[الكلام عن فرض الجهاد كفايةً وتعينًا، وضابط ذلك، وحاجة المجاهدين إلى الكوادر]
الأخ الكريم............ حفظكم الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذه رسالة وصلتني منك قبل مدة (أظن في شهر صفر الماضي) لكني تركتها على جنب على أمل أن أجد وقتًا لكتابة رد على أسئلة الأخ، فلا أحب أن أهمل أسئلة الإخوة ما استطعتُ إلى إجابتهم سبيلًا، فكم من أخ صادقٍ نفعته كلمة ونفعتنا معه، لكن الله المستعان من الأشغال؛ فلم تتوفر لي الفرصة إلا هذه الأيام، فقلتُ: أكتب أجوبة ولو مختصرة عليها لعل الله يفيد بها وينفع، فأرجو إرسال الجواب له، وهذا أوان الشروع في المقصود، والجواب هو ما بين معكوفين ضمن الرسالة، بالله التوفيق.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ شـيخنا الكريم، والله إني لأحبك في الله..
شـيخنا الفاضل؛ هناك عندي بعض الإشكاليات: كنت أناقش أحد الإخوة عن الذهاب للجهاد -وهو ممن جاهد في الأفغان بعد سبتمبر- وحكمه؛ فذكرت له أنه فرض عين، قال: هل المجاهدون محتاجون لك كشخص؟ الذي أعلمه أنهم محتاجون للمال أكثر من الأشخاص!.. بل بالعكس قبل أسبوع كنت على اتصال مع أحد الإخوة، فذكر أنه بعد الانتهاء من التدريب بقي قرابة 6 أشهر بدون النزول للمعارك خُير بين عملية استشهادية فلم يرغب، ولم ينزل للساحة. انتهى نقله.
هل كلامه صحيح؟ إن كان كذلك فهل يتعين أو يكون كفائيا؟ إذا كان كلامه غير صحيح فهل الحكم فرض عين؟ وهل أستأذن والديّ أم لا أستأذنهم؟
الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه..
وبعد: نعم المجاهدون بالنسبة لساحة أفغانستان وباكستان لا يحتاجون في هذه المرحلة (وأؤكد على كلمة «في هذه المرحلة» لأن هذا التقرير قد يتغير من حين إلى آخر) إلى أعداد كثيرة من المجاهدين المقاتلين، فالحمد لله الأعداد المتاحة الموجودة من مهاجرين وأنصار (أهل البلد) كثيرة جدًا، لكن هذا إنما هو بسبب قدرة الساحة ونظامها الجهادي (الجماعة أو الجماعات الجهادية الموجودة هناك) على استيعاب الناس من جهة تسليحهم وتدريبهم وتعليمهم وتفقيههم وترقيتهم نفسـيا ووعيًا.. إلخ بل حتى استيعابهم من جهة المعيشة: تسكينهم (يعني الإقامة) وإعاشتهم بمعنى مصاريف أكلهم وشـربهم.. إلخ، فالمجاهدون سواء إمارة أفغانستان الإسلامية (الطالبان) أو القاعدة أو غيرها ليس عندهم القدرة على استيعاب أعداد كبيرة جدًا لهذا السبب أي بسبب عدم القدرة المالية وما شابهها، وحتى القدرة المتعلقة بالوضع الجيوغرافي، ولذلك فنرى أننا في مرحلة انتقاء واختيار؛ فندعو الكوادر المتخصصة التي يحتاجها الجهاد بالدرجة الأولى، ثم المقاتلون العاديون بحسب الحاجة بحسب ما يقرر قيادات الجهاد وأولو أمره، فنقبل الأعداد شـيئًا فشـيئًا وبالاختيار والتزكية، وبالله التوفيق..
هذا بالنسبة لساحتنا هنا، والساحات الأخرى كلٌ بحسبه، وقد تكون ساحةٌ من الساحات محتاجةً إلى أعداد في وقتٍ تكون فيه ساحةٌ أخرى غيرَ محتاجة، وهكذا، لكن: هل هذا يجعلنا نقول إن الجهاد اليوم فرضُ كفاية؟ في رأيي أن هذا غيرُ دقيقٍ، وأنا لا أستطيع إطلاق القول بأن الجهاد الآن فرض كفاية، لأن الكفاية غير حاصلة في الواقع، لأن معنى الكفاية كما وضّحه العلماء هو حصولُ دفعِ العدوّ، أو حصولُ العدد الذي يندفع بهم العدوّ بحيث يكون بصدد أن يندفع فلا يُحتاجُ إلى أكثر منهم، وهذا في الحقيقة غير حاصلٍ، وإنما كفايتنا هذه التي تحدثتُ عنها راجعة إلى عدم قدرتنا على استيعاب أعداد كبيرة، وهو راجع في جزء كبير منه إلى تقصـير أهل المال في الأمة، وتقصـير الكفاءات العلمية والقيادية والكوادر المتخصصة الراقية التي أنعم الله عليها بنعمة التميّز في المهارات، وإلا فهاتِ لي الأموال وهات الكوادر وترى ماذا نفتح لك من جبهات ومعسكرات، وما نصنع في أعداء الله بعون الله، والله المستعان وحسبنا الله ونعم الوكيل، ثم لأن هذه الكفاية مؤقتة فأنا قد أقول لك: لا نحتاج اليوم إلى أعداد، لكن بعد أيام ربما أنادي وأقول: هلمّوا يا شباب الإسلام، نحن محتاجون إلى أعداد أكثر من المقاتلين، لأن هذه حربٌ، والحرب تأكل الرجال، والله المولى، وكذلك الجبهات تُفتَحُ بحسب القدرة وبحسب الحكمة والمصلحة، فهذا لا بد من الانتباه له.
ثم شـيءٌ آخر نبهتُ إليه بتقييدي الكلام بساحتنا وما شابهها من الساحات، لكن ما الأمرُ فيما وراء ذلك من أرض الإسلام بل ومن الدنيا كلها، أما الأولى (أرض الإسلام) فلا شك أن كثيرًا من أراضـي المسلمين محتلّة مستولىً عليها من قبل الكفار وبعضها من قرون، والله المستعان، من الأندلس غربًا وأطراف أوروبا الجنوبية ووسط أسـيا والبلقان والقوقاز وما قاربها، إلى تركستان الشـرقية في الصـين إلى الكثير من بلدان جنوب شـرقي آسـيا، سنغافورة والفلبين والتايلاند وغيرها بل والهند أو أجزاء كبيرة منها وغيرها، كلها كانت في وقت من الأوقات بلاد إسلام ودار إسلام ثم أخذها العدو الكافر؛ فيجب على المسلمين استعادتها وتخليصها من يد الكفار، ثم سائر بلاد الإسلام من بلاد العرب والعجم تحت سلطة حكومات كافرة مرتدة من بني جلدتنا، وهؤلاء يجب قتالهم وجهادهم، يجب على كل قادر القيام في ذلك، وقتالهم شـرعًا مقدّمٌ على طلب الكفار الأصليين في بلادهم، في الأصل، إنما حصل التقدّم للكفار الأصليين الآن (أمريكا وأحلافها) لعارضٍ رجّح تقديمهم، فمن يقوم بجهاد هؤلاءِ؟ وكيف نقول إن الجهاد فرضُ كفاية؟! إنا إذًا لجُرآءُ!
وأما الثاني (وهو قولي ومن الدنيا كلها) فلأن سائر الدنيا تنتظر منا أن نفتحها بالإسلام بأن نغزو بلاد الكفار ونفتحها حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ولا تكون للكفر سلطة غالبة قاهرة تمنع الناس من الإسلام، هذا واجبٌ كفائي في الأصل على أمة الإسلام، وأنت ترى أنه مهدَرٌ غير مَقومٍ به، فقد تعرّض الجميعُ للمؤاخذة إذًا إلا من أعذر إلى الله بأن عمل المقدور عليه بالنسبة له، ويمكن أن نضيف أوجهًا أخرى كتخليص الأسـرى فإنه واجبٌ كفائيّ على الأمة بكل طريق مشـروعٍ من مفاداة بمالٍ أو بالقوة والحرب والسلاح، أوبالتلصص والحيلة، ووجوب السعي لإقامة خليفة للمسلمين ودولةٍ للإسلام جامعة ما أمكن، وغير ذلك..
ولذلك نقول في تحرير معنى كون الجهاد فرضَ عين علينا الآن إنه يجب على كل مسلم القيام فيه بما يستطيع وبما يناسبه وبما يكون مطلوبًا منه، وخلاصتُهُ كما قلتُهُ مرارًا هي كلمة الشـيخ عبد الله عزام رحمه الله: «الْحَقْ بالقافلة» فمن لحق بقافلة الجهاد والمجاهدين بأن بذل نفسه واستعدّ وقال بلسان حاله قبل مقاله: ها أنا ذا سهمٌ من سهامِ المسلمين فلترمِ بي قيادة المسلمين حيث شاءت؛ فيقال: أنت يا فلان اذهب إلى الشـيشان فهم محتاجون لمثلك ولأن الذهاب إليها متيسـر لك مثلا، وأنت يا فلان اذهب إلى المكان الفلاني، وأنت يا فلان ابقَ في مكانك واعمل بكذا وكذا من اقتصادٍ ومالٍ وتجارةٍ أو كتابةٍ وكلمة ودعوة وإعلامٍ أو طلب علمٍ، وأنت يا فلان كذا وكذا.. فمن أمكنه أن يتواصل مع قيادات الجهاد فيعرف ما هو المناسب في حقه والمطلوب منه، بتجرّد وصدق وإخلاص، فهذا واضحٌ، ومَن لم يستطع، وهم أكثر الناس، فهذا يسـير مع الخطط العامة المعروفة، ويبذل جهده ما استطاع، ويتقي الله، ويتشاور مع الأقرب فالأقرب دينا وعلمًا من أهل العلم والجهاد الصالحين الأمناء، والله يوفقه ويسدده، وهو بذلك قد أدّى الذي عليه وبرِأت ذمته إن شاء الله، والله يتقبل من المتقين، ولذلك فالحق أنه لا يلزم استئذان الوالدين في الجهاد في أيامنا، والله أعلم ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وأما أن الأخ المشار إليه بقي ينتظر ستة أشهر أو أكثر أو أقل قبل أن تتاح له فرصة عمل عسكري (المشاركة في العمليات) فهذا عاديٌّ شائعُ الحدوث، بحسب الموسم الذي صادفه، أو بحسب عوامل متعددة، وليس العيش في أفغانستان والقبائل كله عمليات وكله قتلٌ ونحرٌ لأعداء الله، بل هو حياةٌ كاملة، فيها التدريب، وفيها القتال بحسب وقته ومناسباته ولياقة الشخص له والحاجة إليه فيه، وهكذا، وفيها الأعمال الأخرى المكملة للجهاد والتي لا بد منها كالأعمال اللوجستية والإدارية وباقي التخصصات المتنوعة الكثيرة، لكن في الغالب أن كل أحدٍ تتاح له فرصة المشاركة في القتال (العمليات القتالية الحربية) مقلٌّ ومستكثر، بل لا بد أن يعطى الفرصة، إنما «يبغالها شوية صبر» أحيانًا، والتوفيق بيد الله عز وجل وحده، فعلى الأخ إذا جاء إلى ساحات الجهاد أن يضع هذا نصب عينيه ويجهّز نفسه ويوطّنها على الصبر والانتظار والكون حيث يؤمَر أن يكون ولا يستعجل في شـيء، وحياة الجهاد كلها خيرٌ وبركةٌ وأجرٌ ومليئة بالأعمال الصالحة، والإخوة في «تنظيم قاعدة الجهاد» عندهم ورقة يعطونها للأخ الذي ينفر إلى الجهاد يقرأها قبل نفيره؛ فيها تذكير بأشـياء وتوضيح لأشـياء مهمة، نرى أن هذه مهمٌّ جدًا الاطلاع عليها قبل النفير والبحث عنها، ويمكن أن تطلب من الإخوة في «الجبهة الإعلامية الإسلامية العالمية»، وأسأل الله لي ولك ولكل أحبابنا الهدى والسداد والإعانة.