[القول في مقولة: «قد تقوم دولة الإسلام بلا جهاد»، ومقولة: «لا يفتي قاعد لمجاهد»، وحكم الجهاد في هذا الزمان، والقول في مناشدة «د. أيمن الظواهري» للجيش الباكستاني بالثورة على «مشرف»]
(1) ما رأيكم في مقولة: «إن دولة الإسلام يمكن أن تقوم بدون جهاد»، حيث هناك بعض الإخوة يخطئ من يقول: لا حل إلا بالجهاد ويقول له ما تقدم.
(2) هل ترون الجهاد فرض عيـن اليوم وهل ترون نفير الأمة كلها؟ وكيف لو نفرت الأمة كلها هل يمكن هذا؟.
(3) ما قولكم في مقولة: «لا يفتي قاعد لمجاهد؟».
(4) ما رأي حضـرتك في مناشدة الدكتور أيمن حفظه الله للجيش الباكستاني أن يثور على «برويز مشـرف» الخائن؟
[السائل: عبد الله جواد]
الجواب:
الفقرة 1: قول من يقول: «لا حل إلا بالجهاد».. المراد به: للبلاء الذي تعاني منه الأمة جراء سـيطرة حكومات الردة، فهذه لا بد من جهادها، وهذا صحيح إما كليا أو أغلبيا.
ومن قال: إن دولة الإسلام لا تقوم إلا بالجهاد.. فهذا أيضًا صحيح، لكنه أغلبيّ، ولا بأس بإطلاقه على أساس أنه أغلبيّ، ومعنى الجهاد هنا القتال كما هو معنى اللفظ عند الإطلاق.
ومعنى قيام دولة الإسلام بالجهاد له وجهان:
الوجه الأول: أنها لا تقوم ابتداءً للمسلميـن دولة إلا بالجهاد في سبيل الله، وقلّ أن توجد دولةٌ مسلمة بدون جهاد.
والوجه الثاني: أنها لا تقوم بمعنى لا تستمر قائمة ثابتة إلا بالجهاد في سبيل الله لأن الجهاد هو حامي الأمة والدولة المسلمة، وهو عماد سلطانها وعزتها؛ فإذا تركته انهارت وأصابها الذل وغلبها الأعداء واستولوا عليها، وهذا صحيح مدلولٌ عليه بأدلة القدر والشـرع الكثيرة.
ومن يقول إن دولة النبي ﷺ في المديـنة قامت بدون جهاد؛ لأن الجهاد شـرع بعد قيامها أي بعد الهجرة إلى المديـنة، والدولة قامت بهجرته، فهذا وإن كان ظاهره يبدو صحيحًا لكن لا يـنبغي الاعتراض به؛ لأنه قابل للبحث بأن يقال: لا وجود للدولة بمعناها الكامل قبله، والنبي ﷺ هو إمام المسلميـن وهو دولتهم وفئتهم حيث كان، والجهادُ شـرع بمجرد الهجرة مقرونًا بها، وقد قيل: إن آيات الحج: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ ٣٩﴾ [الحج] نزلت مع خروج النبي ﷺ مهاجرًا من مكة إلى المديـنة؛ فيحتمل أنها نزلت في طريق الهجرة أو بعد الوصول بِزَمَنٍ يسـيرٍ.
فمما ورد في سبب نزولها: ما رواه ابن جرير في «تفسـيره»، ورواه الإمام أحمد والترمذي وقال: «حديث حسنٌ»، والنسائي وابن حبان وغيرهم: عن ابن عبـاس قال: «لـما خرج النبـيّ ﷺ من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبـيهم، إنا لله وإنا إلـيه راجعون، لـيهلكُنّ، قال ابن عبـاس: فأنزل الله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ ٣٩﴾ [الحج] قال أبو بكر: فعرفت أنه سـيكون قتال، قال ابن عباس: وهي أوّل آية نزلت في القتال»٣١٥جامع البيان للطبري (18 / 644)، مسند أحمد (1865) وصحح إسناده الأرنؤوط وأحمد شاكر، سنن الترمذي (3171)، سنن النسائي (3085) وصححه الألباني، صحيح ابن حبان (4710). اهـ.
وما يذكر من قيام بعض دول للمسلميـن في التاريخ بدون جهاد (قتال وحرب) كما في بعض نواحي جنوب شـرق آسـيا وفي أواسط وغرب أفريقيا.. فتلك كانت في غالبها قبائل تدخل الإسلام بسبب الاحتكاك بالمسلميـن الدعاة من التجار وغيرهم من المهاجريـن، ويستمر لها ملكها وحكمها على إقليمها وناحيتها ثم تتكون الدولة بعد فلا تستغني عن الجهاد..
فالحق أن الجهاد هو قوام عز وتمكيـن واستمرار الدولة المسلمة.
وعلى كل حالٍ.. لا مشاحة، ولا يلزم الخلاف في ذلك، ولا أراه مما يـنبني عليه شـيء مهم من العمل؛ لأن الواجب النظر في الأدلة التفصـيلية لمعرفة الأحكام الشـرعية العملية في كل مورد تكليف، والموفق مَن هداه الله وألهمه رشده، وما النصـر إلا من عند الله.
الفقرة 2: الكلام على كون الجهاد فرض عيـن وما نرى في معنى ذلك تقدم في الأجوبة السابقة، وبالله التوفيق، والخلاصة أن الجهاد واجبٌ اليوم على المسلميـن جميعا لانعقاد الإجماع على أن العدوّ الكافر إذا نزل بأي ناحية من أرض المسلميـن فيجب على أهل تلك الناحية دفعه؛ فإن لم يمكنهم ذلك أو قصـروا ونكلوا اتسع فرض الجهاد إلى مَن يليهم ثم مَن يليهم إلى أن تحصل الكفاية، ولو عمّ فرضُ العيـن الأرض كلها.
والعدو الآن نازل بالعقر.. وأجزاء متفرقة كبيرة من بلاد الإسلام محتلة من قبل العدو الكافر منذ أزمانٍ..! والمرتدون يحكمون معظم بلاد الإسلام.! فالجهاد فرض عيـن على المسلميـن بمقتضـى هذا الدليل لا إشكال فيه.
ولأن الجهاد الآن ليس مجرد معركة محدودة تنتهي وتنحسم بأن يـنفر الناس لأيام فيدفعوا العدوّ ويرتاحون بعدها!! بل هو (الجهاد) عمل متكامل طويل النفس مستمرٌ إلى ما شاء الله حتى يحصل تخليص سائر بلاد الإسلام والأسارى، وهو محتاج بالضـرورة إلى المال والدعوة والإعلام وسائر الخدمات المساعدة، فلا بد أيضًا من أن يتفرّغ بعض المسلميـن لهذه الأعمال..!
من أجل ذلك قلنا: إن الواجبَ على كل مسلم السعي في هذا الجهاد وبذل المستطاع بحسب حاله وما يـناسبه وما يُــطلبُ منه وما يتاح له في وقته ومكانه وفرصته.
وقلنا إن هذا هو معنى قولنا: الحق بالقافلة، والله المستعان.
فأما نفير الأمة كلها؛ أي للجهاد بالنفس واليد في ساحات القتال، فهذا غير ممكن وهو مما تحيلُـه العادة والله أعلم، وليس مما يُحتاج إليه، ولا لنفير أكثرها، لكن القدر الكافي منها.
وما دام المسلمون مقصـريـن والكفاية غير حاصلة لدفع العدوّ فالإثم لاحق لكل مَن قصـر..!
ومَن قام بما قــدَرَ عليه وبذل جهده (لحِـق بالقافلة) فقد برئ وسلم إن شاء الله، والله المستعان، وبه ﷻ التوفيق.
الفقرة 3: عبارة «لا يفتي قاعدٌ لمجاهدٍ» ليست على إطلاقها، وإنما مراد القائل لها: أن المفتي يجب أن يكون عارفًا بواقع ما يفتي فيه ومَن يفتي لهم؛ فمن لم يكن عارفًا بالجهاد مجربًا له أو كالمجرب له بقربه منه ومن أهله وبمتابعته لشؤونه وحسن العلاقة به، فلا يستطيع أن يفتي في أمور الجهاد، وإذا فعل فسـيخطئ كثيرًا ولن يوثق به.!
ولهذا قال شـيخ الإسلام: «والواجب أن يُعتبر في أمور الجهاد برأي أهل الديـن الصحيح الذيـن لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا، دون أهل الدنيا الذيـن يغلب عليهم النظر في ظاهر الديـن، فلا يؤخذ برأيهم ولا برأي أهل الديـن الذيـن لا خبرة لهم في الدنيا»٣١٦الفتاوى الكبرى (5 / 539). اهـ.
وقد يقصد بعض الناس بالعبارة المذكورة أن يقولوا: إن القاعد عن الجهاد قعودًا غيرَ معذورٍ فيه؛ كالمتخلفيـن القاعديـن عن الجهاد الواجب المتعيـن عليهم، وكالمثبطيـن عن الجهاد والمرجفيـن والمخذليـن من أهل الدعة والقعود والراحة وحب السلامة، ومن المنافقيـن العليمي اللسان وأشباههم لا يفتون للمجاهد في سبيل الله، ولا يُــسمع لهم قولٌ في مسائل الجهاد، وهذا حق بلا شك.!
وإذا كان العالـِـمُ معذورًا في قعوده وهو من أهل الخير والصلاح والنصح للمسلميـن؛ فلا يشمله ذلك، وله أن يفتي ويتكلم بما يريه الله، بشـرط أن يكون عارفا بأحوال الجهاد والمجاهديـن كما قلنا في أول الكلام، والله أعلم.
الفقرة 4: مناشدة الدكتور «أيمن» حفظه الله للجيش الباكستاني بأن يثوروا على «برويز مشـرف».. سـياسة جيدة وحكيمة فيما نرى والله أعلم، ولا يلزم منها أنه يرى هؤلاء العساكر (جيش الدولة الباكستانية) أناسًا أخيارًا ولا غير ذلك، ولكنها عملٌ سـياسـي مشـروع، حتى لو كان المخاطـَبيـن كفارًا.
وفائدته: التخذيل بيـن فئات العدو جنوده وقيادته، وتحريك واستنهاض بعض مَن بقي فيهم خيرٌ من أفراد الجيش، وإظهار الاهتمام بهم والرحمة لما هم فيه من استضعاف (وإن لم يكونوا معذوريـن بسببه، فليس هذا الاستضعاف عذرا لهم فيما هو واقعون فيه من فسوقٍ أو كفرٍ)، وكل ذلك مقرون بالعمل العسكري الجهادي في الميدان، فهي خطوط متوازية.
وأقل فائدته: كسـر شوكة الأعداء في حربنا وتوهيـن عزائمهم وانقماعهم داخليا ونفسـيــا بأن يلتفتوا إلى هذا الأمر ويتفكروا فيه ويتأملوا -بعضهم على الأقل- فيحدث ذلك في نفوسهم كرها متزايدًا لقيادتهم الخبيثة الحقيرة الفاسدة، ونفورا منها.!
كما أن فيه فائدة من جهة جمهور الأمة، وخصوصًا الشعب الباكستاني حيث يعلمون أن المجاهديـن حاولوا وبذلوا النصح وأعذروا إلى أولئك العساكر ولم يتركوا سبيلا إلى دعوتهم إلا سلكوه، وهذا مهم، والله أعلم.
وبالجملة.. فهذا مما يدخل في السـياسة الشـرعية التي مبناها على عدم مخالفة الشـريعة.
والحمد لله رب العالميـن.
•••