[القول في «المصالحة الوطنية في الجزائر»، وقصة مهادنة بعض المجاهدين للنظام الجزائري، وكلمة عن الأوضاع في أرض الشهداء، ونصح]

شـيخنا الفاضل: ما هو رأيكم أو بالأحرى رأي الشـرع لما يحدث في أرض الشهداء الجزائر؟ وبماذا نسمي: «المصالحة الوطنية في الجزائر»؟ وكيف ترون الحل للأوضاع هناك؟ وبماذا تنصح الشباب والحركة الإسلامية؟.

[السائل: أبو النور]

الجواب:

الحمد لله رب العالميـن..

طبعًا الجواب هو رأيي وفهمي في الجملة، وقد يتضمن في بعض أجزائه ما هو حكمٌ شـرعيٌّ منسوب إلى الشـرع على جهة القطع، ولكن على الإجمال هو رأي قائله، وما يـنسب إلى الشـرع لا يقال له رأي (رأي الشـرع) وإنما يقال: حكم الشـرع أو حكم الشـريعة وحكم الله تعالى ونحو ذلك، لكن لا بد أن يكون هذا مما ثبت فعلا بنص كلام الله ورسوله ﷺ أو ما في معنى وقوة نص كلام الله ورسوله.. فهذا للفائدة.

ص 277

وأما ما نراه في ما حدث ويحدث في الجزائر مما يسمى بالمصالحة الوطنية.. فهذه المصالحة المزعومة هي فكرة الدولة الكافرة، وهي مشـروعها، هي أنتجته وصاغته كما تحب، ودعت إليه وقامت عليه، فهو مشـروع للدولة تحاول به الخروج من «أزمتها» كما يعبّرون، ومن مآزقها ومشاكلها، وتحافظ به على وجودها واستمرارها، وتقضـي به على الحركة الجهادية (الحركة الإسلامية المسلحة المعارضة لهذه الدولة المرتدة)، فيد النظام في هذا المشـروع المسمّى المصالحة الوطنية أو الوئام الوطني أو أيَّ شـيء سمّوه، هي العليا، وبالتالي فهو مشـروع للقضاء على الجهاد؛ إضعافه وتفتيته ثم إيقافه ثم إنهائه..! فلا حاجة بنا إذن للتطويل في سـرد أدلة وتحرير مقالات سابغة لتبييـن أن هذا مشـروع دولة الردة هذا المسمى «المصالحة» لا يحل الدخول فيه ابتداءً ولا الاستجابة له.! هذا لا أظن مؤمنا يشك فيه ألبته.. إنما قد يغتر به جهلة الناس وسفلتهم ممن لا خلاق لهم في معرفة ديـننا.! أو مرضـى القلوب ممن لا خلاق لهم في الإيمان.! هذا هو الأصل بلا شك.

لكن قد حصل أنه استجاب لهذا المشـروع الخبيث طوائف من المسلميـن ممن سبق له جهادٌ وعمل صالح وقيام بهذا الديـن والدعوة إليه ومحاربة المرتديـن عليه.

وسبب ذلك أنهم -عند أنفسهم وفي قناعتهم- قد أدركوا العجزَ والغلبة والانكسار، وأيسوا من استمرار الحرب، ورأوا أن يستسلموا ويضعوا أسلحتهم في مقابل العفو عنهم وتأميـنهم من قبل أعداء الله. فهذا لمن عجزَ فعلا محل اجتهاد وترخّص..! لكن النظر إنما هو في تحقق العجز حقًا، والله أعلم.

وأنا قد رأيت بدايات هذا المشـروع في الجزائر ومواقف المجاهديـن أهل الجبال والسلاح منه، وذلك حيـنما عقد «الجيش الإسلامي للإنقاذ» الهدنة مع الحكومة، وطاف رجاله البلاد للدعوة إليها؛ فدخل فيها كتائب من وسط البلاد.. فبطبيعة الحال، كان في تلك الحقبة المتوترة جدا والصعبة، بسبب انهيار الجماعة واختلاط الأمور والحروب الداخلية والمجازر الفظيعة والإحباط لدى الناس والنفور واليأس.. كان هناك خياران مطروحان:

- الدخول في الهدنة.

- رفض الهدنة.

فعلى الخيار الأول -الدخول في الهدنة-؛ كانت هناك أفكار في البداية:

ص 278

الفكرة الأولى: أن هذه هدنة بمعناها المعروف في الفقه في كتاب الجهاد، هدنة مع العدوّ (المرتديـن) جائزةٌ على قولٍ يأخُـذ هذا الفريق به، واحتاجوا إليها، يلتقطون فيها أنفاسهم من حالة الارتباك الشديد والفوضـى والذهول التي أحدثتها مجازر «الجيا»، ويعيدون فيها تنظيم أنفسهم وتجديد المياه في هياكلهم، ويتفرغون لبعض الإصلاح الداخلي، ثم يعودون إلى قتال المرتديـن كالسابق، وغير ذلك من المكاسب التي قدرها هذا الفريق، أو على الأقل هي دعواهم.

ويمثل هؤلاء كتائب في الوسط رأيتها وعشت فيها مثل: كتيبة الأربعاء، وكتيبة الزبربر (في جبل الزبربر حول وادي يسـر خلف الأخضـرية) وغيرها.

الفكـرة الثانية: هي فكرة جماعة جيش الإنقاذ (وهم أصحاب الفكرة الأصليون وعاقدوها مع النظام ابتداء والداعون إليها) فهؤلاء حقيقة الذي رأيته من إشارات وسمعته من كلام مَن رأيـناه من مبعوثيهم، أن فكرتهم كانت غامضة!! وكنتَ تستطيع أن تستشفّ أن الأمر قد يؤول إلى ترك الجهاد بالكلية والنزول والاستسلام، لكنهم لا يصـرحون بذلك طبعًا.

وعلى الخيار الثاني رفض الهدنة-:

كان يوجد في الوسط: المنطقة الثانية بقيادة حسن حطاب، وكان يوجد بعض بقايا السـرايا في منطقة العاصمة، ولم نكن نعلم -ونحن في الوسط- خيارات أهل الشـرق والغرب والجنوب على وجه الدقة والتأكيد، لكن بلغنا أن بعض الكتائب في الغرب استجابت لدعوة جيش الإنقاذ للهدنة، وأما غالب المناطق والكتائب فلم نعرف موقفها يومها، إلا أن الأغلب وشبه المؤكد أنهم رافضون لها غير قابليـن، ولا سـيما أهل الشـرق والصحراء، وكذلك كان عموم أهل الشـرق والجنوب، وكانوا كتائب جيدة وقوية، كانوا في عافية إلى حدّ كبير مقارنة بأهل الوسط الذيـن ابتلوا بالجيا وفسادها وحروبها؛ وأهل الغرب لم يكونوا في قوة أهل الشـرق والجنوب.

وأما أهل الوسط وأخص منها ولايات العاصمة وبومرداس والبليدة والمدية والبويرة، فهؤلاء ابتلوا بالجيا ومجازرها ومآسـيها وانشغل كثير منهم بالحروب معها وأصابتهم جراح وقراح وأهوال منها، وخاصة في الأربعاء وبوقرة وما جاورها.

ص 279

فالذي رأيته من كتائب الأربعاء والزبربر والمدية ومفتاح والشـراربة وغيرهم ممن قاربهم، أن أكثرهم كانوا يريدون مواصلة الجهاد، وإنما دخلوا الهدنة مع جيش الإنقاذ على أساس الفكرة الأولى المذكورة أعلاه.

لكن كان أمامهم صعوبات، رأيت بعض الصالحيـن منهم وأحسنهم عزيمة يحاولون أن يبذلوا جهودا في تذليلها، وفي حل المشكلات للإسـراع في العودة إلى الجهاد (القتال) وإنهاء الهدنة في الوقت المناسب.. الخ.

لكن كان الواقع مريرًا، وكانت الناس تنفضّ عنهم، وظهرت خلافات وكثر مَن يسلّمون أنفسهم وبدأ يقع التفلّت وعدم الانضباط، وصارت كثير من هذه الكتائب تكسوها الفوضـى، فلم يستطع أهل العزائم أن يصنعوا شـيئا كبيرًا، خرجتُ أنا من البلاد في تلك المرحلة، في مرحلة الهدنة.

وعلمتُ بعد ذلك أن معظم هذه الكتائب دخلت في العفو ونزلت من الجبال وتركت السلاح..! ولله الأمر من قبل ومن بعد.. أعرف فيهم أناسًا صالحيـن أهل خير كثير.. ورأيت فيهم في الجملة ديـنا وصلاحًا؛ لكنهم غُلبوا، ويئسوا وأصابهم إحباط كبير ولم يصبروا واختاروا الاستسلام، نسأل الله أن يعفو عنهم وأن يصلح أحوالهم ويهديهم.!

كنت مع بعض إخواني نقول لهم: إن هذه الجبال وهذه الطبيعة العجيبة التي وهبكم الله إياها تستطيعون أن تمكثوا فيها عقودًا من الزمن بإذن الله لا يقدر على إخراجكم منها حتى حلف الناتو كله لو اجتمع عليكم.!!

وضـربتُ لهم مثلا «بلورون كابيلا» الزعيم الشـيوعي الكونجولي الذي مكث في أدغال زائير والكونجو ثلاثة عقود (ثلاثيـن عامًا) من سنة 65م حيـنما حاول قيادة ثورة على نظام موبوتو سـيسـي سـيكو رئيس زائير يومها، حتى إن صديقه الشـيوعي الثوري المشهور شـيجيفارا جاء وساعده، لكن دولة سـيسـي سـيكو كانت يومها في أوج قوتها ونهوضها فلم يفلح كابيلا في أن يـنال منها، لكنه كمَن في الأدغال ثلاثيـن عامًا يـنتظر فرصته، حتى جاءت الفرصة له فعلًا سنة 95م حيـن نخرت دودة الفساد عظم دولة سـيسـي سـيكو وآلت المشاكل المتراكمة بنظامه إلى الانهيار ووقعت أحداث راوندا وبوروندي وحروب الهوتو والتوتسـي، فاستغل كابيلا الفرصة ووظف القضـية جيدا لمشـروعه، وجعل من أزمة اللاجئيـن في المنطقة معمَـل تجنيد له، وزحف على زائير فاستولى عليها وغيّر حتى اسمها.!!

ص 280

كنا نقول لإخواننا: اصبروا وصابروا.. لكن كان الفشلُ غالبًا والانهيار باديًا والإحباط شديدًا جدا مؤسفًا..! والمشكلة الكبيرة الأخرى التي واجهتهم وكانت عامل إفشال لهم زائدًا، أنهم كانوا يقولون: نحن لوحدنا قليلون لا نستطيع فعل شـيء، الطاغوت من أمامنا، والجيا من ورائنا، وحسن حطاب -المنطقة الثانية- من هنا أيضا هم أشبه بالأعداء لنا، يروننا مبتدعة -جزأرة وغير ذلك، لأنهم كانوا يصنّفون الأربعاء والمدية وغيرها جزأرة، وهذا فيه وفيه، ويحتاج إلى تفصـيل، وفيه كثير من الظلم- ولا نأمن جانبهم، ولا يمكن أن نقبل أن ندخل معهم، فإنهم -هذه الكتائب كالأربعاء والزبربر وغيرها- كانوا يرون حسن حطاب وجماعته قريبيـن من «الجيا»، وكان هذا له وجه للأسف الشديد..!!

فالحاصل.. خرجت من البلاد على هذا الوضع تقريبا، ثم سمعت بعدُ من الخارج أنهم -هذه الكتائب- جميعًا تقريبًا استسلمت ونزلت وقبلت عفو المرتديـن.. وإنا لله وإنا إليه راجعون؛ فهذا بعض ما عرفته من الواقع.

ونرجع إلى السؤال؛ فالحمد لله، الآن هناك وضع جديد كما سنزيده توضـيحًا إن شاء الله، وصار كل ذلك الذي ذكرناه من التاريخ، إنما نذكر منه بعض العبر والدروس.

والنصـيحة لإخواننا المجاهديـن في الجزائر بلا شك ولا ريب هي: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٢٠٠﴾ [آل عمران]. وليستبشـروا بما هو آتٍ من المدد والفتوحات بإذن الله.. والله مولى المؤمنيـن.

•••