فصلٌ
اعلموا إخواني بارك الله فيكم يا أهل الخير يا مَن تبحثون على الحق وتطلبون الفضل وترجون رحمة الله وتبتغون مرضاته ﷻ، أن هذا السؤال وإن ورد من جهتكم ورود المستفهم المستشكل الطالب لدفع الإشكال وتحصـيل الثلج واليقين في الرد على زيغ الزائغين وفتون المفتونين، إلا أنه في أصله سؤالٌ صادرٌ عن أولئك المفتونين الخوارج الضالين المارقين من دين الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أتباع المفتون «المخلف»، كفى الله المسلمين شـره وشـر كل ذي شـر، فالسؤال سؤالهم، وهو منهم ليس سؤالًا بل هو حجة كما يزعمون، يسوقونها معارضين بها الحق المبين والصـراط المستقيم والعلم والهدى المتقرر عند علماء المسلمين أجمعين، وهو مبنيّ على أصولهم الفاسدة الضالة التي أصّلها لهم هذا المخلف الضال، ومنطلق من أساس فكره المنحرف ونهجه المعوج؛ هذا لا بد أن تعرفوه..
واعلموا أن هذه النابتة «المخلفية» الخبيثة التي نبتت في هذه الأيام ليست هي بأول نبتة من جنسها، فإنها من ضئضئ قوم معروفين في تاريخ الإسلام والمسلمين، وهم الخوارج المارقون، الذين أخبرنا عنهم النبي ﷺ، وأمر بقتالهم وقتلهم، ورغّب في ذلك، وحذر منهم تحذيرا شديدا، وأخبر أنهم كلاب النار٤٠٤عن أبي سعيد وأنس رضي الله عنهما قال النبي ﷺ: (سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي اخْتِلَافٌ وَفُرْقَةٌ، قَوْمٌ يُحْسِنُونَ الْقِيلَ وَيُسِيئُونَ الْفِعْلَ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَا يَرْجِعُونَ حَتَّى يَرْتَدَّ عَلَى فُوقِهِ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ، طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ وَقَتَلُوهُ، يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَلَيْسُوا مِنْهُ فِي شَيْءٍ، مَنْ قَاتَلَهُمْ كَانَ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْهُمْ) رواه أبو اود (4765) وصححه الألباني، وعن ابن أبي أوفى h قال النبي ﷺ: (الْخَوَارِجُ كِلَابُ النَّارِ) رواه ابن ماجه (137) وصححه الألباني.، واختلف العلماء في الحكم عليهم بالكفر، إلى آخر ما تعلمون من شأنهم ومما ورد فيهم من الأحاديث النبوية الكريمة.
وهؤلاء المارقون «المخلف» وأتباعه لا شك أنهم خوارج، ولا يرتاب في هذا عالمٌ أو طالبُ علم أبدا.. فإنهم كفروا جميع المسلمين، من أهل الأرض اليوم، وعليه استحلوا دماءهم وأموالهم وأعراضهم، بل ويعتقد بعضُهم أن القرون الماضية من عهود المسلمين وطبقاتهم كلهم كفارٌ إلى ما يقارب الثلاثة أو الأربعة قرون الأولى المفضلة، ماعدا استثناءات قليلة، بالإضافة إلى غير ذلك من أفكارهم واعتقاداتهم الخبيثة.!
وليسوا هم بأول نابتة في هذا العصـر، ولن يكونوا الأخيرة أيضا، لأنه قد جاءَ في بعض الأحاديث النبوية أنهم لا تزال تنبت لهم نابتة إلى آخر الأزمان، وقد جربناهم وجربهم الناسُ في بلدان كثيرة، في مصـر وفي ليبيا والجزائر وفي أفغانستان وباكستان وغيرها.
وسنة الله عز وجل فيهم معلومة مسطورة معروفة لأهل العلم والعقل والعبرة: يكفرون العلماءَ وطلبة العلم والمجاهدين والناس أجمعين، ثم يكفر بعضهم بعضًا، ويؤول بهم الأمرُ إلى أحوال مستقبحةٍ جدا حتى إنهم قد يستحلون الكثير من المحرمات القطعية التحريم، كالخمر والمخدرات والزنا الصـريح، وغير ذلك؛ فقد رأيناهم في باكستان استحلوا الحشـيشة والمواد المخدرة وتدرجوا باعتقاد حل المتاجرة فيها أولا، ثم تعاطيها والزعم بأنها ليست حراما، أو القول بأننا الآن في زمن يشبه الزمن المكي، وهو زمن الدعوة إلى التوحيد فقط ولا تشـريع بعدُ يحرم هذه الأشـياء، وإلى ما شابه ذلك من التأويلات السخيفة غير المعتبرة عند جميع أهل العلم، وبنفس هذه الشبهات استحلوا الكثير من الحرام، ويمارس بعضهم الزنا الصـريح في أوروبا وغيرها وسائر البلاد، تحت ادعاءات باطلة مقطوع ببطلانها كالقول بأنّ المزنيّ بهنّ في حكم السبايا، ويكثر خلافهم واختلافهم وتناقضهم ويصل إلى حد فاحش جدا تستبشعه الفطرُ، ويتنافرون ويتدابرون ويتقاطعون، وينشطرون، بل وسـرعان ما يتقاتلون إن كان بيدهم سلاح وكانوا في أرض سلاح، وينقسمون فرقا يزيد بعضهم على بعض في الغلو والعتوّ، دعك عن فساد الأخلاق وفقدان المروءة وموت الضمائر، ومناقضة أبسط مبادئ الأخلاق الكريمة التي اجتمع عليها الملل والنحل كلها كافرها ومسلمها، كاستحلال الكذب الصـريح والخيانة وجميع أنواع الغدر والخديعة المحرمة وذهاب الرحمة من قلوبهم وتحوّلها إلى أنواع من القسوة غريب جدا وأنواع من الأخلاق السَّبُعية يصعب على مَن لم يعرف نماذج منهم أن يصدق ما نقوله له عنهم..!!
وعادة الله عز وجل فيهم حسبما رصدها أهل العبرة أنهم تكون لهم زوبعة وضجة ويحصل لهم في فتنتهم أتباع قليلون أو كثيرون، ثم ما يلبث أن يرجع جزء كبيرٌ منهم ويؤوبون إلى الحق ويكتشفون الضلالة بعد اكتواءٍ وشَوْبٍ من فسادٍ، نسأل الله العافية، ثم يؤول أمرُهم إلى اضمحلال وزوال.
وقد حكى لنا مرة بعض التائبين منهم ممن منّ الله عليهم بالهداية بعد أن قطع شوطا طويلا معهم، وهذا شـيء قليلٌ في العادة، حكى لنا أنهم وصلوا إلى حالات من الشك في الله عز وجل وفي محمد رسول الله ﷺ ورسالته وفي القرآن.!! نعم والله، فإنهم من شدّة التنطع والتشدد في الدين والغلوّ لا يرضون برحمة الله الواسعة ولا يقبلون منة الله ولطفه، بل يظلون يشددون على أنفسهم ويتنطعون فيهلكون بأن يتسلّط عليهم الشـيطان والوسواس، فيظلون يشكون في أنفسهم كل لحظة، ويصبح الرجل منهم ويقول: أنا كنت بالأمس كافرًا، واليوم أسلمتُ من جديد، ويكفر الرجل منهم أخاه في المجلس ثم يعود فيحكم عليه بالإسلام، ثم يكفره عدة مراتٍ، والآخر يقول: نعم أنا كفرت قبل قليل والآن أنا أرجع إلى الإسلام، ويكفر الرجل أهله وزوجه وولده كل يوم، وتحصل عندهم من المفاسد الاجتماعية والإنسانية ما لا يقدرون -مع طول الوقت- على الصبر عليه؛ لأنهم أوقعوا أنفسهم في التشديد والحرج والضيق وما لا تقوى نفوس البشـر في العادة على تحمّله على دوام الأزمان، ولم يقبلوا منّة الله عليهم بالتوسعة والتيسـير، بل شددوا فشدد الله عليهم.
فيحصل أن يصل بعضهم إلى حالات الكفر الصـريح بالله عز وجل وبالأنبياء ورسالات الله ﷻ.. ويصل إلى سب الله عز وجل رأسًا..! والعياذ بالله عز وجل من هذه الأحوال الرديّة.. ويصل بعضهم إلى حالات يأس وقنوط، وإلى الانتحار..!
والسبب الظاهر المباشـر لذلك -والله عز وجل أعلم-؛ هو كثرة وقوة مناقضة الفطرة ودين الفطرة -الإسلام دينُ الفطرة-.. وكثرة وقوة التضييق على النفس حتى تملّ وتعيى وتتعب وتصـير تتفلت وتنفر ولا تقوى على حمل تكاليف الدين، ثم تصـير إلى أنواع من الحيل الشـريرة والتأويلات الفاسدة غير المستساغة.. وكثرة وقوة مناقضة ظواهر الشـريعة ودلالاتها المتنوعة على الحقائق؛ فيحصل عندهم في البداية نوعٌ من المكابرة ثم يكتشفون أدلة أخرى وتعترضهم إشكالات تتكاثر عليهم وتغلبهم ويحيرون في الجواب ويزدادون في المكابرة ولا سيما إن كان الواحدُ منهم رأسًا في فرقته وجماعته متبوعا قد تصدّر وصار له أتباع وأقوال ومذهبٌ، فيصعب عليه الرجوع إلى الحق، وهذا من معنى قوله عز وجل: ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ﴾ [الأنفال: 24]، وهكذا يحصل عند الواحدِ منهم تأنيبُ ضمير ويشعر بقوة التناقض في نفسه، فقد يصل إلى حالات قصوى من المرض النفسـي والخبلِ أو يصـيرُ إلى الزندقة المحضة والكفر بالله العظيم، والعياذ بالله.