۞ تعليقاتٌ على كلام الشيخ محمد المختار الشنقيطي
ذكر الشيخ أشياء كثيرة في كلامه، فيها أشياء يوافقه عليها المجاهدون وأشياء لا يوافقونه عليها، وكذا غيرهم من الناس بالتأكيد يوافقونه في بعض مما قال ولا يوافقونه في بعض: مثل تحذيره من الأخذ عن المجاهيل، وأمره بالتثبت والرجوع إلى العلماء، وقول كلمة الحق، وليس كل من لفّ على رأسه عمامة؛ نأخذ منه ونتبعه.. وما شابه ذلك، هذا كلام كل الناس متفقون عليه.
❖❖❖
كرر الشيخ مرات عديدة الثناء على «ولاة الأمر» في أول الكلام ووسطه وآخره وتبيين ما يجب لهم من الولاء والسمع والطاعة وأن ذلك من عقيدة ومذهب أهل السنة والجماعة.. الخ، وأبدأ في ذلك وأعاد، ويبدو أن ذلك كان صلبَ موضوعه.
حتى قال: الطعن فيهم طعن فينا يعني ولاة الأمر..! وليس هذا بسديد، فلماذا يربط نفسه ويربط العلماء بهؤلاء الحكام؟ هذا غير سديد، بل ظاهر البطلان ولا يحتاج إلى إطالة في ردّه.
وبالمقابل ذكر الشيخ الذين يكفرون الحكام في الانترنت، ويسمّمون أفكار شباب الأمة كذا قال.! طيب؛ إذا كان يتكلم عن السعودية، فهذا اجتهاده ولنتجاوز هذا لأننا في منتداهم أولًا، وثانيًا لأنها مسألة قابلة للاختلاف عندي، وهي كذلك عند سائر جماعات الجهاد المعروفة في العالم الإسلامي «القاعدة» وغير «القاعدة» على حسب علمي: الذي يكفّر الحكومة ويرى مشروعية الخروج عليها يعذر من لا يوافقه في ذلك، ولا يكفّره ولا يبدّعه ولا يفسّقه، هذا الذي عرفناه عنهم ومتأكدون منه جيدًا، وما يوجد خلافَ ذلك فليس هو المعتمد والله أعلم..
أقول: لنتجاوز عن السعودية، ونسأل الشيخ عن برويز مشرّف مثلًا! قبل مدة كان هناك إخوة باكستانيون يسألون عن حكمه ويريدون أن يجاهدوه، أنا سأحيل السؤال إلى الشيخ، ماذا يقول لنا يا ترى؟ ولنسأله عن حكام ليبيا، وتونس وموريتانيا موطنه هو الأصلي أو موطن آبائه بعبارة أدقّ..
يا ريت والله نسمع رأي الشيخ!
❖❖❖
وذكر الشيخ قوله تعالى: ﴿۞لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلۡجَهۡرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ﴾ [النساء: ١٤٨] وأوردها مورد المحاجة والإنكار على «هؤلاء الذين يتكلمون» على حسب تعبيره، ويقصد والله أعلم: كل من يتكلم في الحكومة، وجوابه تمام الآية لو أنصف وتتثبّت: ﴿إِلَّا مَن ظَلَمَ﴾!
❖❖❖
استدل الشيخ بكون الإخوة بيعوا بالدراهم في باكستان وأفغانستان وأنهم انتهوا إلى نهايات أليمة وإلى السجون على أن نفيرهم للجهاد كان خطأ، وعلى صحة مذهبه في النهي عن ذهاب الشباب للجهاد.. وسها عن أن الصحابة بيعوا بالدراهم: باعتهم بنو لحيان إلى قريش؛ خبيب بن عدي وصاحبه!! وأسروا وقتلوا شرَّ القتلات كل ذلك بفضل الله تعالى حصل لأصحاب النبي ﷺ وهو بين أظهرهم والوحي ينزل عليه من رب العالمين؛ فلله الحمد والمنة على ظهور حجج المجاهدين.. وما ضرّهم، سبحان الله!! قوم قاموا للجهاد في سبيل الله على بيّنة من الأمر ثم قتلوا أو أسروا وبيعوا ما تنقم منهم؟ وهل في ذلك ما يدل على خطإ نفيرهم للجهاد، بل والله هم خير منك أنت القاعد.
بل نذكر الشيخ بأن الأنبياء بيعوا بالدراهم يا شيخ؛ ألم تقرأ في القرآن قصة يوسف عليه السلام؟
وبالجملة: فهذا المسلك مسلك غير علمي للحكم على المسائل.. لكن لو أن الشيخ يقول مثلًا: إن النظر السياسي اقتضى في وقتٍ ما أن نقول للشباب؛ تريثوا ولا يذهب أحدٌ الآن لأن المجاهدين هناك في أرض المعركة غير محتاجين لأحد، ولأن الذي يذهب يقتل في الطريق حتمًا في حكم العادة مثلا، أو لأن انصرافهم لضرب العدو في مكان آخر أفضل، أو نحو ذلك فهو حقٌّ وصدق، وهذا هو عين كلام المجاهدين وقياداتهم.
لكن نحن لم نر من الشيخ ذلك.. وإنما رأينا منه الاستدلال بأن الإخوة أسروا وقتلوا وشرّدوا وتبهدلوا على أن ذلك خطأ، وهذا في حد ذاته ليس دليلًا على خطأ أو صواب، الدليل غير هذا يا شيخ أصلحك الله!
❖❖❖
أنكر الشيخ على من يقول إن الجهاد فرض عين..-وقد كُفيت الرد على هذا-، وأزيد: أن الصورة التي ذكرها: وهي أن بعض الناس يقولون الجهاد فرض عين وهم جالسون يأكلون المندي ويشربون القهوة يعني ولا ينفرون إلى الجهاد، فهذه الصورة لا أدري كم حجمها -كم ميجا؟!.. ابتسامة- أعني هل هي واقعة في العلماء؟ أو في الطلبة؟ أو رعاع الناس وأسواقهم؟ وكم انتشارها ووجودها؟ لكن نحن بالتأكيد لا نعرف عالمًا قال: إن الجهاد فرض عين إلا نفر بنفسه للجهاد أو كان له في نفس الأمر عذر يعذر به عن النفير ككونه أعمى، أو حاول ولم يستطع، أو كان اجتهاده وقال له أولياء الأمر الناصحون -ومنهم أهل الجهاد وقياداته-: ابقَ في مكانك للحاجة إليك هناك أو ما شابه ذلك. فمن يقصد الشيخ بهذا الكلام؟ ولماذا هذا المستوى من التفخيم للكلام والتهويل الذي لا يليق بعالم تدرّب على الفقه ولغة الفقهاء؟ هذا شيء مؤسف!
❖❖❖
بالمناسبة: حاولت البحث -عن طريق المكتبات الكمبيوترية- عن كلمة «زاعق وناعق» التي استخدمها الشيخ في كلامه ونسبها إلى النبي ﷺ، فلم أجدها: أما كلمة «زاعق» فلم أجدها بالكلية، وأما «ناعق» فلم أرها في حديث مرفوع أصلًا لا صحيح ولا غير صحيح، وإنما وردت في كلام مرويّ عن عليّ h وهو قوله لكُميل -كما في تهذيب الكمال (24/ 220) وغيره-: «الناس ثلاثة: فعالم رباني، وعالم متعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح» ١٬٠٥٠وانظره أيضًا في: جامع بيان العلم وفضله (1818)، تاريخ دمشق لابن عساكر (50/ 252)..
مع أن الشيخ قد بنى على كلمة «زاعق وناعق» تعليقًا..! وبالذات كلمة «زاعق» أعجبته الظاهر، وقال: «انظر كيف؟ زاعق» ثم فسّرها بقوله: «معناها: كلمة تبلغ الآفاق»!! ومثّل لها بقول من يقول: إلى الجهاد، الجهاد فرض عين.. الخ، فسامحه الله!!
نقول للشيخ: إن ممن كان يفتي بأن الجهاد فرض عين علماء هم أكبر منك قدرًا وحُسنَ بلاء في الإسلام، فمنهم الشيخ عبد الله عزام رحمه الله ومنهم الشيخ عمر عبد الرحمن فك الله أسره وفرّج كربه، وغيرهم.. فهل هؤلاء كانوا يزعقون وينعقون عندما أفتوا بذلك، أيها الشيخ الفاضل اعرف قدر نفسك وانتبه بارك الله فيك.
❖❖❖
وسأل الشيخ مخاطَبيه: هل تعرفون معنى فرض عين؟
إذا كان مخاطَبوه لا يعرفون معناها فجيّد أن يبيّنه لهم جزاه الله خيرًا.
لكن إن كان كما نظن أن مراده بذلك الطعن في هذه الفتوى بما حاصله أن القول بفرضية الجهاد الآن على الأعيان يلزم منه أن ينفر كل الناس وهذا لا يمكن، فإذا فسد اللازم فسد الملزوم.!
إذا كان هذا مراده فنقول للشيخ: هذه شبهة قديمة مطروقة، والأمر فيها يسير على من يسّره الله عليه. فالهونَ الهون يرحمك الله.
الذين قالوا إن الجهاد فرض عين، قالوا معناه -كما شرحه الشيخ عبد الله عزام رحمه الله ورضي عنه-: بكلمة مختصرة وبليغة: «الحق بالقافلة»١٬٠٥١الحق بالقافلة: هي رسالة صغيرة في حجمها، كبيرة في معناها وأثرها، كتبها الشيخ عبد الله عزام رحمه الله في شعبان 1407- 1987م، قال في مطلعها: «فهذه رسالة صغيرة كتبتها للذين يتحرقون للجهاد ويطمعون في الشهادة في سبيله، وهي من فصلين: أولهما: مبررات الجهاد، ثانيهما: وا إسلاماه» وقد طُبعت مفردة مرات كثيرة، وهي منشورة على الانترنت وضمن «حقيبة المجاهد»... فتأمّلها فإن التأمّل يغنيك عن تطويل الكلام.
❖❖❖
تكلم الشيخ عن العاطفة.. وما أدراك ما العاطفة! وقد كُفيت التعليق عليه، بارك الله فيكم.
❖❖❖
وفي الأخير.. يقول الشيخ إنه عاش سبع عشرة سنة في الدعوة إلى الله، وعاش مع العلماء وأنه له تجربة.. الخ كلامه، وهذا شيء عجيب! ولا أدري ما الذي يدعوه لقول هذا الكلام، وكلام آخر مثله.. أتعجّب والله للعلماء ماذا أصابهم!
وقد كنت ظننته سيقول أربعين سنة على الأقل أو خمسين أوستين، ممكن يعني نقول مجرّب!! لكن يذكر أو يلمّح إلى معرفته وتجربتهم، وكلها سبعطاش سنة!
إذًا ماذا يقول الشيخ عن الإخوة المجرّبين الذين لهم عشرين وثلاثين سنة في العمل الإسلامي بمعانيه ومعاناته؟! من طلب علمٍ ومخالطة للعلماء وهجرةٍ وجهادٍ.
هذا إذا كان الكلام مبناه على التجربة والخبرة.
أنا أصررت فقط على ذكر هذه الفقرة لأني ألمسُ فيها إيحاءً بأن الشيخ يتوهّم أن المجاهدين -الحركة الجهادية بتنظيماتها- ليس فيها من خالط العلماء ربما أو جرّب وخَبَر وفهِم، فضلًا عن أن يكون فيهم عالِمٌ!! وإذا كان الكلام إنما مبناه على العلم والفقه، فهات الأدلة وابسط المسألة على أصول العلم والعلماء.
والشيخ في الجملة فقيه معروف، مسلّم له في معرفة الفروع، ونقاشنا له لا يعني بأي حال من الأحوال الطعن فيه جملة حاشَ لله، وإنما في هذه المسألة لم يوفّق في نظرنا وجانب الصواب في تعليقاته.
وهذا ما تيسّر الآن من التعليق ومن الله وحده نستمد العون والتوفيق.
•••