۞ تذكرة في حكمة الاختلاف وفقهه

الحمد لله العليم الحليم العزيز الحكيم، الذي نطقت الخلائق بكمال حكمته وسطعت على الوجود أنوار حجته، الغني الحميد ذو العرش المجيد، خلق الخلق ليعبدوه ويوحّده، ما يريد منهم من رزقٍ ولا يريد أن يطعموه، وبين لهم سبلَ الهداية ليتبعوها، وكشف لهم عن طرق الغواية ليحذروها، له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون.

والصلاة والسلام على عبده ورسوله وصفيّه من خلقه وخليله، محمدٍ الصادق الأمين، المبعوث رحمةً للعالمين، المبيّن بسنته وسيرته وهديه ما نُزّل عليه من ربّه أحسنَ تبيين، الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

وبعد:

فاعلموا أيها الإخوة المؤمنون أن الله ﷻ قد امتحن عباده بالاختلاف في مسائل الدين، سواء في مسائل العلم -الاعتقاد والتصور- أو مسائل العمل، وسواء في المسائل الكبار أو المسائل الصغار، ولله ﷻ في ذلك الحكمة العظيمة والحجة البالغة على خلقه عز وجل.

ولو شاء الله تبارك وتعالى ما اختلف الناسُ!

كما قال تعالى: ﴿۞تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ مِّنۡهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعۡضَهُمۡ دَرَجَٰتٖۚ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِم مِّنۢ بَعۡدِمَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخۡتَلَفُواْ فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ وَمِنۡهُم مَّن كَفَرَۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ ٢٥٣﴾ [البقرة].

وَقال تعالى: ﴿وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخۡتَلِفِينَ ١١٨ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡۗ وَتَمَّتۡ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ١١٩﴾ [هود].

ص 1470

وَقال تعالى: ﴿إِن نَّشَأۡ نُنَزِّلۡ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةٗ فَظَلَّتۡ أَعۡنَٰقُهُمۡ لَهَا خَٰضِعِينَ ٤﴾ [الشعراء: 4]، قال الإمام القرطبي رحمه الله عندها: «إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية أي معجزة ظاهرة وقدرة باهرة فتصير معارفهم ضرورية، ولكن سبق القضاء بأن تكون المعارف نظرية»١٬٠٩٩الجامع لأحكام القرآن (13 / 89). اهـ، وهذا المعنى في كتاب الله كثير وواضح.. ولو شاء الله ﷻ أن ينزّل كتابًا مطوّلا حاويًا كل التفاصيل لمسائل المكلفين، وفيه كل كبيرة وصغيرة مما يحدث للخلق على وجه التفصيل، وعلى وجه النص على حكمها لفعل، ولا يعجزه شيء عز وجل، وهو العزيز الحكيم، ولو شاء الله تعالى لأنزل لكتابه شروحًا مطوّلة، على غرار المذكرات التفسيرية والملحقات التفصيلية والتوضيحية والدساتير والقوانين البشرية لفعل، بحيث ينص على كل مسألة صغُرت أو كبرت!

فلا يجد الناس فيها إلا قولًا واحدًا لا مناص إما من الأخذ به أو تركه، فلا احتمال ولا اجتهاد!

لو شاء الله لأنزل في كتابه المطول وشروحه المفترضة مثلًا: حكم الدخان.. فيقول مثلًا: سيكتشف الناس على رأس القرن العاشر للهجرة النبوية حشيشة اسمها التنباك وكذا وكذا يتخذون منها شيئا اسمه الدخان ويسمونه أيضا السيجارة ووصفه كذا وكذا وخصائصه كذا وكذا.. فذلك حرام فلا تقربوه.. الخ.

ولو شاء الله لأنزل مثل ذلك في الموسيقى والتلفزيون والستلايت والانترنت ومسائل الاجتماع والأسرة والمرأة والمعاملات المالية والعلاقات وغيرها وغيرها.. ولو شاء الله لأنزل مثله في نوازل الطواغيت المرتدين الحاكمين بلادنا اليوم، وحكم من معهم ممن يدخل في طاعتهم وخدمتهم على جميع الوجوه وتفاصيلها.. ولو شاء لأنزل مثله في كل مسألة يمكن أن تتصورها صغرت أو كبرت، علمية أو عملية، أو في معظم المسائل.. لكنه ﷻ لم يفعل لحكمةٍ بالغة، فالحمد لله كله.

وقد كانت هذه إحدى الحجج الداحضة التي جادل بها كفار قريش النبيَّ ﷺ؛ فردّ الله عليهم بقوله: ﴿بَلۡ يُرِيدُ كُلُّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ أَن يُؤۡتَىٰ صُحُفٗا مُّنَشَّرَةٗ ٥٢﴾ [المدثر] فسبحان الله! ثم بيّن الله تعالى حقيقة الأمر الذي دفعهم إلى هذا التعنّت والجدل والمعاجزة فقال -كما هي عادته في مثله ﷻ وسبحانه وتعالى-: ﴿كَلَّاۖ﴾ أي ليس الأمر كذلك، وما هذا وجهه ﴿بَل﴾ الأمر أنهم ﴿لَّا يَخَافُونَ ٱلۡأٓخِرَةَ ٥٣﴾ هذه هي الحقيقة.

ص 1471

وكذلك الرسل؛ فلو شاء الله لبعث في كل قرية (بلدٍ أو مدينةٍ أو دولة) رسولًا خاصًّا ولا يعجزه شيء سبحانه، ولكن لم يكن هذا مقتضى حكمته، وله الحكمة التامة والحجة البالغة ﷻ.. قال تعالى: ﴿وَلَوۡ شِئۡنَا لَبَعَثۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٖ نَّذِيرٗا ٥١ فَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَجَٰهِدۡهُم بِهِۦ جِهَادٗا كَبِيرٗا ٥٢﴾ [الفرقان] أي فلا تطعهم ولا تلتفت إلى قولهم الباطل وحججهم الداحضة إذ يقولون هلا أرسل الله رسلًا كثيرين أو بصفة كذا وكذا مما اقترحوا.

وقوله ﴿وَلَوۡ شِئۡنَا لَبَعَثۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٖ نَّذِيرٗا ٥١ فَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَجَٰهِدۡهُم بِهِۦ جِهَادٗا كَبِيرٗا ٥٢﴾ [فاطر] أي بهذا الوحي المنزّل عليك يا محمد وهو القرآن ففيه كفاية كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمۡ يَكۡفِهِمۡ أَنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡۚ﴾ [العنكبوت: 51].

فالحاصل أيها الإخوة المؤمنون أن هذا الاختلاف الواقع بين الناس في مسائل الدين وفهم أحكام الشريعة مقصودٌ لله تعالى مراد له، جارٍ على وَفق حكمته تعالى وعلمه التام ورحمته وعدله وإحسانه، فله الحمد كله؛ فالواجب اعتقاد ذلك على الجملة.

وسنحاول استظهار بعض الحكم الربانية في ذلك بعون الله تعالى وتوفيقه.

فمن الحكَم في هذا «الاختلاف» بين الفقهاء وبين الناس في الأحكام الشرعية ومسائل الدين: أن يكون هناك مجالٌ يتسابق فيه الناس في البحث عن الحق والعِلم وطلبه والبحث عنه وتحرير المسائل، فيتميّز العالم من الجاهل، ويرفع الله قدر أهل العلم، ويتبيّن الباحث عن الحق من الذي لا يبالي ويتبع هواه ويقنَعُ بما عليه قومه وجمهور الناس الذين هم في الغالب على غير الهدى.!

﴿يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١١﴾ [المجادلة]، ﴿قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٩﴾ [الزمر]، ﴿بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٖۖ فَمَن يَهۡدِي مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٩﴾ [الروم]، ﴿فَإِن لَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدٗى مِّنَ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٠﴾ [القصص].

ومنها: أن يتميّز المتقي من القليل التقوى وقليل الخوف من الله تعالى، ويتسابق الناس في الأخذ باليقين وبالأحوط وبالأرضى لله تعالى، ويجتهدون في طلب رضاه، ويتميّز المحبّ المُوالي الذي يأخذ بأدنى إشارةٍ فيسمعُ ويطيع ويسارع في الخيرات وهو الحرُّ -الكامل العبودية لربّه ﷻ- من الذي لا يتحرّك ولا يفعل إلا بالقوارع والنصوص الواضحة والزواجر القاطعة لكل حجة، وربما لم يسمع ولم يطع إلا بالعقوبة والنكال، وهو العَبْد -ضدّ الحرّ، وهو الذي لم تكتمل عبوديته لربّه، وما وفّى- والعبد يقرع بالعصا!! فسبحان الله.!

ومنها: التخفيف على العباد، لأنه لو نصّ على حكم كل مسألة نصّــًا جازما قاطعا لا تختلف فيه أفهام الناس لكان في ذلك تضييق وتحريج على الخلق، لأنهم إما أن يفعلوا ما نصّ عليه أو يتركوا، وفي هذه الحالة لو تركوه فإنهم يعصون ويتعرّضون لسخطه ويستحقون العقاب منه، وبتراكم العصيان منهم في أمثالها يبتعدون عن سبيل الله ويستحقون اللعن والطرد وتبعد عنهم فرصُ التوبة والإنابة، ويحلّ بهم الخسران والعياذ بالله.

وكذلك السكوت عن تفصيل وتبيين بعض الأحكام هو مرادٌ لله تعالى، كما قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسۡـَٔلُواْ عَنۡ أَشۡيَآءَ إِن تُبۡدَ لَكُمۡ تَسُؤۡكُمۡ وَإِن تَسۡـَٔلُواْ عَنۡهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلۡقُرۡءَانُ تُبۡدَ لَكُمۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهَاۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ ١٠١﴾ [المائدة]، وكما قال النبي ﷺ في الحديث: (وسكتَ عن أشياء رحمةً بكم غير نسيانٍ فلا تسألوا عنها) اختلفوا في تصحيحه ومعناه صحيح عند الجميع١٬١٠٠الإبانة الكبرى (314)، وضعفه السقاف في: تخريج الظلال (318)، وضعفه الألباني أيضًا في: غاية المرام (4)، وحسنه الألباني في: الأربعين النووية (30)..

وتأمل حديث النبي ﷺ: (إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرّم فحُرّّم من أجل مسألته) متفق عليه١٬١٠١صحيح البخاري (7289)، صحيح مسلم (2358) واللفظ له..

فالخلاف وإمكان الاجتهاد والتأويل أيضا هو في الحقيقة رحمة ولطف، ولهذا قال علماؤنا: إن اختلاف الصحابة ومن بعدهم من العلماء رحمةٌ وتوسعةٌ لمن بعدهم؛ كما قاله الإمام مالك رحمه الله وغيره.

فهذه بعض الحكم في الاختلاف بين العلماء، وربما ظهر المزيد لمن تأمل، وقد تكلم أهل العلم فيها وكتبوا في ذلك في متناثر كتبهم في الأصول والسلوك وغيرها.

ص 1472

وكل ذلك من لطف الله تعالى ورحمته وعظيم منته على خلقه، إنه هو الرؤوف الرحيم اللطيف الخبير، تبارك اسمه وتعالى جده ولا إله غيره ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٦٥﴾ [البقرة: 143، الحج: 65].

ولنختم هذا المقام بذكر آية عظيمةٍ من كتاب الله هي أصل في هذا الباب:

قال الله تعالى في سورة الحج: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٖ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلۡقَى ٱلشَّيۡطَٰنُ فِيٓ أُمۡنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ ثُمَّ يُحۡكِمُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٥٢ لِّيَجۡعَلَ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمۡۗ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَفِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ ٥٣ وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤۡمِنُواْ بِهِۦ فَتُخۡبِتَ لَهُۥ قُلُوبُهُمۡۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٥٤ وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُ حَتَّىٰ تَأۡتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةً أَوۡ يَأۡتِيَهُمۡ عَذَابُ يَوۡمٍ عَقِيمٍ ٥٥﴾ [الحج].

وجمهور المفسرين على أن معنى التمنّي هنا القراءةُ والتلاوة، فمعنى ﴿تُمۡنَىٰ ٤٦﴾ قرأ وتلا؛ فأخبر تعالى أنه ما أرسل من رسول ولا نبيّ إلا حصل له شيء من ذلك، وهو أنه إذا قرأ وتلا على الناس ما أوحاه الله إليه من العلم والهدى ألقى الشيطان -بتمكين الله إياه للحكمة التي بيّنها بعدُ- في قراءته وتلاوته شيئا من الباطل، لكن الله العليم الحكيم سبحانه قضى أن هذا لا يستمرّ ولا يدوم بل ينسخه الله أي يبطله ويزيله، ويُحكم الله آياته ويثبّت الحق ويظهره ويعليه، ثم بيّن الله عز وهو العليم الحكيم أن حكمته اقتضت ذلك ليجعل هذا الإلقاء من الشيطان، أو ما يلقيه الشيطان من الباطل فتنةً لأصنافٍ من الخلق ذكرهم بأهم صفاتهم وهم:

- الذين في قلوبهم مرض، مرضُ الشك والريب والنفاق، واستحباب الدنيا، وخلوّها (أي القلوب) من التعلق بالآخرة ورجائها وما شابه ذلك.

- القاسية قلوبهم، وهم أهل القلوب القاسية التي لا تلين للحق، ولا ترق للوعظ والتذكير والتخويف، ولا يجدي معها كثيرًا الإنذارُ؛ فهي قد قستْ واستعصت على براهين العلم أو أن يدخلها نور الهدى.! وهؤلاء لا شك أنهم ظالمون، أهلُ ظلم عظيم، ﴿وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَفِي شِقَاقِۭ﴾!! خلافٍ للحق بعيد، ﴿وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥﴾ [البقرة].

ص 1473

وليست هذه هي الحكمة فقط.. بل من الحكمة الإلهية البالغة في تمكين الشيطان من هذا الإلقاء وما يتبعه: أن يظهر فضل أهل العلم وطالبي الحق والباحثين عن الهدى؛ ﴿وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤۡمِنُواْ بِهِۦ فَتُخۡبِتَ لَهُۥ قُلُوبُهُمۡۗ﴾ فيزدادوا علمًا وإيمانًا وتسليمًا، ويذعنوا وينقادوا للحق بقلوب منكسرة ذليلة، ولسان حالهم: ﴿إِنۡ هِيَ إِلَّا فِتۡنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهۡدِي مَن تَشَآءُۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَاۖ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡغَٰفِرِينَ ١٥٥﴾ [الأعراف]، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ ٨﴾ [آل عمران]، ﴿وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُۖ﴾ [الأعراف: 43].

فهؤلاء هم المؤمنون، أهل الإيمان الصحيح، هؤلاء هم الذين يهديهم الله في مضلات الفتن ويفتح عليهم من بركات العلم والعمل ويجعل لهم نورًا يمشون به في الناس، ويوفقهم لسلوك الصراط المستقيم: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٥٤﴾.

نسأل الله أن يجعلنا منهم بمنه وكرمه، والحمد لله رب العالمين.

كيف نتعامل مع هذا الاختلاف؟! إذا تقرر هذا.. فاعلم أخي المسلم أن الله تعالى من كمال رحمته ولطفه سبحانه ومنته علينا بيّن لنا أصولًا جامعة نتعامل بها مع مسائل الخلاف والاجتهاد، ونعرف بها الصواب من الخطأ في الغالب الأعم لمن اعتصم بها وتوكل على الله وصدقه في الطلب..

وأنا أبيِّن لك هنا بشيء من الاختصار بعض تلك الأصول المهمة:

فأول هذه الأصول: عقدُ النية على البحث عن الحق والسعي في الوصول إليه، وأنه متى ظهر وبانَ دليلُه واتضح سبيله وسطع نوره أنك تأخذ به وتتمسّك بحبله، وتترك ما سواه مهما كان.

مع ملاحظة أن الحقَّ في كثيرٍ من الأحيان يكون على غير ما تهواه النفس وترتاح إليه، وقد يكون فيه صعوبةٌ ونوعُ مشقّة، لا سيما حين يقلّ القائلون به المتمسكون بحبله السالكون طريقه، أو يكون مخالفًا للعادة والمتأصّلة في النفس والاجتماع، أو يكون كرهًا للنفس ويستدعي بذلًا وتضحية.

ص 1474

ومن أهم الأصول المرعية عند الاختلاف: ما جاء مبينا في قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٧﴾ [آل عمران]، وأنت أخي المسلم إن شاء الله تعرف معنى الآية ولا بد أنك قرأت تفسيرها وجعلتها دائما نصب عينيك.

ومع ذلك فلا بأس أن أكتب لك شيئا من شرحها:

خلاصة فقه هذه الآية الكريمة أن المسائل والأدلة قسمان: مسائل وأدلة محكمة أي واضحة بيّنة لا يختلف فيها الناس باديَ الرأي ولا يحتاجون إلى عناء كبير في فهمها ومعرفتها فهذا هو المحكم، ومسائل أخرى ليست كذلك بل هي مما يمكن أن يختلف في فهمه الناس، من أجل احتماله من جهة دلالته اللغوية والعقلية وغير ذلك وهذا الذي اسمه المتشابه؛ فالصواب في التصرف إذا صادفنا ذلك في أيةِ مسألة أننا نتمسّك بالمحكم الواضح البين الثابت، ونردّ المتشابه إليه، أي نردّه إلى المحكم ونفهمه على ضوئه، فإذا أمكن أن نفهم وجهًا للجمع بينهما وانسجم فهمنا للاثنين معًا وانتفى التناقض في أذهاننا فتلك الغاية ولله الحمد، وإن لم يمكن فإننا نتمسّك بالمحكم البيّن الواضح الثابت، ونكِل المتشابه إلى الله تعالى ونقول فيه: الله أعلم، لا ندري ما المقصود بهذا، وكيف نجمع بينه وبين ذاك الآخر.. وهكذا.

ومن الأصول المرعية عند الاختلاف: أن يعرف الإنسان أنه لن يستطيع أن يصل إلى اليقين في كل بل ولا جُلّ مسائل الدين والدنيا..! وحينئذ عليه أن يقنع بما ظهر له أنه الأقرب للصواب والأوضح والأظهر أنه المراد وأنه هو الحق بعد أن يبذل جهده في التحرّي والبحث وتقليب النظر ومقايسة الأمور والاستدلال عليها بأدلتها من الكتاب والسنة وغير ذلك. هذا إن كان من أهل النظر؛ فإن لم يكن منهم فإن اجتهاده إنما هو في تقليد الأورع (الأكثر ورعًا ودينًا وتقوى) والأعلم من العلماء حسب ما هو مبيّنٌ في محله في علم أصول الفقه.

ولأجل ذلك فإن من يصرُّ على أن يصل إلى يقين في كل مسألةٍ فإنه يضلّ ويصيبه انحراف.. ويشطّ في تصوره وسلوكه، وقد اعتبرتُ هذا في الناس ورأيتُ منه عجبًا، فالحمد لله على الهداية والتوفيق.

ولأجل ذلك قال علماؤنا: إن أكثر فروع الشريعة مبنيّ على غلبة الظنّ لا على اليقين.. فتأمل هذا يا أخي فإنه نافع جدًا إن شاء الله.

ص 1475

ومن الأصول المرعية عند الاختلاف: أن يجمع الإنسان الأقوال في المسألة وينظر فيها بعين الإنصاف، ولا يهمل شيئا من النظر الأول، لأنه لو أهمل قولًا في المسألة فلربما كان الحقّ أو جزءُ الحق فيه، وحينئذ يفوته الحق كلُّه أو بعضه.

ومن الأصول المرعية عند الاختلاف: أن يجمع الإنسان بين الأدلة ما أمكن ولا يترك إعمالَ شيء منها مهما أمكن، لأن العمل بكل دليل واجب، إلا إذا لم يمكن الجمع فيلجأ إلى الترجيح، أو عُرف المتقدمُ من المتأخر فيقال بالنسخ، وهذا مبيّن في الأصول أحسن بيان في باب الترجيح.

ومن الأصول المرعية أيضا: أن يعرف الإنسان مراتب المسائل والأدلة، فلا ينزل القطعيَّ منزلةَ الظنيّ، ولا الاجتهاديَّ المحتملَ منزلةَ المجمع عليه، وهكذا، وهذا مهم في نفسه، وفي ما يتعلق بالأمر والنهي وإنكار المنكر؛ فتأمله فإنه مهم جدًا.

ومن أهم الأصول الموصلة إلى تحقيق الحق عند الاختلاف: تقوى الله تعالى والخشوع والإخبات له ﷻ، وترك الكبر والغرور، والتوكلُ عليه تعالى والالتجاء إليه واللياذ به والتضرع له والإكثار من الدعاء وسؤاله الهداية والتوفيق، وأن يعلم العبد المسلم أن التوفيق بيد الله وحده، وأنه ﴿وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ﴾، ﴿وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ﴾، ولهذا قال بعدها: ﴿عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ ١٠﴾ فليطلبه منه وحده، بعد الأخذ بالأسباب المتقدمة.

فالمتكبر المغرور المعجب بنفسه لا يهديه الله ولا يوفقه كما قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡۖ كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلۡبِ مُتَكَبِّرٖ جَبَّارٖ ٣٥﴾ [غافر: 35]، وإنما يهدي الله ﷻ أهل الخشوع والمخبتين له سبحانه ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ ١٣﴾ [غافر]، ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخۡشَىٰ ١٠﴾ [الأعلى]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا﴾ [الأنفال: 29]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِۦ يُؤۡتِكُمۡ كِفۡلَيۡنِ مِن رَّحۡمَتِهِۦ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ نُورٗا تَمۡشُونَ بِهِۦ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٨﴾ [الحديد: 28].

فعلى المسلم أن يبحث عن الحق ويتحرى الصواب ويتبيّن ويأتي الأمور من أبوابها ويخشع لله؛ لأن المتكبر والظالم والمتعالي والذي يريد أن ينتصر لنفسه أو لمشايخه أو لطائفته ومدرسته ونحو ذلك هذا بعيد عن نيل الحق، بعيد جدا.

الحق عزيز ولا يعطيه الله تعالى إلا لمن خضع له وخشع واستكان وانكسر واتقى الله واجتهد في تقواه، ليس لعبًا ولا هزلًا هو!! وإنما هو الجدّ والفصل، والله المستعان.

ص 1476

وجماع الأمر: أن يعلم الإنسان أنه عبدٌ لله مكلّفٌ مبتلىً بهذا الاختلاف وهذه المسائل؛ فلينهض في عبادة ربه وليقم بواجب العبودية كما يحب الله ويرضى، وليطلب العلم ويسأل ويبحث عن رضى ربه في كل مسألة، وفي كل حركة وسكنة وفعلٍ وتركٍ.

إن الدين مبناه على التكليف والابتلاء ﴿إِنَّا خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٍ أَمۡشَاجٖ نَّبۡتَلِيهِ﴾ [الإنسان: 2]، والنجاحُ في القيام بالتكليف مبناه على التسليم لله تعالى، ومعرفة أنه أرادنا للآخرة لا للدنيا، فالآخرة هي دار القرار وهي الدار المقصودة، والدنيا دار ممر وابتلاء وامتحان واختبار ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنۡيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۗ﴾ [الأنفال: 67]، ومثال العبد في هذه الدنيا هو كما قال النبي ﷺ: (ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكبٍ استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح»١٬١٠٢سنن الترمذي (2377)، سنن ابن ماجه (4109) وصححه الألباني..

وقال لعبد الله بن عمر كما في صحيح البخاري: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابرُ سبيل»١٬١٠٣صحيح البخاري (6416)..

فالله إنما خلقنا لعبادته وحده لا شريك له، وبعث لنا رسلًا وأنزل لنا كتبًا، وعرّفنا بنفسه ﷻ وبيّن لنا كيف نعبده وهدانا السبيل وبين لنا النجدين، وما ترك رسول الله ﷺ شيئا يقربنا إلى الجنة إلا أمرنا به ولا شيئا يقربنا من النار إلا نهانا عنه وحذرنا منه وخوّفنا من الوقوع فيه، وشرح لنا وسائل الهداية وأسباب التوفيق؛ فلله الحمد والمنه والفضل.. ونسأل الله أن يوزعنا شكر نعمه ويهدينا ويسددنا، إنه نعم المولى ونعم النصير، لا حول ولا قوة إلا به.

فهذه أهم الأصول التي من تمسّك بها أفلح في مسائل الخلاف وصار دائرًا بفضل الله بين الأجر والأجرين، ولم أقصد استيعاب أحكام الخلاف وفقهه وآدابه، وقد كتب فيه أهل العلم وصنّفوا وإنما المقصود ذكر أصول تعصم من الفتنة في مسائل الخلاف بإذن الله تعالى وحوله وقوته.

فعليك أخي المسلم بتدبره وتمثّله واجعله نصب عينيك وزد عليه من التفكر والتأمل وطلب العلم النافع من أهله المعروفين به العاملين به القائمين به. والله يوفقنا وإياك لكل خير.

والحمد لله رب العالمين أولًا وآخرًا.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان

كتبه: عطية الله

الأربعاء 12ربيع الأول 1426هـ

•••