حكمَ القدح في الضـروريات فلا يلتفت إليه، ولا يجب على العالم حلُّ كل شبهة تعرض لكل أحدٍ، فإن هذا لا آخر له»٤٤٧شفاء العليل (ص 151). اهـ.

ص 689

ولا يضـرنا إن أخطأنا في مسألة عذرِ أحدٍ أو حكمٍ عليه بناءً على اجتهاد واحتياطٍ واتباع لعامة أهل العلم والصلاح والخيرية في الأمة، ولا يضـرنا إن جهلنا هذه المسائلَ أيضا ولم نعرف التحقيق فيها، فهي مما يعرفه أهل العلم الذين هم أهله واختصوا به، فلا والله لا يكون من أهل النار من جهِلَ «هل هناك عذرٌ بالجهل في التوحيد أو لا؟» أو جهل أو أخطأ في «هل الكفرُ والشـرك شـيء واحدٌ أو هما متغايران؟» أو كيف الحكم على فلان من الناس من أهل القبلة هل خرج من الملة أو لا بعدُ؟ أو أن الطائفة الفلانية والجماعة الفلانية من أهل القبلة كافرةٌ كذلك أو لا؟ اللهم إلا الكفرَ الواضح المستبين الذي لا يختلفُ فيه العلماءُ أجمعون، ولا يختلفُ فيه المسلمون: ككفر اليهود والنصارى والمجوس والوثنيين الذين لم يدخلوا في الإسلام أصلا، أو ككفر مسـيلمة الكذابِ ونحوه من مدعي النبوة أو التصـريح بعبادة غير الله واتخاذ آلهةٍ مع الله أو غيرَ الله رأسًا، أو ككفر من صـرح واستعلنَ بالانتقال من دين الإسلام والخروج منه، وككفر من يسب الله ورسوله ويستهزئ بالدين صـريحا بيّنا معلنًا، ونحو ذلك.!

وهنا نرجع إلى التفريق بين درجات المسائل ومراتبها في الثبوت ووضوح نسبتها إلى الله عز وجل ودينه، بين اليقين والقطع، والظن والتردد؛ فرجع الأمرُ إلى مسألة المعلوم من الدين بالضـرورة وما لا يُجهَل مثلُه، وما ليس كذلك، ومعلومٌ أن هذه مسألة نسبية إضافية، كما قال شـيخ الإسلام رحمه الله: «وأيضا فكون المسألة قطعية أو ظنية هو أمرٌ إضافي بحسب حال المعتقدين ليس هو وصفًا للقول في نفسه؛ فإن الإنسان قد يقطع بأشـياء علمها بالضـرورة أو بالنقل المعلوم صدقُهُ عنده وغيره لا يعرف ذلك لا قطعا ولا ظنا، وقد يكون الإنسان ذكيا قوىَّ الذهن سـريعَ الإدراك فيعرف من الحق ويقطع به مالا يتصوره غيرُهُ ولا يعرفه لا علما ولا ظنا، فالقطع والظن يكون بحسب ما وصل إلى الإنسان من الأدلة وبحسب قدرته على الاستدلال، والناسُ يختلفون في هذا وهذا، فكونُ المسألة قطعية أو ظنية ليس هو صفة ملازمة للقول المتنازع فيه حتى يقال: كل من خالفه قد خالف القطعي، بل هو صفةٌ لحالِ الناظر المستدلّ المعتقد، وهذا مما يختلف فيه الناس»٤٤٨منهاج السنة (5 / 91). اهـ.

وقولوا لهم: نحن نكون إن شاء الله على ما كان عليه محمدٌ ﷺ وأصحابُهُ رضي الله عنهم، وعلى سـيرة سلفنا الصالح: لا غلوّ ولا جفاء، ومع السواد الأعظم من المسلمين، ومع أهل العلم والخير والصلاح والجهاد، ممن ثبتت خيريتهم وصلاحهم، وظهر فضلهم وحَسُنَ بلاؤُهم في الإسلام، علمًا ودعوةً إلى الخير وجهادًا في سبيل الله وتضحية من أجله ﷻ.. نكون مع «الطائفة المنصورة» إن شاء الله التي لن تزال قائمة وظاهرة على الحق تقاتل في سبيل الله إلى قيام الساعة.

ص 690

وعامّة أولئك معروفون مشخُّصون لكل العقلاء، وطريقهم واضحٌ بيّن والحمد لله رب العالمين، وأما شنشنة «المخلف» الضالّ وأتباعه وتمويههم ودجلهم وافتراؤهم على الله ورسوله، وتشكيكهم وخزعبلاتهم؛ فهذا ليس من سبيل أولئك، بل هو فتنة وبدعةٌ ومروق وفسوق والعياذ بالله، فنحن منه بُرآء وله مجانبون وعنه حائدون، ﴿فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١٢﴾ [هود]، (قل آمنتُ بالله ثم استقم) رواه مسلم وأحمد وغيرهما٤٤٩صحيح مسلم (2368) لكن بلفظ: (فاستقم)، مسند أحمد (15416) وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين.، (ثلاثٌ مَن كن فيه وجدَ بهنّ حلاوة الإيمان: أن يكون اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يُحبَّ المرءَ لا يحبّه إلا لله، وأن يكرَهَ أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه اللهُ منه كما يكرهُ أن يُقذَفَ في النار) متفق عليه٤٥٠صحيح البخاري (16، 21، 6941)، صحيح مسلم (43)..

واعلموا أن أهل الضلال والبدع لا تكاد تنقطع فتنتهم واعتراضاتهم وتشكيكاتهم، لأنهم أهل بدعةٍ وهوىً، فلا يكاد يقمعهم شـيء حتى يصطدموا بصخرة الواقع ويرون العذابَ الأليمَ أو يفجأهم الموت ولات حينَ مرجع ولا ندم..! نسأل الله أن يقينا وإياكم مضلات الفتن؛ فمثلا سـيقول لكم المخلف: إن ما يدعو إليه هو من الدين ومما يلزم المسلمَ الاستقامةُ عليه، ولا يكون مستقيما حتى يستقيم عليه، ولا يكون كذا إلا بكذا وكذا.. هكذا مما تعرفونه وجرّبتموه من تهويلاتهم وافتراءاتهم على الله ودينه.

ولكن أنتم يكفيكم ما هو بيّن واضحٌ في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما عليه سلفنا الصالح ومن سارَ على نهجهم كما ذكرنا، وقولوا له: إن الله عز وجل قال: ﴿فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ﴾ فأين أمرنا اللهُ عز وجل بما تأمُرُ به أنت أيها المخلف، فلن يجدَ جوابًا إلا التخريف والادّعاء والتلفيق المتهافت.!

ص 691

وقولوا له: إن الله عز وجل زادنا فقال: ﴿وَلَا تَطۡغَوۡاْ﴾ أي لا تجاوزا ما حدّ الله لكم وبيّن لكم من الدين، والطغيان يكون عادة بالزيادة ومجاوزة الحد، وقد يكون بالنقصان والتفريط لأنهما مخالفةٌ وخروجٌ عن الحد، أو يكون دلالة ﴿وَلَا تَطۡغَوۡاْ﴾ على النهي عن النقصان والتفريط أيضا من جهة بلاغية أخرى كالاكتفاء، والمقصود أن الله عز وجل أمرَنا أن نستقيم على ما أمرَ به ﷻ، ونهانا عن الخروج عنه ومجاوزته، وما أمرَ الله عز وجل به، هو بيّن واضحٌ في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، وما يحتاج إلى توضيحٍ قد شـرحه العلماءُ وبيّنوه ووضحوه في كتبهم، قال الله عز وجل: ﴿وَقَدۡ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيۡكُمۡ﴾ [الأنعام: 119]، فما لم يكن كذلك فليس هو مما أمرَ الله به، إلا أن يقول الفقيهُ: أرجو أنه كذا، وأخشـى أنه كذا.. أما ما أمرَ الله به مما يصحُّ أن نقول فيه بإطلاق إن الله قد أمرَ به، فهذا بيّن لا يخفى، كما قال النبي ﷺ: (الحلالُ بيّنٌ والحرامُ بيّن وبينهما أمورٌ مشتبهات) الحديث متفق عليه٤٥١صحيح البخاري (52)، صحيح مسلم (1599).، وقال: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرةُ مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم) رواه مسلم٤٥٢صحيح مسلم (1337)..

و«المخلف» المفتونُ لا يقول: أرجو ولا أخشى، بل يقول: أجزم وأوقِنُ وأقطعُ، ويقول: هذا حكمُ الله ودينُهُ.. وذلك في مسائل يعلم جميعُ العلماء أنها مسائل نظر واجتهاد محتملة ومبناها على الاستدلال، ويقع فيها اختلافُ الناظرين، وأن الجزمَ والقطعَ فيها مزلّةٌ، وأنه يبعُـد في العادة أن يصل الإنسانُ إلى اليقين في جميعها أو أكثرها، إنما مدرَكُها الظنُّ، وقد قال عز وجل: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ﴾ [النحل: 116] الآية، وتدبّروا أيها الإخوة هذه الآية الكريمة الأخرى من سورة «الشورى» واقرؤوا تفسـيرها واعرفوا ما فيها من المعاني العظيمة: ﴿فَلِذَٰلِكَ فَٱدۡعُۖ وَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡۖ وَقُلۡ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَٰبٖۖ وَأُمِرۡتُ لِأَعۡدِلَ بَيۡنَكُمُۖ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمۡۖ لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡۖ لَا حُجَّةَ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُۖ ٱللَّهُ يَجۡمَعُ بَيۡنَنَاۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ١٥﴾ [الشورى]، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

فهذه مقدمات ووصايا رأيت أن أضعها بين يدي الجواب على السؤال، تنبيها للغافلين وتحذيرا للصادقين الطالبين الحق والخير، ولم أقصد بها الاستيعاب ميلًا إلى الاختصار، وإنما هي كلمات نصحٍ نرجو الله عز وجل أن ينفع بها من تأملها من الإخوة شباب الإسلام، وأما الرد على ضلالات «المخلف» وما يسميه «قواطع» الأدلة على ضلاله.. فلعل الله ييسـر له فرصة أخرى، أو يكفينا الله عز وجل بمن هو خيرٌ مني من طلبة العلم والمشايخ مَن يصبر عليه ويحتسب فيه فيوفيه الكيلَ دحضا وتبيينا لكذبه ودجله، وبالله التوفيق.