فصلٌ

وههنا تنبيه آخر: وهو أن بعض ما يعتمد عليه «المخلف» من المسائل والتقريرات قد سبقه إليها علماءُ فضلاء من الأموات والأحياء، كالشـيخ «علي الخضير» وغيره من المعاصـرين، وكبعض علماء «الدعوة النجدية» المباركة، وهم اجتهدوا فيها وقالوا بما أراهم الله، وبعضُها لا أشكّ أنه من الزلل والخطأ الداخل في حيّز «زلة العالم» كبعض تقريرات الشـيخ «علي الخضير»، فرج الله عنه وغفر الله له.. آمين.

ومعلومٌ ما تقرر في الشـريعة وفي فقه الصحابة والسلف الصالح وما دوّنه العلماء رحمهم الله في التحذير من زلة العالم وبيان خطرها والواجب نحوها، فليراجع لها «جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البر و«الموافقات للشاطبي» ٤٤٠جامع بيان العلم (2 / 909، 978 وما بعدها)، الموافقات (5 / 132 - 139).، وغيرهما.

ولكن الفرق بين أولئك المشايخ الفضلاء وبين هؤلاء المفتونين المارقين كـ«المخلف» وأمثاله، أن أولئك العلماء الفضلاء قرروا المسائل على طريقة أهل العلم، وعذروا من خالفهم باجتهاد وتأويل، وكان لهم -بعد توفيق الله عز وجل- من التأسـيس العلمي وفقه النفس وسلامة المنهج -بسبب تلقي العلم بطرق صحيحة- ما يعصمُهم عن الوقوع في تكفير عموم العلماء الذين خالفوهم فيما قرروه، أو تكفير عموم المسلمين.!

وأنت ترى أن الشـيخ «علي بن خضير» مثلا يقول: إن مسألة عدم «العذر بالجهل» في الشـرك الأكبر وفاقية إجماعية، وهو ينقل ذلك عن بعض علماء الدعوة المتأخرين، ويتابعهم في ذلك، ويقرر الفرق بين الكفر والشـرك على نحو ما يفعل «المخلف» أو قريبٍ منه، ويذكر أشـياء فيها نظرٌ، ومع ذلك فهو عالم فاضل من أهل الخير والصلاح نحسبه كذلك، وقد عصمه الله عن مثل فتنة هؤلاء الجهلة، بصحة العلم في الجملة، وحسن القصد فيما نحسب، والله حسـيبه.

وانظر إلى الشـيخ «أبي محمد المقدسـي» -فرج الله كربه كذلك- فإن مذهبه في المسألة كمذهب الشـيخ «الخضير» أو قريب منه، ولكنه لا يكفر مَن خالفه، ولم يجرّه ذلك إلى تكفير عموم المسلمين ولا إنكار الجهاد، ونحو ذلك..!

ص 686

والحاصل.. أنه يجب على طالب الحق أن يتفطن لهذا الموضع، ولا يغترّ بزلة أحدٍ من العلماء، وليسلك سُبُل الهداية وليُدِم قرع باب الفتاح العليم، والله يفتح عليه.

في «سنن أبي داود» وغيره عن معاذ بن جبل h: «وأحذركم زيغة الحكيم؛ فإن الشـيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق»، قال٤٤١القائل هو يزيد بن عميرة من أصحاب معاذ. [المؤلف]: قلت لمعاذ: ما يدريني رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: «بلى، اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال لها ما هذه، ولا يثنينك ذلك عنه، فإنه لعله أن يراجع، وتلقَّ الحق إذا سمعته فإن على الحق نورا» ٤٤٢سنن أبي داود (4611) قال الألباني: صحيح الإسناد موقوفٌ. اهـ.

واستحضـر ما أشـرنا إليه فيما سبق من تحذير السلف من الغرائب، وهي التي سماها معاذٌ هنا «المشتهرات» وجاء في بعض روايات هذا الأثر «المشتبهات»، وفي لفظ: «ما تشابه عليكم من قول الحكيم، حتى تقول ما أراد بهذه الكلمة» كذا في «جامع الأصول»٤٤٣سنن أبي داود (4611)، جامع الأصول (7508)..

وليحذر طالبُ الحق من تعظيم العظماء فوق تعظيم الحق، بسبب غلبة محبة الأشـياخ والطوائفِ ونحوهم؛ فإنها مزلة خطرة وسبب من أسباب الهلاك، قال ابن الجوزي رحمه الله في صـيد الخاطر: «والمقصود أن تعلم أن الشـرع تام كامل، فإن رزقت فهمًا له فأنت تتبع الرسول ﷺ وأصحابه، وتترك بنيات الطريق، ولا تقلد في دينك الرجال، فإن فعلت فإنك لا تحتاج إلى وصـية أخرى، واحذر جمود النقلة، وانبساط المتكلمين، وجموع المتزهدين، وشـرهَ أهل الهوى، ووقوفَ العلماء على صورة العلم من غير عمل، وعمل المتعبدين بغير علم. ومن أيده الله عز وجل بلطفه رزقه الفهم وأخرجه عن ربقة التقليد، وجعله أمة وحده في زمانه، لا يبالي بمن عبث ولا يلتفت إلى من لامَ، قد سلم زمامه إلى دليل واضح السبيل، عصمنا الله وإياكم من تقليد المعظمين، وألهمنا اتباع الرسول ﷺ»٤٤٤صيد الخاطر (ص 136). اهـ.

ص 687

واعلم أن هذا من جملة ما يبتلي الله ﷻ به الناسَ، أعني زلات العلماء، لينظر اللهُ ﷻ مَن يُطيعه ويُخلِصُ له ويصدُق في طلب الحق ويتحرى ويجتهد وسعَه في إصابته، ومَن لا يرفع بطلب الحق والفضل رأسًا، وهذا فيه من الحكم الجليلة بالإضافة إلى حكمة ابتلاء المكلفين: تمييزُ درجاتهم، والإعذار إليهم في سبق مَن يسبِق وقعود مَن يقعُـد، وعند الصباح يحمَد القومُ السـرى، ولله المحامد كلها.. ثم اعلم أن العالِم المجتهد في إرادة الخير وطلب الحق؛ فإن خطأه مغفورٌ وهو مأجورٌ أجرًا واحدًا (وهو أجر الاجتهاد وبذل الوسع في إصابة الحق والخير) كما جاء منصوصا في الحديث المتفق عليه٤٤٥يعني قوله ﷺ: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ»، كما في: صحيح البخاري (7352)، صحيح مسلم (1716).، لكن مقلِّده ومتابعه على قوله الخطأ قد لا يكون مأجورا ولا معذورا مغفورا له، وذلك إذا كان صادرًا في تقليده عن مجرد تعظيم شـيخه ومتبوعه والتعصب له، لا عن إرادة الخير وتحرّي الحق بإخلاص وصدق.

قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: «وههنا أمر خفي ينبغي التفطن له، وهو أن كثيرًا من أئمة الدين قد يقول قولًا مرجوحًا ويكون فيه مجتهدًا مأجورًا على اجتهاده فيه موضوعًا عنه خطؤه فيه، ولا يكون المنتصـر لمقالته تلك بمنزلته في هذه الدرجة، لأنه قد لا ينتصـر لهذا القول إلا لكون متبوعه قد قاله، بحيث لو أنه قد قاله غيره من أئمة الدين لما قبله ولا انتصـر له ولا والى من يوافقه ولا عادى من خالفه، وهو مع هذا يظن أنه إنما انتصـر للحق بمنزلة متبوعه، وليس كذلك، فإن متبوعه إنما كان قصد الانتصار للحق وإن أخطأ في اجتهاده، وأما هذا التابع فقد شاب انتصارَهُ لما يظن أنه الحق إرادةُ علو متبوعه وظهور كلمته وأنه لا ينسب إلى الخطأ، وهذه دسـيسة تقدح في قصده الانتصار للحق، فافهم هذا فإنه مهم عظيم، والله يهدي من يشاء إلى صـراط مستقيم»٤٤٦جامع العلوم والحكم (2 / 267، 268). اهـ.