[القول في «برنامج علمي» لطالب العلم، ولماذا يعتقل كثير من العلماء والقادة من الطغاة؟، والرد على من ذكر -من العلماء- أنه لا يفر من بلاده!]

(2) نريد من فضـيلتك أن تنصح الإخوة طلبة العلم بدراسة كتب لمشايخ تثق في أمانتهم وفى مناهجهم وذكر الكتب العلمية التي يبدأ بها طالب العلم؟.

ص 408

(3) ما تقييمك لما يحدث لكثير من القادة والعلماء من أسـر واعتقالات من قبل الصليبيـن والطواغيت وما سبب ذلك؟

[السائل: شسـيبل]

الجواب:

الفقرة رقم 2: أخي الكريم، هناك الكثير من العلماء والدعاة الثقات وضعوا برامج علمية لطلاب العلم لكيفية طلب العلم مقسمة إلى مراحل زمنية مراعىً فيها التدرج والانبناء اللازم، وكثير من هذه البرامج مطبوع ومنشور على الانترنت، وكلها جيد، فبأيها أخذ طالب العلم فهو حسن.. الشـيخ «حامد العلي» له برنامج من هذا القبيل، والشـيخ «عبد القادر بن عبد العزيز» من قبلُ وضع برنامجًا في كتابه «الجامع»، وغيرهم كثير جدا٢٢١انظر في برنامج شرعيٍّ لطالب العلم ما يلي: البرنامج العلمي لطلبة العلم؛ لأبي الفضل عمر الحدوشي، لمن يريد أن يقود قافلة الجهاد براية العلم؛ لناصر الفهد، الجامع في طلب العلم الشريف؛ لعبد القادر عبد العزيز (الباب السابع: الكتب التي نوصي بدراستها في صنوف العلم المختلفة)، برنامج تفصيلي لطالب العلم؛ لحامد العلي.. وهذا النوع من المؤلفات قد انتشر مؤخرًا بشكل كبير..

والمهم أن طالب العلم يعرف ما يـناسبه؛ هل هو متفرغ لطلب العلم، فمعظم هذه البرامج موضوعة للطالب المتفرغ للطلب، أو هو غير متفرغ بل هو مشغول في الكسب أو الجهاد أو غيره ويحتاج إلى شـيء خاص يـناسبه، فهذا يـنظر فيه بخصوصه على حسب ما عنده من الفرصة للطلب، وبحسب قدراته وملكاته، وإن كان عنده تحصـيل سابق يبني عليه وهكذا، ويبدأ بالأسهل فالأسهل، ويراعي قدرته على الجمع بيـن فنّيـن أو أكثر أو التفرغ لفن فنٍّ، وهكذا.

والنصـيحة دائما هي اختيار كتب العلماء الكبار المتقنيـن ولا سـيما من السلف والمتقدميـن حيث أمكن، فإن علمهم وكتبهم أكثر بركة وإصابة للحق وسدادًا.. وبالله التوفيق.

ص 409

الفقرة 3: ما يحصل للكثيريـن من قيادات العمل الإسلامي والدعاة والعلماء من أسـر واعتقالات من قبل الصليبييـن والطواغيت هو من جملة المحن والابتلاءات التي يبتلي بها الله عز وجل عباده المؤمنيـن، كما قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ ٢ وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٣﴾ [العنكبوت]، وكما قال النبي ﷺ: (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل؛ يبتلى المرء على حسب ديـنه، فإن كان في ديـنه صلابة زيد له في البلاء) رواه أحمد وغيره٢٢٢مسند أحمد (1481) قال الأرنؤوط: إسناده حسن، وصححه الألباني في: تحقيق الإيمان (ص 62)..

فهذا أمرٌ طبيعي؛ لأنه من طبيعة الصـراع بيـن الحق والباطل، ومن الأذى الذي يصـيب المؤمنيـن من قِـبَـل أهل الكفر والعصـيان والظلمة، فالواجب فيه الصبر والثبات والأخذ بأسباب دفعه من الهجرة والجهاد وغير ذلك بحسب ما يـناسب ويأمر الشـرعُ في كل حالة.

فليس غريبا أن الطواغيت المرتديـن وأولياءهم الصليبييـن يتتبعون العلماء والقيادات الإسلامية الصالحة من المجاهديـن والدعاة إلى الله ويسجنونهم ويؤذونهم ويخرجونهم من ديارهم، فهذه هي طريق الأنبياء والرسل فيها كل هذا، فأتباعهم لا بد أن يصـيبهم نصـيب من ذلك ما داموا يعيشون ظروفا مشابهة من مواجهة الأقوام الكافريـن والطغاة الظالميـن، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمۡ لَنُخۡرِجَنَّكُم مِّنۡ أَرۡضِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۖ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ رَبُّهُمۡ لَنُهۡلِكَنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٣﴾ [إبراهيم]، وقال تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿وَإِذۡ يَمۡكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثۡبِتُوكَ أَوۡ يَقۡتُلُوكَ أَوۡ يُخۡرِجُوكَۚ وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ ٣٠﴾ [الأنفال]؛ فهذا من لوازم السـير على طريق الأنبياء والرسل..

ولكن الذي نتمنّاه أن يكون العلماء والدعاة أقوياء في الأخذ بالأسباب التي شـرعها الله تعالى وأحبها، ويقتدوا في ذلك بالأنبياء، كما قال الرسول ﷺ: (المؤمن القوي خيرٌ وأحبُ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خيرٌ، احرص على ما يـنفعك واستعن بالله ولا تعجز) رواه مسلم٢٢٣صحيحه (2264).، والمراد بالمؤمن القوي في هذا الحديث -والله أعلم- القويّ في التدبير والأخذ بالأسباب، القوي على تحصـيل المنافع الدنيوية والأخروية، وذلك بقوة الحرص والعزم وبذل المستطاع في تحصـيلها؛ فلا يعجز ولا يستكيـن بل يستعيـن بالله تعالى ويجتهد ويأتي كل شـيء من بابه، ويدفع أقدار الله بأقدار الله.

ص 410

ومن ذلك أن لا يحقر الإنسان نفسه بأن يعرّضها لما لا تطيق من البلاء، ولا يستسلم للأعداء، ولا يمنحهم فرصة للنيل منه ما دام قادرا على الهرب منهم والفرار بديـنه من الفتن والهجرة إلى الله تعالى والضـرب في أرض الله الواسعة كما قال تعالى: ﴿يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرۡضِي وَٰسِعَةٞ فَإِيَّٰيَ فَٱعۡبُدُونِ ٥٦﴾ [العنكبوت]، وقال ﷻ: ﴿۞وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗۚ وَمَن يَخۡرُجۡ مِنۢ بَيۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٠٠﴾ [النساء].

وإن من غرائب الأمور أنك ترى بعض أهل العلم والدعوة يأنفون من الهجرة والهروب من الظلمة القاهريـن لهم، ومن الفتن، ويرون الفرار من ظلم الطغاة منقصة، وقد يقول بعضهم: أنا لا أهرب!! يتمدّح بذلك ويتباهى!! وليس ذلك في ميدان القتال وساحة الصـيال، إذن لكان شـرفًا وفخرًا حقًا، بل وهو في قبضة العدو الطاغي المتجبر، وتحت قهره، وكأن هؤلاء خيرٌ من الأنبياء الذي أخبر الله عنهم أنهم هاجروا وفروا من أعدائهم الذيـن يضطهدونهم؛ فقد هاجر الكثير من الأنبياء والرسل.. إبراهيم وموسـى وعيسـى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعيـن وغيرهم كثير، وقال الله تعالى حاكيا عن كليمه موسـى أنه قال: ﴿فَفَرَرۡتُ مِنكُمۡ لَمَّا خِفۡتُكُمۡ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكۡمٗا وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢١﴾ [الشعراء]، وقال: ﴿فَخَرَجَ مِنۡهَا خَآئِفٗا يَتَرَقَّبُۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢١﴾ [القصص].

فالله المستعان، ونسأل الله تعالى أن يصلح أحوالنا جميعا.

وإن من أسعد الناس حقا بهذه السنن النبوية والمقامات الرسولية هم المجاهدون في سبيل الله، الذيـن مَنّ الله عليهم بالعزائم القوية والهمم العالية، فطلقوا الدنيا وخافوا الفتن، وفروا بديـنهم يضـربون في أرض الله الواسعة، يخرجون من ربقة الطواغيت والظلمة المستكبريـن، ويـنابذونهم ويتحررون بتحقيق العبودية الكاملة لربهم ﷻ، فلا يخضعون إلا لسلطانه سبحانه، ولا يطيعون أحدًا إلا تبعا لطاعته، ولا يذلون لأحدٍ إلا تبعا للذلة له سبحانه، كما قال تعالى في وصفهم -وأكرم بهم- وهو أصدق القائليـن: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ٥٤﴾ [المائدة].. فلله درهم وعلى الله الكريم نصـرهم، ونسأل الله ﷻ أن يجعلنا منهم ويحشـرنا في زمرتهم.. آميـن.

•••