فصلٌ
وكل ذلك -أيها الإخوة- مصداقٌ لحديث النبي ﷺ: (هلك المتنطعون) قالها ثلاثا ﷺ، رواه مسلم وأحمد وأبو داود٤٠٩صحيح مسلم (2670)، مسند أحمد (3655)، سنن أبي داود (4680).، قال في «النهاية في غريب الحديث»: «هم المتعمقون المغالون في الكلام المتكلمون بأقصـى حلوقهم، مأخوذ من النطع وهو الغار الأعلى من الفم، ثم استعمل في كل تعمق قولا وفعلا»٤١٠النهاية (5 / 74). اهـ، قال العلماء: وهذا إما أن يكون دعاءً أو خبرًا؛ فإن كان دعاء فدعاؤه ﷺ مستجاب، وإن كان خبرًا فخبره صدق وحق لا يتخلف، فقد أخبر أنهم هالكون لامحالة.! والعياذ بالله.
وقال ﷺ: (إن هذا الدينَ يسـر ولن يشادّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه) رواه البخاري والنسائي٤١١صحيح البخاري (39)، سنن النسائي (5034).، أي إلا غلبه الدينُ؛ فيصـير الإنسان مغلوبا، لا يقدر على حمل هذا الدين والقيام به، لماذا؟ لأنه شادَّ الدين أي أخذه وتناوله وتعاطاه بالشدة وحاول أن يغلبَ الدينَ ويكون شديدا فيه ومعه، مع أنه دينٌ يسـر سهلٌ سمحٌ.
وقال ﷺ: (إياكم والغلوّ في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين) رواه أحمد والنسائي وغيرهما٤١٢مسند أحمد (3248) وصحح إسناده الأرنؤوط وأحمد شاكر، سنن النسائي (3075)، سنن ابن ماجه (3029) وصححه الألباني.؛ فانظر كيف أخبر النبي ﷺ أن سبب هلاك من قبلنا من الأمم غلوهم في دينهم.
وقال ﷺ: (بعثتُ بالحنيفية السَّمحة) رواه أحمد والطبراني٤١٣مسند أحمد (22291)، المعجم الكبير (7868)، وصححه الألباني في: الصحيحة (2924).؛ فهو دينٌ سمحٌ سهل يسـير، ليس فيه مشقة خارجة عن المعتادِ بحيث توقع المسلم في حرج وضيق وتعنّتٍ؛ كما قال الله ﷻ وسبحانه وتعالى: ﴿وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ ٧٨﴾ [الحج]، وقال ﴿: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ﴾ [البقرة: 185]، وقال ﴿: ﴿وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعۡنَتَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٢٠﴾ [البقرة] أي لأوقعكم في العنت وهو الضيق والشدة والمشقة العظيمة القاهرة، أي ولكنه لم يفعل بل كان بكم رحيما لطيفا يسـر عليكم ولم يكلفكم إلا ما تطيقون من الأعمال في معتاد أحوال البشـر، والحمد لله رب العالمين.
وقال عز وجل: ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ فِيكُمۡ رَسُولَ ٱللَّهِۚ لَوۡ يُطِيعُكُمۡ فِي كَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ لَعَنِتُّمۡ﴾ أي لوقعتم في العنت وهو الضيق والشدة الشديدة ﴿وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ ٧﴾ [الحجرات]، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة معروفة والحمد لله.
والمقصود: التحذير من حال هؤلاء بضـرب الأمثال، وتعريف إخواننا الطيبين سوءَ أحوالهم ووخامة مآلهم، وما يحتوون عليه من تناقضات تؤدي بهم إلى الكفر الصـريح في كثير من الأحيان، وإلى المروق الصـريح من الدين بالفسوق والعصـيان الواضح.. لهذا عنون الشـيخ «أبو محمد المقدسـي» -فرج الله عنه، وهو الخبير بهم العارف بطرق ضلالاتهم- كتابه «الرسالة الثلاثينية» بـ«رسالة الجفر في أن الغلو في التكفير يودي إلى الكفر»٤١٤هي «الرسالة الثلاثينية في التحذير من الغلو في التكفير» وقد سماها الشيخ بـ«الجفر» لأنه فرغ من تبييضها في معتقل «الجفر»..
ولا شك أن هذا الذي عليه هؤلاء القوم ليس هو حال «المسلم» الذي وصفه القرآن والسنة، ولا هذا الدين هو دين الإسلام كما كان عليه محمد ﷺ وأصحابه.
لا والله.. إنما هؤلاء مارقون، مرقوا من الدين من باب الغلوّ والتشدد والإفراط والزيادة في الدين، كما أن العلمانيين والمتزندقة الملحدين العصـريين وأمثالهم مرقوا من الدين من باب النقصان منه والتفريط فيه والترك له اتباعا لشهواتهم، وهذان هما سبيلا الشـيطان؛ لإخراج الناس من النور إلى الظلمات؛ كما قال بعض السلف: «ما ندب الله العباد إلى شـيء إلا اعترض فيه إبليس بأمرين ما يبالي بأيهما ظفر؛ إما غلو فيه، وإما تقصـير عنه» ٤١٥قاله مخلد بن الحسين، ينظر: سير أعلام النبلاء (9 / 236).، وانتظروا وسوف ترون بأم أعينكم كيف يؤول إليه حال هؤلاء المفتونين المارقين المخلف وأتباعه، إن استمروا في هذا الطريق ولم يتداركهم الله برحمته، ووالله لقد رأيناهم وجربناهم في أكثر من بلدٍ يتركهم الطواغيت المرتدون يرتعون ويسـرحون ويمرحون في البلاد لا يمسونهم بسوء، رأينا ذلك بأم أعيننا وجربناه في ليبيا في أواخر الثمانينات من القرن الإفرنجي الماضي، حين كانت الحملات على الإخوة الملتزمين على أشدها من قبل الطاغوت القذافي وزبانيته واستخباراته، ومع ذلك كانوا يتركون الخوارج «التكفيريين» ولا يقربونهم بل يفسحون لهم كل مجال، لماذا؟ لأنهم يدركون أنهم يقدمون لهم خدمة مهمّة، وأنهم لا يشكلون أي خطر عليهم، بل هم أعوانٌ لهم في الحقيقة على المسلمين المستضعفين.!! كيف لا وصفتُهم التي وصفهم بها الصادق المصدوق أنهم (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان)٤١٦صحيح البخاري (3344، 7432)، صحيح مسلم (1064)..
وهكذا سمعنا عنهم في أماكن وبلدان أخرى، والقصص متشابهة في كل مكان، وسترون ذلك في هؤلاء أيضا؛ فاعتبروا يا أولي الأبصار، وهذا لعمر الله برهانٌ لمن كان له قلبٌ وتدبّرٌ وإرادة للحق، إذ كيف يرضـى الطاغوتُ عنهم ويتركهم يسـرحون ويمرحون في البلاد، لو كانوا على الحق وجادّة التوحيد وطريق محمدٍ ﷺ.! لكن الطاغوت يدرك أنهم بذرة فساد في «الجماعة المسلمة» أي في وسط المسلمين، فيتركهم يفسدون وربما دعمهم وفسح لهم وأمدّهم في طغيانهم ليضـرب بهم المسلمين.! وحسبنا الله ونعم الوكيل، ﴿وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ ٣٠﴾ [الأنفال].
وهذه كانت مقدمة نصحا لإخواننا وتذكيرا وتنبيها لمن أراد أن يتعظ ويعتبر، فإن العاقل من اعتبر بغيره، واتعظ، ولا يجرب كل شـيء بنفسه، إذن لهلك الناسُ كلهم لو أراد كل أحدٍ أن يجرب كل شـيء..! والسعيد من وقيَ الفتن، فاجتنبوا الفتن، وابتعدوا عنها وعن أهلها، واعتصموا بالله عز وجل وأكثروا من الدعاء والإلحاح على المولى ﷻ أن يمن عليكم بالهداية والسداد، فإن التوفيق كله بيد الله عز وجل وحده لا شـريك له.
وأنبه إلى أن المقصود مما تقدم هو الكلام على صفات وأحوال ومآلات أمثال هؤلاء وجنسهم وضئضئهم، ولا يلزم منه أني أحكي عن هؤلاء المفتونين الحاليين الآن كل ما ذكرته من تفاصـيل؛ فقد يكون فيهم الآن قليلٌ أو كثير مما ذكرنا، وهم على خطرٍ عظيم، فليعتبر المعتبرون وليتفكرْ أولو الألباب، نسأل الله العافية والسلامة.