۞ من قتل الحريري؟!

أنا والله محتار بالفعل في الجهة التي عملت هذا العمل! وسأستعرض بعض الاحتمالات بسرعة وأعلق عليها:

أما الإخوة المجاهدون في القاعدة فمن المستبعد جدًا إذا كان الأمر يتعلق بالقاعدة المعروفة فليس عندهم غرض الآن في مثل هذا العمل فيما أظن وليس قتل شخص كهذا مهما كان حكمه هدفًا مباشرًا له أولوية بالنسبة للقاعدة وفصائلها الآن..

ولكن المشكلة الآن أنه ممكن توجد مجموعة صغيرة من الشباب في أي مكان ويقومون بأعمال باجتهادهم؛ فينسب للمجاهدين وللقاعدة، فهذا محتمل لكنه حينئذ ليس عمل القاعدة، وإنما عمل جماعة محلية صغيرة مثلا.

وأما سوريا فظني أنها لا تقدم على مجازفة بهذا الشكل، اللهم إلا في لحظة طيش غير عادية.! وهذا قد يحصل على فكرة فلا تستبعدوه بالكلية ولا سيما في الأنظمة المستبدة الدكتاتورية التي لا تصدر القرارات فيها عن منظومة سياسية سليمة.

وأما اليهود والأمريكان فلستُ متأكدًا من كون اليهود يريدون حدوث فوضى في لبنان، لكن يبقى الاحتمال الأقوى من هذا أن أمريكا يمكن أنها هي وراء العمل وهدفها التمهيد لحصار سوريا وإخراجها من لبنان بالكلية وربما ضربها أو حتى غزوها..

ومما يلفت الانتباه هنا أن الأمريكان قالوا في أول تصريح لهم على الحادث إنهم سيعاقبون الفاعل!! فهم عينُهم على الفاعل من البداية، وهو على الغالب -حسب مرادهم- سوريا.

وهناك احتمالات أخرى كأن يكون الحادث من فعل قوى سياسية محلية متصارعة.. وهذه لا أعرفها جيدًا ولا أستطيع الكلام فيها لعدم إلمامي الجيد بواقع لبنان!

ص 1347

وبالنسبة للنقطة الثانية: فإنني أتوقع أن يكون التأثير على العالم الإسلامي إيجابيًا لا سلبيا إن شاء الله، سواء كان وراء الحادث أمريكا أو غيرها، فإذا غزت أمريكا سوريا فهذا في النهاية في صالح المسلمين، وإن بدا ظاهره غير ذلك بادي الرأي كغزو العراق، وبالتالي هو تقوية للمجاهدين في العراق وغيرها وفتح لأبواب واسعة للحركة الجهادية وإحياء فوق إحياء للأمة والعاقبة للمتقين، وإذا اكتفت أمريكا بمعاقبة سوريا ببعض الأساليب وبإخراجها من لبنان فهذا أيضا ليس فيه ضرر على الإسلام والمسلمين لأن سوريا بالنسبة للمسلمين السنة هي على حد معلوماتي شرّ في لبنان، ودعمها وولاؤها إنما هو للروافض.

وفي حال حصول اختلاط للأمور في لبنان وحرب أهلية وطائفية ففيها شر كبير لا شك على المسلمين والضعفاء في البلد نسأل الله أن يقيهم شرها ويلطف بنا وبهم، ولكن نرجو أيضا أنها في المجمل خير للإسلام والمسلمين وللمجاهدين في العراق وغيرها.. وعلى العموم أنا عندي بشكل عام تفاؤل بالنسبة لجريان الأحداث بعد الحادي عشر من سبتمبر، وظني أن الأمور تسير في صالح الإسلام والمسلمين وانتصار خيار الجهاد ونهضة الأمة ونشوء أجيال أفضل منا نحن وتحول العلاقة بيننا وبين الغرب وأوليائهم من الحكام الخونة إلى علاقة مبنية على الدين وهي هنا البغضُ والعداء والبراء ثم المجاهدة الفعلية إلى النصر والفتح إن شاء الله.

بالنسبة للنقطة الثالثة؛ فرأيي أننا لا ننصح هؤلاء الطواغيت ولا نقترح عليهم شيئا، بل هم ميؤوس منهم في نظري أن يفعلوا أي شيء من الخير والنصر للأمة، ولا ينفع أي تحالف أو تعاون معهم على أي مستوى من المستويات ولا على نصف خطّة..! وقد يرد على الذهن هنا: (والله لا يسألوني خطة يعظمون فيها شعائر الله إلا أجبتهم إليها)١٬٠٦٠صحيح البخاري (2731) بلفظ: (والذي نفسي بيده.. شعائر الله)، مسند أحمد (18910) وحسن إسناده الأرنؤوط. فعندي أن هذا ليس منه.

وإنما نحن ننصح حكام العرب والمسلمين ونقترح عليهم أن يرجعوا إلى دينهم ويتوبوا إلى الله مما هم متلبّسون به من الكفر والموبقات والخيانة ويحكّموا شريعة الله ويلتزموا بها، وبعد ذلك نحن نقول لهم كيف يفعلون إذا أرادوا نصيحتنا على التفصيل.

وبالنسبة للنقطة الرابعة: بم ننصح القيادات الإسلامية والمفكرين والمثقفين المسلمين؟ فأهم شيء بنظري هو عدم الانزلاق وتجاوز الخطوط الحمراء للشريعة، ومن مظاهر ذلك التباكي على الطواغيت ومدحهم وإعلان الوقوف معهم، وإعلان التضامن مع الزنادقة والملحدين والخونة من أجل الأوطان ونحو ذلك.

ثم بعد ذلك هناك باب واسع من السكوت أو قول كلمةٍ «سياسية» و«دبلوماسية» يمشّي بها الإنسان إذا اضطر ولم يكن قادرًا على قول كل شيء، كقول: إننا نرفض مثل هذا العمل الذي لا يخدم مصلحة الأمة، أو نحو ذلك.. أو إلقاء مغبّته على جهة معادية مشهورة كإسرائيل.

ص 1348

لكن لو ثبت أن المجاهدين هم من قام بهذا العمل، فمهما كان رأينا أنه غير مناسب وأن العمل في نفسه خطأ سياسي فهذا لا يغير كوننا مع المجاهدين في الجملة، وأولياؤهم من دون الطواغيت وأشياعِهم..! اللهم إلا أن يجيء من ذلك أمرٌ لا مصمد له، نسأل الله الستر والعافية.

وعليه.. يكون دورنا نصح المجاهدين وترشيدهم وإصلاح الخطأ بما يمكن ودفع ضرره بما نستطيع أو قد ننصحهم بالتبرؤ منه وإن فعلوه خطأ ونكذّب ذلك، فهي الحرب!

فعلى أهل الخير من قيادات العمل الإسلامي والمفكرين والمثقفين أن يتقوا الله ويعملوا بالمبدأ الذي علمنا الله والمتضمّن في هذه الآية الكريمة: ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ قِتَالٖ فِيهِۖ قُلۡ قِتَالٞ فِيهِ كَبِيرٞۚ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفۡرُۢ بِهِۦ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَإِخۡرَاجُ أَهۡلِهِۦ مِنۡهُ أَكۡبَرُ عِندَ ٱللَّهِۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ﴾ [البقرة: ٢١٧].

وليعلموا أنها فتنٌ واختبارات ومحكّات يبتلي الله بها عباده ليعلم الصابر الثابت على دينه واختياره من الباذل دينه لأبسط عارضٍ ولمصلحةٍ شخصية ودنيوية.

﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُمۡ حَتَّىٰ نَعۡلَمَ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَنَبۡلُوَاْ أَخۡبَارَكُمۡ ٣١﴾ [محمد]

﴿مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ﴾ [آل عمران: ١٧٩]

﴿أَوَلَا يَرَوۡنَ أَنَّهُمۡ يُفۡتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٖ مَّرَّةً أَوۡ مَرَّتَيۡنِ﴾ [التوبة: ١٢٦]

والله أعلم

[كُتبت هذه المشاركة بتاريخ: 15/ 2/ 2005م]

•••