ومن أمثلة التناقضات التي تعترضهم باستمرار:

۞ تكفيرهم لعموم المسلمين بما فيهم خيارُهم من العُبَّاد والزهاد والمجاهدين والاستشهاديين وأهل العلم والدعوة والبذل في سبيل الله عز وجل، يكفرونهم كلهم، ولا يحكمون إلا بإسلام نفرٍ قليل هم جماعتهم ومَن كان مثلهم فقط، بل ويحكمون بكفر سائر الأمة في قرونها المتأخرة، وهم يجدون في الأحاديث النبوية وظواهر الشـريعة أن أمة الإسلام لا يزال نسلها مستمرا باقيًا إلى قربِ قيام الساعة حين يأذن الله عز وجل بأخذ أرواح كل أهل الإيمان، ويجدون في الأحاديث مدحًا لبعض أعصُـر٤٠٥«أعصر» جمع «عصر»؛ ينظر: المصباح المنير (2 / 413). الأمة وأزمنتهم وأمكنتها والإخبار ببقاء الإسلام والإيمان والصلاح فيها وفي أهلها، وأحاديث الطائفة المنصورة الظاهرة على أعدائها وأنها لن تزال قائمة موجودة إلى قيام الساعة، وغير ذلك كثير جدا، فيحصل عندهم تناقض كبيرٌ وتأنيبٌ للضمير مُمرضٌ مهلكٌ.!

۞ ومنها: ما يرون من علامات الصلاح وحسن الإيمان كما أخبر عنه الله ورسوله ﷺ في الأحاديث الكثيرة وعلامات حسن الخاتمة لكثير من المسلمين، ولا سـيما المجاهدين والشهداء، ويرون صبر الصابرين وقوة إيمان ويقين المؤمنين الموقنين، والحال أنهم يحكمون عليهم جميعا بالكفر وعدم الإسلام، فيظلون في تناقض كبير لا يعلمه إلا الله، ولا يمكنهم -في قرارة أنفسهم- دفعُـه لكثرته وقوة دلالته وفطريته.!

۞ ومنها: تكفيرهم لعموم علماء الأمة وفيهم العلماء الكبار أهل الصلاح والصدق والفهم والتحقيق، في حين أنهم ينظرون إلى أنفسهم عند المقايسة فيجدون أنفسهم جهلة عالة على هؤلاء العلماء.!

ص 662

۞ ومنها: التناقض من جهة أنهم حين يكفرون عامة قرون الأمة المتأخرة إلا نفرًا قليلا، يحصل عندهم وسواسٌ وشكٌّ في صحة نقل الدين ووصوله إليهم؛ فإن الدين -القرآن والسنة وشـروحهما، وما في معناهما من الإجماعات والأقيسة الصحيحة، وكذا أدوات فهمهما كاللغة العربية وعامة علوم الآلة- إنما وصلت إليهم بواسطة هذه القرون لا محالة، فإذا كانوا كفارا فكيف يؤتمنون على نقل الدين وشـروحه، فيحصل عندهم تناقضٌ كالذي يحصل عند الروافض المارقين، فإما أن يهتدي الواحدُ منهم أو يتزندق، والعياذ بالله.!

۞ ومنها: أنهم يكتشفون كل يومٍ أدلة جديدة تناقض مذهبهم فيتعسّفون في ردها، لكن تغلبهم مع كثرتها وقوتها وتظافرها..! ولا يكون منهم إلا المكابرة تلوَ المكابرة حتى يستيقنوا في قرارة أنفسهم أنهم مكابرون، ولكن يطبع الله على قلوب كثير منهم فهم لا يرجعون، ومن ذلك ما يطلعون عليه مثلا من أقوال لبعض علماء «الدعوة النجدية» الذين يعظمونهم في أول الأمر، ثم يكفرونهم (لا يبعُد أن يكفرهم المخلف فيما بعدُ إن استمر على هذا الطريق ولم يتداركه الله برحمته) تخالف ما ذهبوا إليه، بل وأقوالٍ للشـيخ «محمد بن عبد الوهاب» نفسه، بل وشـيخ الإسلام «ابن تيمية»، وغيره من العلماء والأئمة، ومن ذلك ما يرونه منهم إما من نصوص كلامهم أو من مسطور سـيرهم من سماحةٍ وإعذارٍ للمخالفِ ورحمة بالجاهلين، فيظلون زمنًا يتعسّفون في ليّ أعناق أقوالهم ومواقفهم المحكمة، لكن يضعف في قلوبهم احترامُهم ومحبتهم، ثم ينتقلون إلى التشكيك فيهم، ويهابون تكفيرهم زمنًا؛ لأن عامة ضلالتهم انبنت على فهمٍ سـيئٍ لأقوال هؤلاء الأئمة، ويخافون من ظهور تناقضهم والافتضاح أمام الناس، ثم قد يصلون إلى درجة لا يبالون بشـيء ويكفرونهم كما ذكرنا.

ص 663

۞ ومنها: أنهم مع مرور الوقت أيضا يكتشفون كثرة وقوة مناقضتهم لمقاصد الشـرع ومبانيه وأصول الدين المتقررة بأنواع الدلالات غير النصـيـة؛ فإنهم يجدون أن الشـرع يميل إلى العذر ويتشوّف إليه، ويكثر من مدحه والحث عليه، كما قال النبي ﷺ: (وليس أحدٌ أحبَّ إليه العذرُ من الله من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل) متفق عليه وهذا لفظ مسلم٤٠٦صحيح البخاري (7416)، صحيح مسلم (2760).، كما يتشوّف إلى التيسـير والسهولة والتخفيف، وهم بعكس ذلك كله، فيوجب لهم ذلك تأنيبَ ضمير مضافا ومكررًا، حتى ليصل الحالُ ببعضهم إلى أن يكره أن يسمع أو يقرأ من القرآن والحديث آيات وأحاديث التيسـير والعذر والتخفيف ونحو ذلك..! وهذا هو شأن صاحب البدعة والفسوق (وهو الخروج عن طاعة الله عز وجل وصـراطه المستقيم) أنه يصـير عنده حرجٌ من الآيات والأحاديث التي تخالف بدعته وفسقه، فيدخل بذلك تحت طائلة قول الله ﷻ: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا ٦٥﴾ [النساء]، وقد ذكر هذه الفائدة «ابنُ القيم» في بعض كتبه، ونقل في كتابه «اجتماع الجيوش الإسلامية» عن ابن أبي حاتم وعبد الله بن الإمام أحمد في كتابيهما «السنة»، أنهما رويا عن الجهم بن صفوان أنه تلا قوله عز وجل ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ ٥﴾ [طه]، فقال: «لو وجدتُ السبيلَ إلى أن أحكها من المصحف لفعلتُ» ٤٠٧اجتماع الجيوش الإسلامية (2 / 225).، نسأل الله العافية والسلامة والتثبيت على الحق.. آمين.

قال ابن القيم رحمه الله في كتابه «الفوائد»، عند كلامه على أنواع هجر القرآن: «وكذلك الحرجُ الذي في الصدور منه؛ فإنه تارة يكون حرجا من إنزاله وكونه حقا من عند الله، وتارة يكون من جهة التكلم به أو كونه مخلوقا من بعض مخلوقاته ألهم غيرَهُ أن تكلم به، وتارة يكون من جهة كفايته وعدمها وأنه لا يكفي العباد، بل هم محتاجون معه إلى المعقولات والأقيسة أو الآراء أو السـياسات، وتارة يكون من جهة دلالته وما أريد به حقائقه المفهومة منه عند الخطاب أو أريد به تأويلها وإخراجها عن حقائقها إلى تأويلات مستكرهة مشتركة، وتارة يكون من جهة كون تلك الحقائق وإن كانت مرادة فهي ثابتة في نفس الأمر أو أوهم أنها مرادة لضـرب من المصلحة، فكل هؤلاء في صدورهم حرج من القرآن، وهم يعلمون ذلك من نفوسهم ويجدونه في صدورهم، ولا تجد مبتدعا في دينه قط إلا وفي قلبه حرجٌ من الآيات التي تخالف بدعته كما أنك لا تجد ظالما فاجرًا إلا وفي صدره حرج من الآيات التي تحول بينه وبين إرادته، فتدبر هذا المعنى ثم ارض لنفسك بما تشاء»٤٠٨الفوائد (1 / 82). اهـ.